لا نريد العيش بأسلوب الحمار والجزرة

لا نريد العيش بأسلوب الحمار والجزرة

إن الخوف من قلة المال هو ما يحفزنا على الكدح, وفور تلقينا مبلغا منه يشرع الجشع في تصوير جميع الأشياء الرائعة التي يستطيع المال شراؤها لنا, ويبدأ المرء حينها في الاندراج تدريجيا في "سباق الفئران", الذي يشارك فيه أغلبية البشر, حيث يدور نمط حياتهم في دوامة الاستيقاظ ثم الذهاب إلى العمل ثم تحصيل المال فاقتناء الأشياء ثم تسديد الفواتير فالقلق من نقص المال والتفكير بعدها في زيادة الكدح لجني المال وتعويض النقص لتقليل الخوف, فيتم الاستيقاظ مجددا ثم الذهاب إلى العمل ثم تحصيل المزيد من المال فزيادة كمية الاقتناء فعودة القلق مجددا من نقص المال وهكذا دواليك, إذ يعمل معظم الناس لجني المال لما يظنون من قدرته على تخليصهم من مشاعر الخوف وشراء السعادة والأمان لهم. لكن السعادة التي يجنيها المال غالبا ما تكون قصيرة الأجل, وهذا يدفعهم إلى التفكير في تحصيل المزيد منه لتسكين أرواحهم المهتاجة بمشاعر الخوف والجشع, لكنه يفشل في تحقيق ذلك حتى للأثرياء منهم, فهم يكدسون الأطنان منه ليجدوا بعدها أن خوفهم صار أسوأ, وأنهم يخشون فقدانه الآن أكثر من السابق, لعدم رغبتهم في التنازل عن قصورهم الرحبة ولا سياراتهم الفارهة ومستوى المعيشة الفاخرة التي أتاحها المال لهم, وبالتالي يزداد قلقهم على نقص مكانتهم الاجتماعية إن هم فقدوا أي عنصر من تلك المظاهر الثرية, ويبقيهم هذا القلق أيقاظا طوال الليل, فيستيقظون ويذهبون للعمل بحثا عن شيك مصرفي يقبضونه يخلصهم من هذا الخوف الذي يقرض مشاعرهم, وهكذا ينتاب العديد منهم أمراض العصاب النفسي والقلق رغم ما هم عليه من أمارات الثراء وما يملكونه من المال, ولذلك ففي الكتاب المهم rich dad, poor dad الذي أثار ضجة كبيرة في أوساط رجال الأعمال والاقتصاديين يعتقد المؤلف أن السبب الأساسي في معاناة الناس ماليا هو أنهم يتعلمون منذ الصغر في البيت والمدرسة العمل مقابل المال, لكنهم لا يعرفون أبدا - لأنهم لم يتعلموا ذلك - كيف يسخرون المال في العمل لصالحهم, وهم بذلك ينفقون أغلب حياتهم في الركض وراء شيك القبض والعلاوات والأمان الوظيفي, ويشبهون ـ حسب تعبيره ذلك ـ الحمار الذي يجر العربة فيما يمد صاحبه بقطعة جزر قبالة أنفه, حيث يصل صاحب الحمار إلى المكان الذي يريده بينما يتبع الحمار السراب, وفي الغد ستكون هناك جزرة أخرى بانتظاره ليمشي خلفها .
كيف ندخل ذلك الدغل الذي يتلافاه معظم الناس ونواجه خوفنا وجشعنا؟ وكيف نتمكن من اختيار أفكارنا بدلا من أن تكون ردة فعل خانعة لمشاعر الخوف بداخلنا التي تجعلنا نزدري قهوتنا على عجل كل صباح ونهرول خارجين دون أن نلقي تحية الصباح على من حولنا, وما السبيل للتفرقة بين التفكير العاطفي الذي يجعلنا نقول لأنفسنا "تعجبني هذه الوظيفة للأمان الذي تتيحه" وذلك التفكير العقلاني الذي يدفعنا لأن نتساءل: "أهناك شيء أفتقده هنا؟", وكيف نستشف أغوار المعاني العميقة لسخاوة النفس التي اشترطها الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ للاستمتاع بالمال في قوله: "إن هذا المال حلو خضر فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه"، وكيف نقدم لأولادنا تلك البصيرة المالية التي لا تعلمهم المدارس إياها أبدا عبر تعليمهم كيفية تسخير المال ليعمل عندهم من أجل إسعادهم وليس أن يعملوا تحت سخرته عبيدا خائفين طوال حياتهم, كل هذه التساؤلات في حاجة إلى وقفة تأمل وبحث عن إجابات مشبعة لها قبل الاستمرار في العيش بأسلوب الحمار والجزرة, لأن المال هو الجزرة وهو الوهم, وإن لم يتمكن الحمار من تبصر الصورة كاملة فقد يقضي عمره كله في مطاردة الجزرة إلى مكان لا يريده.

[email protected]

الأكثر قراءة