احتياطيات غير تقليدية تؤهل السعودية لتصبح عملاقا في إنتاج الغاز الصخري
من المستبعد أن تنتج السعودية كثيرا من الغاز الصخري في العقد الحالي، بسبب معوقات تشمل ندرة المياه وتثبيت الأسعار عند مستويات أدنى بكثير من تكلفة الإنتاج.
لكن السعودية تملك من الاحتياطيات والرغبة والإمكانات ما يمكنها أن تصبح يوما ما عملاقا في مجال إنتاج الغاز الصخري، وتملك السعودية بالفعل احتياطيات غاز تقليدية كبيرة لكن أكثر من نصفها موجود في حقول النفط التي تحكم إنتاجها سياسة منظمة البلدان المصدرة للبترول "أوبك".
ومن غير المتوقع أن تُجاري الزيادات في الإنتاج شره الاقتصاد للغاز لتشغيل محطات الكهرباء والبتروكيماويات وتحلية المياه.
وبإلهام من طفرة الغاز الصخري، التي حولت الولايات المتحدة من أكبر مستورد للغاز في العالم إلى مصدر ناشئ؛ قالت "رويترز" في تحليل لها: إن السعودية بدأت أبحاثا بشأن احتياطياتها غير التقليدية الهائلة وإمكانية استخدامها لتغذية نمو طويل الأجل لمصلحة سكانها.
وقال وزير النفط السعودي علي النعيمي في الأسبوع الماضي، إن المنطقة تحتاج لخلق وظائف وفرص لشعوبها، مشيرا إلى أن هذا له الأولوية القصوى للسعودية وأن آفاق الغاز مبشرة.
ورفعت شركة أرامكو السعودية احتياطياتها المؤكدة من الغاز التقليدي لأكثر من ضعفيها منذ 1987 وأعطى بدء إنتاج حقل كران للغاز في 2011 دعما للمعروض من حقل لا يرتبط إنتاجه بالطلب العالمي على الخام السعودي.
ومن المتوقع أن يعزز مشروعان بحريان للغاز غير المصاحب للنفط الإمدادات التقليدية حتى عام 2017 تقريبا.
لكن مع عدم التوصل إلى احتياطيات تقليدية ذات جدوى تجارية بعد عشر سنوات من الأبحاث في الربع الخالي بدأت "أرامكو" تنظر إلى الاحتياطيات غير التقليدية أملا في أن تساعدها في تلبية تضاعف محتمل للطلب بحلول 2013 في بلد يحظر استيراد الغاز.
وقدر النعيمي في آذار (مارس) الاحتياطيات غير التقليدية من الغاز بأكثر من 600 تريليون قدم مكعبة، أي أكثر من ضعفي الاحتياطيات التقليدية المؤكدة للسعودية. وتضع تلك التقديرات السعودية في المرتبة الخامسة في تصنيف ضم 32 دولة تملك احتياطيات من الغاز الصخري أعد لصالح إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
غير أن احتمالات الغاز الصخري للأمد البعيد فقط. وقال النعيمي إن "أرامكو" ستحفر نحو سبع آبار تجريبية فقط للغاز الصخري في 2013. ولا يزال تركيز الشركة منصبا على الغاز التقليدي.
وقال سداد الحسيني المسؤول التنفيذي الكبير السابق في "أرامكو": "طبيعة التنقيب هي لتلبية الاحتياجات في المدى البعيد. عادة 10 أو 15 عاما في المستقبل. برنامج التنقيب عن الغاز الصخري لا يزال في بدايته، وهو جزء مهم في جهود تقييم موارد السعودية من أجل المستقبل".
وأضاف الحسيني: "هذه ليست جهودا كبيرة بمعايير الصناعة. سيتطلب الأمر دراسات مكثفة للتنقيب وحفر العديد من الآبار قبل إمكانية عمل أي تقييمات فيما يتعلق بالجدوى الاقتصادية واحتمالات الإنتاج في نهاية الأمر".
وحتى في منطقة الخليج لن تكون السعودية الأولى في الاستفادة من الاحتياطيات غير التقليدية.
ومن المرجح أن تتصدر عُمان هذا الأمر إذا تمكنت من التوصل إلى اتفاق بشأن السعر مع "بي بي" بخصوص تطوير منطقة امتياز، يقول خبير في الغاز الصخري، إنها يمكن أن تبدأ الإنتاج التجاري بحلول 2017 وتنتج ما يصل إلى 30 تريليون قدم مكعبة.
لكن "أرامكو" حريصة على زيادة إنتاج الغاز لأنه يمكنها جني 100 دولار من تصدير برميل النفط الذي تبيعه لمحطات الكهرباء السعودية مقابل نحو أربعة دولارات للبرميل بسبب نقص الغاز.
