هي ليست في الميدان
تشرفت مملكة الإنسانية منذ تأسيسها بمسؤولية استضافة ضيوف الرحمن في موسم الحج، وتستنفر سنوياً لأداء هذه المهمة الإمكانات المادية والبشرية الهائلة، لضمان أداء ضيوف الرحمن مناسكهم بكل يسر وسهولة. ومنذ بداية موسم الحج لهذا العام أتابع باستمرار ما تنشره الصحف المحلية من أخبار وتحقيقات عن الاستعدادات والجهود التي يبذلها أبناء المجتمع في القطاعين الحكومي والخاص في سبيل القيام بمهامه في هذا الموسم بكفاءة عالية تتناسب مع شرف المهمة الموكلة إليه. و يفهم من مضمون هذه الأخبار أن هذه النشاطات والجهود الجبارة يخطط لها وتنفذ من قبل العناصر الرجالية.
كما اطلعت أيضاً على بعض ما أوردته الصحف المحلية عن النشاطات التي أسهمت بها العناصر النسائية في موسم الحج أذكر منها على سبيل المثال :استضافة وإقامة الأمسيات الثقافية لضيفات بعض الأجهزة الحكومية، المشاركة مع فرق الكشافة في إرشاد الحاجات التائهات في المشاعر المقدسة . وبالتأكيد إن ما أوردته الصحف المحلية هو مؤشر و لا يدل بشكل قاطع على حجم مشاركة المرأة السعودية في خدمة ضيوف الرحمن، فكلنا يعلم أن هناك الفرق النسائية الطبية وهناك بعض المشاركات في حملات حجاج الداخل وهناك المشاركات في الإشراف على الأماكن المخصصة للنساء في الحرمين الشريفين، وغيرها . ومع ذلك يحق لنا أن نتساءل: هل حجم ونوع المشاركة النسائية الحالية يكفي ؟ وهل هذا هو المأمول و المتوقع من نصف المجتمع؟
لابد أن نعترف بأن مشاركة المرأة في خدمة ضيوف الرحمن متواضعة وتكاد تنحصر في بعض المجالات، فهل هذا الوضع راجع إلى الخوف المجتمعي على المرأة من التعب والمشقة والاختلاط؟ أم يعود إلى الخوف على ضيوف الرحمن من نقص الخبرة والكفاءة، أم يعود إلى العادات والتقاليد وأن هذا الوضع هو الذي ألفينا عليه آباءنا وورثناه أباً عن جد؟ إنه من غير المقبول أن أرى نصف المجتمع يتعب ويجتهد ويشقى في خدمة ضيوف الرحمن في حين أن النصف الآخر الناعم شبه عاطل عن العمل في إجازة عيد الأضحى، يستثمر الإجازة في السفر إلى الخارج أو النوم والاسترخاء.
لقد أثبتت الدراسات العلمية العالمية أن المرأة العاملة تبذل جهداً أكثر من الرجل في العمل، والتجارب والخبرات اليومية تدلنا أيضاً على أنها أكثر دقة وإتقانا في عملها، والمرأة السعودية لا تقل عن غيرها، فالمرأة في مجمعتنا قد خطت خطوات واسعة وأثبتت كفاءتها في العمل التربوي والتعليمي، والعمل في القطاع الطبي والعمل المصرفي، والعمل الحر، وهاهي تخطو خطوات واثقة نحو مجالات جديدة في الاستثمار والتسويق وتوظيف الموارد البشرية والمحاسبة والإعلام وغيرها، فلماذا لا يستفيد مجتمعنا من هذه الميزة بتوسيع مشاركة المرأة السعودية في خدمة ضيوفه ضيوف الرحمن الذين يراوح عددهم في العادة بين مليونين وثلاثة ملايين ونصفهم من النساء؟ وأطرح فيما يلي عدداً من المقترحات في هذا الشأن منها على سبيل المثال: الاستفادة من الأعداد الكبيرة من الكوادر النسائية المؤهلة في وزارة التربية والتعليم في حملات التوعية الدينية والصحية والاجتماعية لكافة الشرائح من ضيفات الرحمن، استثمار قدرات العاملات في القطاعات المصرفية بفتح فروع نسائية للبنوك في المشاعر المقدسة، التوسع في الخدمات الطبية للقطاع الخاص في المشاعر المقدسة، مشاركة العناصر النسائية في استقبال ضيفات الرحمن وتلمس احتياجاتهن في الموانئ الجوية والبحرية. ومشاركة العناصر النسائية في تقديم الخدمات البريدية والاتصال الهاتفي.
كلمة أخيرة: قرأت يوماً قولا للأمير ماجد بن عبد العزيز أمير منطقة مكة المكرمة السابق ـ رحمه الله ـ ويفيد مضمونه أن فلسفته في استقطاب الكوادر البشرية تقوم على مبدأ "أشغل عقولاً لا رجالاً ونساء"، وانطلاقا من ذلك فما أطمح إليه هو وتطمح إليه كل أنثى في بلادنا الغالية هو أن تتغير المفاهيم الخاطئة عن قدرات المرأة السعودية على العطاء وبذل الجهد وأن تتاح لها الفرصة بالحصول على شرف خدمة ضيوف الرحمن ابتداء من اللحظة التي تطأ أقدامهم أرض الحرمين الشريفين وانتهاء بعودتهم سالمين إلى ديارهم، وكل عام والجميع بخير.