ما حكاية مواد البناء..؟
لا تكاد أسعار مواد البناء خاصة حديد التسليح تستقر عند سعر معين لأسابيع تعد على أقل من أصابع اليد الواحدة، حتى تعاود الصعود وتعلن مصانعها ويعلن مستوردوها عن فرض زيادة جديدة في السعر، طبعا المستهلك لا حول له ولا قوة في هذه الحالة، ومصانع ومستوردو مواد البناء يقررون الزيادات وتعلن وتطبق بأسرع من لمح البصر دون انتظار لفترة زمنية كافية كي يستوعب السوق ما طرأ من زيادات سابقة، وهذا الارتفاع في أسعار مواد البناء ليس استثناء فهو يأتي وفق سياق الغلاء الذي أصاب كل السلع بدون استثناء، إلا أن الملاحظ على ارتفاع أسعار مواد البناء أنه متسارع ومتصاعد وفي أوقات متقاربة، ولهذا نتائج سلبية كبيرة، فنحن نعاني أصلا أزمة مساكن، كما أن الدولة أقرت مشاريع ضخمة، وعلى وقع هذا الغلاء ستتوقف حركة بناء المساكن الخاصة وتتعطل مشاريع الدولة وكثير منها شبه متوقف لعدم قدرة المقاولين على تنفيذ التزاماتهم بسبب ارتفاع الأسعار غير المتوقع والمتتابع، وقصور إمكانات المواطنين المحتاجين إلى سكن على ملاحقة تضخم الأسعار الجنوني.
السؤال المقلق هو إلى أن ستقودنا هذه الأسعار التي لم يعد لها حد..؟ وكيف وقفنا عاجزين عن معالجتها والحد من اندفاعاتها التصاعدية..؟ فمثلا حديد التسليح شهد على مدى أقل من شهر تقريبا زيادة تفوق 750 ريالا في الطن وهذه زيادات لا معقولة، وحديد التسليح من أهم مكونات البناء، ويتوقع أن يرتفع أكثر في الأسابيع المقبل، إذا لم يتم وضع إجراءات وقائية، وهذا محل تساؤل دائم وشكوى عامة، وأجزم أننا أمام هذا الوضع لن نكون قادرين على الحفاظ على الأقل على وتيرة البناء الحالية فضلا عن توفير المناخ الإيجابي لزيادة حركة العمران التي نحن في أمس الحاجة إليها.
الأمر ليس في حاجة إلى التشخيص فالواقع المر لارتفاع أسعار مواد البناء يكابده الجميع، وهنا يستغرب فعلا صمت الجهات المعنية وعدم تحركها الفاعل من أجل معالجة ارتفاع أسعارها بهذه النسب غير المعقولة، ولا تقبل هنا حجج أنها موجة غلاء عالمية، لأن ارتفاع الأسعار بهذا الكم الكبير وغير المتوقف أو المحدود له انعكاسات واسعة لا يجب التفرج عليه دون تدخل ما لكبح جماحه، فهي ستعرقل – حسب رأي المقاولين كما جاء في "الاقتصادية" في 2/2/1429هـ - حركة البناء والعمران والتطوير في المرحلة الحالية التي نحن في أمس الحاجة إلى تشجيعها وتوفير كل الإمكانات لها لمواجهة أزمة إسكان تتفاقم سنة بعد أخرى، ما سيؤدي إلى أزمة اقتصادية كبرى حسب توقع المقاولين نتيجة لهذا الارتفاع غير المبرر وغير المسؤول كما يرونه خاصة وأن مصانع الحديد حققت أرباحا مجزية خلال الفترة الماضية ما يعني أنها تبيع بأسعار أكثر من تكلفة الإنتاج، وهناء نضع أكثر من علامة استفهام.
ما يدفع إلى تناول هذا الموضوع المهم الذي له ارتباط بمصلحة وطنية اقتصادية هو أن معدل ارتفاع أسعار مواد البناء خاصة حديد التسليح، بات لافتا للنظر ومحل استغراب وتساؤل، وأكثر جوانب الاستغراب هو في غياب تام لأي رقابة ومتابعة من الجهات المسؤولة خاصة وزارة الصناعة والتجارة، ما يؤكد ذلك أن الحديد يرفع سعره بنسب كبيرة خلال أسابيع معدودة دونما ردة فعل، فعندما يرتفع سعره، كما أشرنا، في أقل من شهر 750 ريالا، ألا يعني ذلك وجود خلل ما..؟َ!
حكاية أسعار مواد البناء حكاية كبرى يجب ألا نستهين بها، ولا أن تتركها بدون تدخل ما من أجل ضبطها وإن تطلب الأمر قيام الدولة وهي لا تقصر في مثل هذه الحالات بدعم الأساسي منها خاصة للأفراد الأكثر تضررا من ارتفاع الأسعار، فهذا الارتفاع الكبير في أسعارها والمتصاعد يوما بعد يوم يؤثر سلبا في جانب من أهم جوانب اقتصادنا، فالمواطن الذي يعاني أصلا من عدم القدرة على امتلاك سكن وهو من حاجاته الأساسية، يأتي هذا الغلاء الفادح في أسعار مواد البناء لجعل المواطن ييأس من التمتع بسكن مريح ويلبي احتياجاته الفردية والأسرية والاجتماعية.
نعم، أسعار مواد البناء وبالتحديد حديد التسليح باتت حكاية مقلقة وغامضة، مقلقة من ناحية تصاعدها وكأن لا ضابط لها ولا رابط وحبلها متروك على غاربه، وغامضة لأن لا أحد يفهم كيف تتصاعد وتتضاعف شهريا إن لم يكن أسبوعيا ولا أحد يسأل لماذا ولا جهة تتدخل، فمهما قيل من أسباب وكثير منها معروف ومقدر لا يعفي من المسؤولية، فهذه الأسعار خرجت عن نطاق المعقولية والمقبول والمحتمل، إلا إذا كانت مواد البناء وعلى رأسها الحديد معادن ثمينة وأحجار كريمة ونحن ....... نعلم..!