والشركة التي تصدر نفطا بأكثر من 800 مليون دولار يوميا قادرة على تحمل تكلفة تطوير قدرات لإنتاج الغاز الصخري. وعلى النقيض من شركات التنقيب في أوروبا كثيفة السكان، تملك "أرامكو" مساحات شاسعة من الصحاري الخالية يمكنها الحفر فيها ولا تواجه احتجاجات بيئية على غرار تلك التي تشهدها الولايات المتحدة وأوروبا.
غير أن السعودية تفتقر بشدة إلى كثير من العوامل التي دعمت طفرة الغاز الصخري في الولايات المتحدة ومنها شركات ريادة الأعمال المبتكرة القادرة على تدبير رأس المال ووفرة المياه وتوافر شبكة نقل يسهل الوصول إليها.
وثبطت الأسعار الثابتة للغاز عند مستويات منخفضة في أنحاء منطقة الخليج الاستثمار عن إنتاج المزيد.
وحتى بعدما خفضت الابتكارات السريعة في الولايات المتحدة تكلفة إنتاج الغاز الصخري من أكثر من 13 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية في منتصف 2008 إلى نحو أربعة دولارات حاليا لا تزال التكلفة أكبر بكثير من السعر الثابت في السعودية عند 0.75 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.
وقال أليكس مانتون محلل الطاقة في الشرق الأوسط لدى وود ماكينزي في ادنبره: "الدولة تسيطر على القطاع، ولا توجد سوى شركة واحدة عاملة، وأسعار الغاز تجعل تطوير هذا المورد غير ذي جدوى اقتصادية".
وأضاف، أن الأمر ربما يستغرق عشر سنوات لرؤية أي إنتاج ملموس في السعودية.
وتستعين "أرامكو" حاليا بمتخصصين في الغاز غير التقليدي لإجراء مزيد من التقييم، لكن ربما يصعب جذب الخبرة في المستقبل.
ويقول محللون، إن أفضل الأساليب المعمول بها هو الاستعانة بشركات خدمات كبرى لعبت دورا في الطفرة بالولايات المتحدة. وتلك الشركات متعطشة للقيام بأعمال في دول أخرى، وأنشأ بعضها مكاتب تطوير في السعودية.
لكن الصين التي تملك أكبر احتياطيات غير تقليدية في العالم وقَّعت بالفعل عقودا بنظام تقاسم الإنتاج، وأرست عقود تنقيب على شركات حيث تستهدف إنتاج 6.5 مليار متر مكعب من الغاز الصخري سنويا بحلول 2015. ويعني قرارها بمنح معظم مناطق الامتياز في مناقصة أجريت في الآونة الأخيرة لشركات لا تملك خبرة تذكر، أن تلك الشركات يمكن أن تمتص شبكة الخبرات المحدودة من شركات مثل شلومبرجر وبيكر هيوز، وهو ما قد يعرقل آفاق التنقيب عن الغاز الصخري في السعودية. وأكبر عقبة أمام السعودية هي على الأرجح نقص المياه، لأن عمليات التكسير تتضمن ضخ كميات هائلة من المياه العذبة لزيادة الضغط من أجل خروج الغاز من الصخور أو الرمال.
وتقدر وكالة حماية البيئة الأمريكية الاحتياجات السنوية لشركات الغاز الصخري الأمريكية من المياه بما يتراوح بين 265 و530 مليار لتر، تعادل ما تستخدمه مدينة أمريكية يتراوح عدد سكانها بين 2.5 مليون وخمسة ملايين نسمة.
لكن الخطط السعودية الطموحة لبناء محطات لتحلية المياه ومحطات للطاقة النووية والشمسية لتزويدها بالكهرباء لن تنتج على الأرجح الكميات اللازمة من المياه بتكلفة منخفضة بدرجة كافية.
وسوف تعتمد الاحتمالات الخاصة بالسعودية على تطوير تكنولوجيا تسمح لـ "أرامكو" باستخدام مياه البحر بشكل فعال لإنتاج الغاز الصخري أو باستخدام غاز البترول المسال، وهي تقنية تطورها شركات في أمريكا الشمالية.
وأنشأت "أرامكو" في منتصف 2012 شركة أرامكو السعودية لمشاريع الطاقة للاستثمار في مشاريع جديدة أو شركات تتمتع بفرص نمو كبيرة بتقنيات ذات أهمية استراتيجية، مما يشير إلى أن الشركة السعودية مستعدة لخوض غمار عمليات التطوير تلك.
وقال إبراهيم البوعينين رئيس "أرامكو السعودية لمشاريع الطاقة" خلال افتتاح مكتبها في هيوستون في 30 كانون الثاني (يناير)، إن أهمية مجتمع الشركات الأمريكي أمر مسلّم به. وأضاف أن الشركة ترى إمكانات كبيرة للتعاون مع شركات جديدة في أنحاء أمريكا الشمالية لدعم تطوير تقنيات جديدة.