ذكرى الجريمة وهاجس النهاية (1)
تقاطر على كيان العدو الإسرائيلي الغاصب العديد من قادة الغرب لمشاركته في الذكرى الـ 60 لارتكاب جريمة العصر التاريخية والإنسانية الكبرى حين تم السطو على وطن قائم على أرض الواقع, وليس في أوهام وأكاذيب ومخيلات الأساطير الدينية المزيفة, التي تمت أمام نظر العالم الذي أغمض بعضه عينه عنها والبعض الآخر شارك فيها لإقامة ما سمي الوطن القومي لليهود, فهذا الوطن الذي أقيم ظلما وعدوانا بني على أكذوبتين كبريين هما أن هناك وعدا من "الرب" لليهود منذ ألفي سنة, وأن فلسطين أرض بلا شعب استحقها شعب, هم اليهود, بلا أرض, ونتيجة لهذه الجريمة شرد شعب كامل من أرضه وسلب منه وطنه وطمست هويته المعلنة والواضحة والضاربة في جذور التاريخ بتحويله من شعب له وطن وهوية إلى لاجئ توزع عليه الهبات الإنسانية.
هذه الجريمة بدأ تنفيذها بوعد بلفور المشؤوم الذي أعطى فيه من لا يملك من لا يستحق, وهو الوعد الذي يحمل بريطانيا حتى يومنا هذا مسؤولية قانونية وأخلاقية في ارتكاب هذه الجريمة حين كانت فلسطين تحت انتدابها, ولكنها خانت الأمانة لحظة تآمرها مع العصابات الصهيونية بانسحابها المفاجئ والسريع لكي تتيح لتلك العصابات إعلان قيام دولتهم في أكبر عملية نصب للواقع واحتيال على التاريخ عرفته البشرية طوال تاريخها, وحين أعلن قيام هذا الكيان المصنع تآمرا والمزيف تاريخا احتضن من قبل الغرب, خصوصا التي تناوبت قواه الكبرى رعايته وحمايته, حتى باتت الولايات المتحدة اليوم هي راعيته وحاضنته الأبرز. ولهذا لم يكن مستغربا هذا الحضور الغربي اللافت في الذكرى الـ 60 لإنشاء هذا الكيان الغاصب, وإن كانت المفارقة فيه هي أن هذا الغرب المتحضر الديمقراطي راعي حقوق الإنسان .. إلى آخر النغمة, يحتفي بـ "الدولة" الوحيدة التي أنشأتها عصابات قادها إرهابيون عالميون من أمثال "مناحم بيجن" و"إسحق شامير" اللذين كانا في زمن قيام دولتهما على قائمة المطلوبين بريطانيا بصفتهما إرهابيين وقاتلين, التي ما زالت تدار بمنطق العصابات حتى وهي ترتدي قناع الدولة, وأنها أيضا "الدولة" الوحيدة المنتسبة للأمم المتحدة دون حدود رسمية معترف بها كما يلزم ميثاق الانضمام إلى الهيئة الدولية.
وسط هذه الاحتفالية الصاخبة إعلاميا وسياسيا لم يعد الحديث عن تاريخ هذا الكيان المسربل بالسواد والملطخ بالإجرام العنصري منذ إنشائه وحتى اليوم هو المطروح, بل التساؤل عن قدرته على البقاء والاستمرار ككيان زرع في غفلة من الزمن وأقيم بأساليب لصوصية وتزييف للتاريخ. فمثل هذه الكيانات المصنعة التي تعيش وتستمر بالتنفس الصناعي حين تزرع في خاصرة أمة تاريخ ودين وعمق ثقافي كأمتنا العربية والإسلامية, يصبح مستقبلها مرهوناً بوقت ضعفها وضعف مددها ودعمها, ولذا فهي كيانات لا تتحمل هزيمة واحدة بينما الأمم الراسخة الجذور قادرة على استيعاب الصدمات والهزائم والانكسارات, وهذا ما جعل هاجس النهاية دائم الحضور في المخيلة اليهودية, والخوف منها هو ما دفع إلى عسكرة هذا الكيان حتى قيل إن إسرائيل هي جيش له دولة وليس دولة لها جيش كناية عن أنها قائمة ومستمرة بمؤسستها العسكرية وليس غيرها.
نهاية مثل هذه الكيانات حتمية ولا جدال فيها حتى لو امتلكت فرض بقائها بالقوة, فالقوة حالة ظرفية بينما حقائق التاريخ ومنطق قواعد ونظم الحياة البشرية بكل تفاعلاتها الثقافية والدينية والبشرية هي الدائمة والقاعدة, وبناء على ذلك فالحديث عن حتمية نهاية الكيان الصهيوني العنصري المزروع في أرض عربية مسلمة ليس مبنيًّا على مجرد فرضيات بقدر ما هو مؤسس على حقائق دينية وحياتية وعملية, وهو ما يقر به عدد من سياسيي ومفكري اليهود أنفسهم, إلا أن علينا القطع بأن نهاية مثل هذه الكيانات وسقوطها مرتبط بعوامل لا بد من توافرها, وبقاؤها مرهون بضعف تلك العوامل وعدم فاعليتها, وهذا سيكون محور مقالنا المقبل ـ بإذن الله.