ارتفاع الأسعار .. جشع واستغلال

[email protected]

ما إن بقي على العيد يومان أو ثلاثة حتى استيقظ وسواس الجشع والاستغلال لدى شريحة كبيرة من المحلات التجارية التي يرتادها الناس في مناسبة كمناسبة العيد، ووجد أصحابها في هذه الأيام فرصة سانحة لفرض أسعارهم، كما يحلو لهم، مستغلين احتياج الناس لخدماتها واغتنام المناسبة لجني أكبر قدر ممكن من المكاسب غير المشروعة، وأكتفي هنا بمثال واحد فقط يغني عن الاسترسال ويكفي للاستدلال, وهو حين أصدرت كثير من صالونات الحلاقة في جدة "فرمان" يحدد سعر حلاقة الذقن بخمسين ريالا، والقضية هنا ليست في الحلاقين أو الخياطين أو المطاعم أو أماكن الترفيه المختلفة التي يحتاج إليها الناس في مثل هذه المناسبات والمواسم، ولكنها في سلوك يتمثل في استغلال حاجة الناس لها ورفع الأسعار، بما يتعدى المعقول والمقبول للإقبال الكبير عليها، ولا اعتراض في رفع الأسعار في هذه الحالة لمواجهة ظروف العمل الكثيف والتعب المضاعف بسبب الاضطرار للعمل المتواصل لساعات طويلة والجهد المبذول، ولكن الاعتراض ينصب على المغالاة المبالغ فيها بما يحمل المستهلك فوق طاقته المادية، فنحن نقدر أن ترتفع الأسعار بنسبة 50 في المائة ولكن ليس 500 في المائة، وربما أكثر كما هو حادث ويحدث في المواسم والمناسبات.
هذا الأسلوب الاستغلالي في رفع الأسعار مضاعفة وبما يتعدى المعقول والمقبول هو محل تساؤلات دائمة، وأولها: أليس هناك جهات مسؤولة يفترض فيها أن تراقب وتتدخل لمنع هذا الاستغلال والجشع؟ أم أن الأمر متروك "سداح مداح" لكل صاحب محل تجاري لأن يفرض أسعاره على كيفه بدون ضوابط وحدود..؟
أعرف أننا نطبق نظام الاقتصاد الحر القائم على قاعدة العرض والطلب، ولكن ما هو حادث لدينا لا علاقة له بحرية التجارة، والتي تحكمها قواعد وأنظمة تحمي المستهلك من محاولات الاستغلال والجشع والمغالاة في الأسعار بحجة المواسم والمناسبات، فما يحدث في سوقنا هو انفلات لعقال الأسعار والمغالاة فيها والضحية هو المستهلك الذي يقع بين حرية استغلاله في مثل هذه المناسبات وانعدام وعيه الاستهلاكي من جهة، وبين غياب الأجهزة الرقابية على حركة السوق التي يفترض بها التدخل لتقنين الأسعار بما يحفظ حدود الكسب المشروع بما ليس فيه ضرر ولا ضرار من جهة أخرى، والارتكان لقاعدة العرض والطلب، والتي هي من جنايات الفهم والتطبيق الخاطئ للرأسمالية، فيه استغلال لحاجة الناس أكثر منه ضرورات قاعدة اقتصادية محترمة، فهذه القاعدة فهمها البعض على أنها تشرع لهم استغلال حاجة الناس ورفع الأسعار بدون سقف محدد ولا ضوابط، كما حدث في عيد العام الماضي حين قفزت أسعار الشاليهات التي على البحر في مدينة جدة إلى ستة آلاف ريال في اليوم الواحد، وكانت الحجة هي أن الطلب عليها فاق المتوافر منها، مع أن إيجارها العادي لا يتجاوز 600 ريال يوميا، وحينما يقفز السعر هنا ستة أضعاف هل نعتبره مبنيا على قاعدة العرض والطلب بمفهومها الصحيح أم إشباعا لشهوة الاستغلال والجشع..؟! والتعذر بالطلب الزائد لرفع الأسعار لهذا الحد المبالغ فيه لا علاقة له بحرية التجارة وحرية الاقتصاد، بل هو استغلال وجشع يتعارض مع هذه الحرية الاقتصادية التي توازن بين حقوق التاجر في الكسب المشروع، وحقوق المستهلك في عدم استغلال حاجته بهذا الشكل المبالغ فيه، وهو ما كان يوجب تدخلا ما من جهات مسؤولة تفرض نظام أسعار في مثل هذه الحالات حتى لا تصبح التجارة في بلادنا مرتعا للجشع والاستغلال, بعيدا عن الانضباط السعري بما يحقق مصلحة الطرفين التاجر والمستهلك معا، وأنا هنا لا أدعو لتدخل الدولة في التجارة، ولكني أطالب بأن توضع حدود لهذا الاستغلال للمواسم والمناسبات، وأن تكون هناك أنظمة تحدد حدود التكسب المشروع وحدودا لاغتنام البعض لمثل هذه الفرص لسلب الناس بحجة قاعدة العرض والطلب التي استغلت بغير وجه حق.
