ماذا لو كان العلم فلسطينيا؟
<a href="mailto:[email protected]">nsabhan@hotmail.com</a>
أعتقد أن أغرب وأعجب بل وأظرف حادثة وقعت في المونديال الكروي الجاري حاليا على الملاعب الألمانية هي قيام لاعبين من المنتخب الغاني بالتلويح بعلم دولة العدو الصهيوني بعد تسجيل الهدف الثاني ضد منافسهم. ومرد الغرابة والعجب والظرف في هذا التصرف يعود إلى عدم وجود أي تفسير أو تبرير معقول ومفهوم له, فالمفترض أن يقوم اللاعب بالتعبير عن فرحته في حدود انتمائه الوطني, الذي يمثله من خلال انضمامه إلى المنتخب الذي يلعب باسم الوطن وتحت علمه وعلى نغمات نشيده الوطني, ومن ذلك بالقطع التلويح بعلم بلاده. ولكن حين يقوم بالتلويح بعلم دولة أخرى لا رابط لها بدولة اللاعب يصبح الأمر محل تساؤل. وأظرف ما في الواقعة هو تبريرها، فقيل إن اللاعبين أرادا تحية جماهيرهما في دولة العدو الصهيوني, حيث يلعبان محترفين. وقيل إنهما لا يدركان الأبعاد السياسية لفعلهما, وهذا بلا جدال عذر أقبح من ذنب.
أهم ما في هذه الواقعة بعيدا عن تداعيات هذا التصرف من قبل هذين اللاعبين وتفسيراته, هي في كونها خرقا لميثاق الرياضة الذي يؤكد دائما وبشكل قاطع عدم خلط الرياضة بالسياسة. فقبل بداية مباريات كأس العالم لكرة القدم الحالية أعلن "الفيفا" أو الاتحاد الدولي لكرة القدم وتأكيدا على موقفه الدائم بعزل الرياضة عن أي مؤثرات أخرى تفسدها، إن هي تداخلت معها, بأن شعار هذه الدورة هو لا للسياسة, أي إبعاد القضايا السياسية عن المونديال. وجاء هذا التأكيد من "الفيفا" على وقع الأحداث السياسية الساخنة والمتفجرة الجارية في العالم اليوم من فلسطين إلى العراق ومن أفغانستان إلى السودان والصومال إلى آخر قائمة هذه الأحداث التي يبدو أنها تتوسع وتتضخم دون وجود حلول أو على أقل تقدير تقليص لها بما يجعل استخدام مناسبة رياضية عالمية كهذه للتعرض لها أو عرضها سيترك آثارا سلبية تخرج الرياضة عن أهدافها الأساسية. وحيث إن كأس العالم تقام في ألمانيا, فلا شك أن ذلك استدعى ما حدث في الدورة الأولمبية التي جرت في مدينة ميونيخ الألمانية في السبعينيات من القرن الماضي حين خطفت مجموعة فدائية فلسطينية عددا من أفراد البعثة الإسرائيلية من مقر إقامتها وهو ما أحدث وقتها ضجة كبرى. كما لازم هذه "لا" لخلط السياسة التي تفرق بالرياضة التي تجمع, شعار آخر وهو لا للعنصرية الذي فرضه ما تعرض له عدد من اللاعبين الأفارقة المحترفين في الفرق الأوروبية أو أولئك اللاعبون الأوروبيون ذوو الأصول الإفريقية من عبارات عنصرية تعيرهم بلونهم الأسود مثلا من قبل الغوغاء في الملاعب الأوروبية بل ومن غير الغوغاء أيضا, وهو ما دفع بالسيد بلاتر رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم إلى تأكيد ذلك قبل المونديال الكروي العالمي، محذرا بأن هناك عقوبات صارمة ضد كل من يدخل السياسة بالرياضة أو يعبر عن مواقف عنصرية. إلى هنا والكلام جميل والمواقف المعلنة جيدة, ولكن التطبيق محا كل جمالية قول وجودة عمل.
أعتقد أن كل من شاهد ذلك التصرف الأرعن والأحمق من اللاعبين الغانيين توقع أن يسارع الاتحاد الدولي لكرة القدم بتطبيق قوانينه وقراراته المعلنة ويصدر عقوباته على اللاعبين والمنتخب الغاني بسبب إقدامهما على استغلال منافسات رياضية للتعبير عن موقف سياسي ليس هذا مجاله ولا مكانه. وهو ما كان سيؤدي إلى ردة فعل عربية صاخبة واحتجاجات عربية وغير عربية لولا أن جماهيرنا العربية بصفة عامة والموجودة في ألمانيا بصفة خاصة أنزل الله عليها الهداية والسكينة وتدربت على الصبر والتأني مهما كانت قسوة استفزاز الأحداث لها. فكيف تهتز المشاعر العربية لرفع علم عدوهم وهي التي لم تهتز لها شعرة لصراخ الطفلة الفلسطينية هدى على مقتل والدها على ساحل غزة في ذلك العدوان الوحشي والعنصري, الذي قرر أولمرت أن يفتتح عهده بإراقة الدم الفلسطيني في ذلك المشهد المروع, ولكن شيئا من ذلك لم يحدث. فقد مرت الواقعة دون ردة فعل وبصمت مطبق من قبل "الفيفا" وتجاهل تام من قبل المنظمين, واكتفي ببيان باهت يعتذر فيه الاتحاد الغاني عن تصرف لاعبيه على أنهما يجهلان الأبعاد السياسية لذلك التصرف مع أنه يوجه إهانة كبرى لغانا وشعبها حين يرفعون علم دولة أخرى.
عموما القضية ليست هنا, فعدم تصرف "الفيفا" حسب قوانينه وقراراته المعلنة والمعروفة بعدم خلط الرياضة بالسياسة مفهوم في هذا الموضوع, خصوصا فما لـ "الفيفا" ولوجع الدماغ وتعرض نفسه لتهمة معاداة السامية ما دام الأمر له صلة بكيان العدو الصهيوني؟ إلا أن السؤال هو: ماذا لو أن لاعبا سعوديا أو تونسيا أو إيرانيا لوح بعلم فلسطين في الموقف نفسه وقال إنه يريد فقط تحية الجماهير الفلسطينية؟ هل كان الاتحاد الدولي لكرة القدم واللجنة المنظمة لكأس العالم سيصمتان ويتجاهلان المسألة؟ أشك في ذلك, بل أجزم أنها سوف تتحول إلى قضية وسيتسابقون على إدانتها والمطالبة بإنزال العقوبات الصارمة لحماية الرياضة والرياضيين من السياسة والعنصرية. وهذا متوقع لأننا بتنا "الحيطة الواطية" التي يستطيع أي أحد القفز عليها.