الإيرانيون يقفزون من "المركب الغارق" .. نقلوا 30 مليار دولار للخارج
لا تزال المصارف الأجنبية تخشى أي تعامل مالي حتى ولو كان ارتباطه بإيران عرضيا رغم أن حكوماتها شجعتها على تسهيل التجارة والاستثمار.
وبحسب "الفرنسية"، فإن الإيرانيين يتهافتون على القفز من "المركب الغارق"، إذ ذكرت إحدى العائلات الثرية أنها نقلت كامل ثروتها من البلاد هذا الأسبوع بعدما خسرت الملايين حتى الآن بسبب تراجع الريال الذي فقد ثلث قيمته أو أكثر مقابل الدولار هذا العام.
ويصعب التحقق من الأرقام لكن محللين ومسؤولين أفادوا بأنه تم إخراج بين 10 و 30 مليار دولار من البلاد خلال الأشهر الأخيرة.
وقال أماوري دو لا سير رجل الأعمال الفرنسي لدى افتتاحه فرعا لمطعمه الفخم "سوشي شوب" في طهران الصيف الماضي "ذهبنا إلى وزارة الاقتصاد الفرنسية وأعطونا لائحة بجميع البنوك التي قد توافق على العمل مع إيران. لكن لدى اتصالنا بهم، رد كل مصرف منهم سلبا".
وعقب التوقيع على الاتفاق النووي، تلقت إيران وعودا كثيرة بدخول الشركات الأجنبية على خط الاستثمار، لكن عديدا منها امتنعت عن نقل أموالها فعليا إلى البلاد وفضلت التريث.
وبحسب البنك الدولي، بلغت قيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة في إيران 3.4 مليار دولار في 2016، وهو أقل بكثير من مبلغ 50 مليار دولار الذي حدده الرئيس الإيراني حسن روحاني كهدف في العام الأول منذ إبرام الاتفاق.
وقال أردوان أمر-أصلاني المحامي الدولي الذي كتب عدة مؤلفات عن المنطقة ويملك مكتبا في طهران، "بإمكانهم بيع النفط، حسنا، يكفي ذلك لدفع رواتب الموظفين والمحافظة على البنية التحتية لكنه لم يجذب حتى جزءا من الاستثمارات التي تحتاج إليها البلاد".
وأضاف "أعمالنا التجارية باتت هزيلة. وتوقفت جميع الاستثمارات الأجنبية. تم تجميد حتى الكميات الضئيلة التي وعدنا بها".
وأشار أمر-أصلاني إلى أن "التضخم يزداد وتأمين فرص العمل يتراجع. وفي نهاية المطاف، إنها كارثة اقتصادية".
في حين اعتبر توقيت معرض النفط الدولي السنوي في طهران هذا الأسبوع مربكا، حيث قال مستشار أوروبي حضر المعرض أمس الأول، "كانت الأجواء قاتمة كان هناك عدد قليل من الأجانب ومنصات العرض صغيرة. إنه أمر محبط".
وأقر المنظمون بأن عدد الضيوف الأجانب انخفض بالثلث مقارنة بالعام الماضي، بحسب ما ذكرت صحيفة "همشهري".
وكانت الصفقة الوحيدة المهمة في مجال النفط التي أبرمتها إيران منذ الاتفاق النووي صفقة للتنقيب بقيمة خمسة مليارات دولار مع شركتي "توتال" الفرنسية و"سي إن بي سي" الصينية العام الماضي.
ويعاني القطاع الخاص غياب الاستثمارات فيما النظام المصرفي مشلول بفعل القروض السيئة بينما مستويات البطالة القياسية تعني أن ثلث الشباب البالغة أعمارهم أقل من 30 عاما لا يعملون.
وحاول النظام الإيراني تعزيز الاستثمار، لكن التظاهرات التي خرجت في كانون الأول (ديسمبر) وكانون الثاني (يناير) كشفت عمق الغضب تجاه سياسته.
وكتب أستاذ الاقتصاد في جامعة فرجينيا التقنية المتخصص في الاقتصاد الإيراني في مقال لـ"بروجيكت سنديكايت" أن "معظم اللوم لأداء إيران الباهت يوجه إلى فريق روحاني الاقتصادي الذي ثبت أنه لا يجاري المشكلات الاقتصادية المتنامية".
وقال إن محاولات إيران نحو اقتصاد موائم أكثر للسوق وقادر على التفاعل مع العالم باتت تواجه خطر "التوقف تماما" ليحل محلها "اقتصاد المقاومة" الخاضع لسيطرة شديدة والمركز على الداخل.
وتوقع لـ"الاقتصادية"، عدد من المختصين أن يشهد الاقتصاد الإيراني انهيارا وتحديدا القطاع المصرفي، خلال الفترة المقبلة، مؤكدين أن أزمة العملة تضع نظام طهران بين سيناريو الإفلاس أو السير على خطى فنزويلا التي تعاني أزمة اقتصادية حادة.
وقالوا إن معدلات التضخم في إيران وصلت إلى أرقاما فلكية، فقدت معها العملة الوطنية قيمتها، ويتطلب شراء رابطة خبز أن تحمل معك "كيس" من المال لدفع ثمنها.
ودفع هذا الوضع المتأزم كثيرون للتساؤل عن حقيقة ما يحدث للعملة الإيرانية؟ هل تعبر في وضعها الراهن عن ملامح أزمة حقيقية يمر بها الاقتصاد الإيراني تحت وطأة العقوبات الدولية، أم أن الأمر لا يتعدى "وعكة" صحية سيخرج منها الريال الإيراني قريبا؟
وأكدوا لـ"الاقتصادية"، أنه توجد مجموعة من الأسباب تتراكم منذ فترة طويلة، ولكنها تسارعت في الآونة الأخيرة، وستزداد تسارعا في الأشهر المقبلة بحيث سيفقد الريال الإيراني المزيد من قيمته، حيث إن الحصار الاقتصادي لسنوات أنهك بنية الاقتصاد الإيراني.
وأشاروا إلى أنه إذا أخذ في الاعتبار أن البنية الأساسية للاقتصاد الوطني بنية تقليدية تعتمد على تصدير النفط والغاز، فيمكن الفهم بأن هيكل الاقتصاد الإيراني أصيب بتشوهات متعددة نتيجة عدم قدرته على التفاعل مع الاقتصاد العالمي.
وأوضحوا أن تفشي الفساد في المراكز العليا لصنع القرار السياسي والاقتصادي، أفقد رجال الأعمال والمدخرين الثقة بالعملة الوطنية، خشية التلاعب بها لصالح القطاعات الاقتصادية النافذة، وتحديدا الحرس الثوري، ما جعل القطاع الأكبر من الإيرانيين يحول مدخراته إلى دولارات أو ذهب لتفادي تراجع مستوى معيشته.