الروتين والملل يقضيان على قدراتنا العلمية والإبداعية.. والحل تطبيق سياسية تدوير الوظائف
دعت عضوات هيئة التدريس في عدد من الجامعات والكليات السعودية إلى تطبيق سياسة التدوير الوظيفي لهن، بعد أن أدى أداؤهم لنفس الأدوار مع كل عام دراسي جديد إلى تسرب الملل إلى أنفسهن والذي يسببه في الغالب ـ على حد قولهن ـ إلقاء المناهج الدراسية نفسها في كل سنة إضافة إلى قضاء الموظفة في المقعد الوظيفي ذاته سنوات عديدة.
وقالت لـ"المرأة العاملة" عضوات في جامعة الملك سعود وعدد من كليات البنات إن هذا الجانب انعكس سلبا على قدراتهم العملية والإبداعية، ما أثر بطبيعة الحال في مخرجات تلك المؤسسات التعليمية.
وهنا دعا باحث في السلوك إلى ضرورة إجراء دراسات ميدانية علمية لمعرفة أسباب انتشار الملل بين العاملات في القطاع التعليمي مع مراعاة الفروق الفردية بينهن، لكي يتم معالجة المشكلة قبل استفحالها، إن لم تكن قد استفحلت ـ على حد قوله ـ.
الروتين في المناهج
تقول خلود العبيكان، عضو هيئة التدريس في جامعة الملك سعود، إن من الأسباب التي تحدث الملل الوظيفي لدى أعضاء هيئة التدريس في الجامعات هو جمود المقررات الدراسية، وزادت" أنا الآن على سبيل المثال أستطيع أن أؤكد أن المقررات التي أشرحها لطالباتي، هي تلك المقررات التي كنت أدرسها في المرحلة الجامعية قبل أعوام كثيرة مضت"، مبينة أن ذلك بحد ذاته يكفي أن يكون داعيا للملل الذي تشعر به، كما أنه أسهم في قتل الإبداع في العملية التعليمية التي تعتبر من أهم دعائم إنتاج أجيال قادرة على العمل، مشيرة إلى أن هذا الجانب يقل أثناء تدريس المقررات العملية التي تتميز بالمرونة والتغيير المستمر.
فوائد سياسة التدوير الوظيفي
لكن جميلة محمد، عضو هيئة تدريس في كلية البنات للتربية، ترى أن سبب الملل الوظيفي لا يقتصر فقط على كون المقررات الدراسية واحدة في كل السنوات الدراسية، بدليل أنها تشعر بالملل بالرغم من أن هناك تغييرا مستمرا في المناهج العملية التي تقوم بتدريسها وقالت" السبب الرئيس في شعور العاملة في التعليم بالملل ينبثق من كون الموظفة تستمر في نفس المقعد الوظيفي بعد تجاوزها منتصف العمر الوظيفي دون تغيير"، داعية إلى ضرورة تطبيق سياسة التدوير الوظيفي حتى لا تفقد الجامعات والكليات والتعليم العام الكفاءات المتميزة من النساء فيها.
واتفقت مع جميلة عدد من معلمات التعليم العام اللواتي أجمعن على أن أسباب الملل الوظيفي في وظيفة التعليم العام نابعة من بقاء المعلمة في دائرة ترقيات معينة، لا تمكنها أبدا من التنقل بين المهام الوظيفية المتنوعة.
وفي هذا الصدد تؤكد جواهر العمار أن تغيير المقعد الوظيفي أمر مهم خاصة للعاملة في مجال التعليم، لأن فقدان قدرتها على العطاء التعليمي يؤثر في سير العملية التعليمية، فيما عللت سهام الصمعاني "معلمة المرحلة المتوسطة، سبب الملل الوظيفي السريع الذي تعاني منه المرأة العاملة في الأوساط التعليمية المدرسية ، في عدم تهيئة مباني المدارس الحكومية لقضاء ثماني ساعات متواصلة حيث إن هذا الجانب يجعل المعلمة تنتظر انتهاء الوقت بفارغ الصبر لإحساسها بالضجر الشديد .
وترى الصمعاني أن نسبة الملل الوظيفي لدى العاملات في القطاع التعليمي ترتفع عن العاملين من الرجال في القطاع نفسه وأعادت ذلك إلى كون تغيير مكان الرجل عندما يشعر بأي ملل من جراء المكوث في المدرسة أو مقر عمله أمر سهل في حين أن هذا الأمر غير متاح للمرأة العاملة في المدارس حتى أنه ليست لديها خيارات ترفيهية أو مكاتب مريحة ومهيأة لقراءة الكتب واستغلال وقتها.
الملل بين الرجال والنساء
تشير نوال باوزير إلى أن تعدد أدوار الأمهات العاملات، يسهم في ارتفاع نسبة تسرب الملل الوظيفي إلى النساء أكثر من الرجال، إذ يساعد فكرها المشتت مابين المنزل والعمل في تكون حالة ضجر مستمرة لديها.
وبينت فوزية عبد القادر (معلمة ) أن إحساسها بأنها استنفدت قواها وإبداعاتها كمعلمة لمكوثها في العمل مدة تجاوزت 18 سنة يجعلها ترغب في التحويل إلى عمل إداري, لكن هذا الأمر لم يتحقق بالرغم من إلحاحها بتقديم هذا الطلب منذ سنوات وأن عدم تحقيق رغبتها في هذا التغيير سوف يجعلها تتقدم بطلب تقاعد مبكر.
الأعباء الإدارية
وتعود خلود العبيكان عضو هيئة التدريس في جامعة الملك سعود لتبين أهم الأمور التي تحد من تطوير قدرات عضوات هيئة التدريس في الجامعات التي تتسبب في تسلل الملل الوظيفي للكثير منهن وتقول"استغلال بعض الإدارات أوقات الفراغ المحددة لعضوات التدريس في تكليفهن بإنهاء أمور إدارية لا تعد ضمن مهامهن الرئيسة، يعد سببا رئيسيا في الحد من التطوير الذاتي لهن".
الظروف العائلية
وأضافت" إذ إنها عندما تقوم بإنجاز هذه الأمور الإدارية كتنسيق الجداول في أوقات الفراغ المحددة لها، يمنعها ذلك من الذهاب إلى المكتبة العامة للاطلاع وقراءة الكتب المفيدة لتطوير ذاتها وعطائها، كما يعتبر عدم التقدير المادي والمعنوي لأعضاء هيئة التدريس وعدم إتاحة فرصة للموظفات في المجال الحكومي لفتح مشاريع استثمارية خاصة يجعل الكثير من الموظفات يتركن العمل في الجامعة ويتجهن للعمل في القطاعات الاستشارية الخاصة والبنوك وفتح مشاريع وساطة مالية.
من جانبها تؤكد الجوهرة الصنان أن إحساس الموظفة بالملل الوظيفي برأيي يعود لعدة أسباب خارجة عن بيئة العمل أي مرتبطة بالظروف الخاصة للموظفة، منها الظروف العائلية، التي تؤثر في نفسية الموظفة وحماسها في عملها، ومن ثم الشعور بالضيق النفسي الذي يؤدي بالتالي إلى الإحساس بالملل والفراغ .
بيئة العمل
أما بالنسبة للأسباب الخاصة ببيئة العمل فهي كثيرة ـ على حد قولها ـ حيث يجب على المنشآت التي تعمل فيها المرأة التقييم المستمر لسياساتها الإدارية وبيئة العمل لتلافي البيروقراطية والروتين اليومي، كما عليها أن تعمل على إعطاء الموظفات الصلاحيات والثقة بقدراتهن فيما يتعلق في طريقة عملهن وإنجازاتهن اليومية، ما يؤثر في عامل الحماس والابتكار لدى الموظفة.
المكان المناسب
في المقابل تطرح منال شلبي عضو هيئة التدريس في جامعة الملك عبد العزيز في جدة، سببا لانتشار الملل بين عضوات هيئة التدريس في الجامعة، إذ تشير إلى أن وضع الموظفة في المكان غير المناسب، يؤدي طبعاً إلى الإحساس والشعور بالإحباط الروتيني الممل، وتضيف " فعندما
تكون الوظيفة أعلى أو أقل من مؤهلات وكفاءت وقدرات الموظف تقتل عنصر الحماس والإبداع والابتكار لديه".
كما قالت إن اتساع الفجوة أو المسافة بين الموظفين ورؤسائهم سبب آخر لتكون الملل، فكلما زادت هذه المسافة زاد الإحساس بعدم الولاء والإحساس بأهمية العمل.
السلوك التنظيمي
الدكتور عبد الله البريدي، باحث متخصص في السلوك التنظيمي، يشير إلى ضرورة إجراء بعض الدراسات العلمية الميدانية التي تستهدف التعرف على مسببات الملل لدى المعلمات، وأنواعه ومتى يوجد على خريطة العمل وذلك بمراعاة الاختلاف بين المعلمات في العمر والمؤهل والخبرة والتخصص وطبيعة العمل وحجمه ونوعية الضغوط،ونحو ذلك.
وقال" إن غياب أو ضعف تلك الدراسات ليس له ما يبرره على الإطلاق وهذه هي مهمتنا كباحثين التي لا يسوغ أن نتنصل منها! وما المانع أن تمول وزارة التربية والتعليم بعض الأبحاث المتخصصة كمؤشر على اهتمامها وجديتها بحل تلك المشكلة المزمنة، التي تؤثر بشكل كبير في جودة الأداء لدى المعلمات"، كما أشار إلى أن من ضمن تلك الحلول زيادة واجبات أو صلاحيات العمل تعني للمعلمة أنها باتت أكثر أهمية وأن درجة الثقة بها قد ازدادت وهذا ينعكس إيجاباً على معنوياتها كما أن ذلك يؤدي إلى تعلم مهارات ومعارف جديدة وكل هذا يزيد درجة الرضا الوظيفي لديها ويقلل من الملل والروتين القاتل!
وبين البريدي أن الملل في البيئة التعليمية للمعلمات مرتبطة ارتباطا وثيقا بالثقافة التنظيمية التي تصنعها المديرة في أجواء المدرسة التي تتأثر بدورها بالثقافة التنظيمية التي توجدها إدارة التربية والتعليم حيث تعتمد أغلب القطاعات الحكومية على "البيروقراطية الهرمية".
وبين أن هذا النمط "التعيس" ـ على حد قوله ـ من الثقافة التنظيمية يولي اهتماماً بالإجراءات وتفاصيل العمل أكثر من اهتمامه بالإنسان الذي ينفذ تلك الإجراءات ويحقق الأهداف ولهذا لا يمكننا أن نتوقع أن يولي ذلك النمط العناية الكافية لمسألة إيجاد مناخ تنظيمي "طارد للملل"، حيث يخرج ذلك عن قائمة أولوياته.
و لتطويق حالات الملل لدى العاملات والمعلمات تحديدا اقترح البريدي ضرورة إعادة تشكيل مفردات الثقافة التنظيمية في المدارس الحكومية لتصبح متناغمة مع ما نسميه "ثقافة الجماعة"، التي تعرف بأنها تلك الثقافة التي تتسم بها المنظمات حتى تبدو كما لو كانت "عائلة كبيرة" .
وأكد البريدي أن هناك العديد من الأساليب لتغيير تركيبة العمل على نحو يزيد من رضا الموظفات ويجدد الحيوية ويذهب الملل فمن ذلك أن المديرة تستطيع أن تستخدم أسلوب دوران العمل أو التدوير Job Rotation الذي تنتقل بموجبه المعلمة من عمل إلى آخر أو من قسم إلى آخر، حيث يفيد ذلك الأسلوب في إكساب المعلمة مهارات ومعارف جديدة وهذا يرفع من معنوياتها كما أنه يعرضها لتجارب وأنماط جديدة وأحسب أننا في أغلب الأحيان لا نلجأ لأسلوب التدوير إلا عند الحاجة أو العقاب كأن ينتقل شخص أو يتغيّب أو ما إلى ذلك.