على الوجه الآخر لا نبرئ المستهلك نفسه من المسؤولية في ذلك، فانعدام أو ضعف نوعية ثقافته الاستهلاكية أسهمت في إعطاء التجار الفرصة لاستغلاله وفرض أسعارهم في المواسم والمناسبات عليه، فالمستهلك لا يمارس حقه الذاتي في حماية نفسه من هذا الاستغلال والجشع قبل أن يطالب الجهات المسؤولة بالتدخل وحمايته، فلو أنه امتنع عن التعامل مع مَن يستغل حاجته ويرفع الأسعار بلا حدود ورفض مسايرته والتهافت عليه وفاصل في السعر لما استغله أحد، وعلى سبيل المثال، لو أن كثيرا من الزبائن رفضوا قبول أسعار الحلاقين تلك وحلقوا ذقونهم بأنفسهم في بيوتهم لما رفعوا أسعارهم، ولكن تهافتهم عليهم وقبولهم أسعارهم هو ما شجعهم على هذه المغالاة، وأذكر على خلفية أسعار الشاليهات في جدة العام الماضي أن الصحف في تحقيقاتها عن ذلك أشارت إلى أن ملاكها ذكروا أنه وبرغم رفع الأسعار لستة أضعاف كان الزبائن يوسطون لديهم للحصول على شاليه وبأي سعر..!!، فكيف يمكن محاصرة ظاهرة المغالاة في الأسعار إذا كان المستهلك الضحية هو من يسهم في إبرازها ويكتفي فقط برفع عقيرته بالشكوى من الجشع والاستغلال..؟!
حقيقة الأمر أننا أمام ظاهرة اقتصادية سلبية يعكسها هذا الاستغلال للمواسم كالعيد بترك أصحاب المحلات التجارية يرفعون أسعارهم، ويفرضونها على المستهلكين في غيبة تامة من جهات يناط بها مهمة مراقبة السوق وضبط آليته حتى لا يكون عملها بلا نظامية مقننة تعطي كل ذي حق حقه، وأن تضع ضوابط سعرية حتى لا تستغل هذه المحلات التجارية كثرة الطلب عليها برفع أسعارها بدون تحديد سقف لها منعا للاستغلال الجشع لحاجات المستهلكين، وليس في ذلك تعارض مع قاعدة العرض والطلب، فهذه القاعدة تنطبق على مجالات ليس بينها خدمات ثانوية وليست أساسية، وفي حالات معينة وفق ضرورات اقتصادية وليس فوضى سعرية لا تقوم على معطيات غير الاستغلال والجشع، وهنا أعيد القول إن على المستهلك دورا ومسؤولية متى ما امتلك الحس الاستهلاكي الصحيح والواعي، وحتى يتم ذلك فلن يكون مستغربا أن يستمر ضحية لجشع واستغلال كثير من التجار إلا من رحم ربي.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي