علماء ودعاة: الصدقة أفضل من تكرار الحج ومزاحمة الحجيج
ناشد عدد من العلماء والدعاة الذين سبق لهم الحج من قبل أن يوفروا على إخوانهم وعلى أنفسهم، وأن يتصدقوا بقيمة حجّهم، مبينين أن ثمة عبادات يتعدى نفعها الفرد إلى عامة الناس.
وجاءت المناشدة لتخفيف المعاناة السنوية التي يعانيها الحجاج بسبب الازدحام الهائل، ما أفقد هذه الشعيرة والفريضة روحانيتها وقدسيتها، وأحالها إلى صخب وضجيج وعِراك وجدل، وخوفاً من تكرار مشهد العام المنصرم حيث مات المئات تحت أقدام إخوانهم، في وقت أشارت دراسات إلى أن نسبة الحجاج من الداخل ممن لم يحصلوا على تصاريح بالحج كان لها أكبر الأثر في ذلك.
بداية قال العلامة الشيخ عبد الله الجبرين عضو الإفتاء سابقا: "لا شك أن الحج عبادة فاضلة وفيها أجر كبير؛ كما قال النبي -(-: "تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والفضة"، وغير ذلك من الأدلة، وقد استحب بعض المشايخ - في هذه الأزمنة - ترك تكرار الحج كل عام، حيث إن عدد الحجاج زاد وتضاعف عما كان عليه في الأزمنة السابقة بسبب وسائل النقل الحديثة التي سهَّلت للناس سرعة الوصول، فيحصل من الكثرة زحام شديد في صحن المطاف والمسعى وفي عرفات ومنى وعند الجمرات وفي ذبح الهدي وغيرها، وهذا رأي سديد لما فيه من إفساح المجال للوافدين الجدد وتيسير أداء الفريضة بسهولة، وترك مضايقة المفترضين، وقد يستثنى من ذلك أهل الأعمال النافعة كالدعاة والمرشدين وكذا الجنود والعاملون الذين ينظمون السير ويخدمون الحجاج ويحرصون على تسهيل أداء الفريضة للوافدين وضيوف الرحمن بما يسقط عنهم الوجوب ففي تكرار مجيئهم منفعة كبيرة، والله أعلم.
من جانبه قال الدكتور عبد الله المطلق عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدائمة للإفتاء، إن الواجب على المسلم أن يكون على علم وبصيرة وأن يحسن التجارة مع الله تعالى وأن يعرف فقه الأولويات في الإسلام، فهناك عبادات كثيرة يمكن أن يعملها الإنسان وينتج عنها نفع عظيم للأمة دون أن يترتب عليها مضايقة أحد، فهناك عبادات يتعدى نفعها إلى الناس كنوافل الصدقة ومنها الإنفاق على الفقراء والمساكين ومدارس تحفيظ القرآن الكريم ونحو ذلك مما يمكن تأديته بالنفقة التي ينفقها الحاج في سفره إلى الحج، ولا يخفى واقع بلاد المسلمين وحاجتهم الماسة إلى أقل الأموال في مشارق الأرض ومغاربها، فلو أن تلك الأموال التي ينفقها عشرات الآلاف من الحجاج الذين اعتادوا تكرار الحج أنفقت في الدعوة إلى الإسلام وصد حملات أعداء الله لكان لها أثر بين، وكان أجرها أعظم بكثير من أجر حج تطوع استؤجر له من همهُ في سفره الدنيا، وإن أبواب التطوع بالخيرات بحمد الله كثيرة ومتعددة والمؤمن البصير يتخير من تلك العبادات ما يرى أنه أعظم أجراً ونفعاً دون أي إخلال بالواجبات أو إقدام على ما فيه مضايقة على المسلمين.
من جانبه أوضح الشيخ الدكتور سلمان العودة، أن الصدقة بقيمة الحج أفضل في مثل هذه الأوقات التي تتعاظم حاجة الناس فيها إلى المال، كما في الكوارث التي تضرب بلاد الإسلام من الزلازل، أو المجاعات أو الحروب التي لم تنقطع منذ عشرات السنين، للمساهمة فعلياً في تخفيف الازدحام، وتيسير الحج، وتجنيب المسلمين مغبة الارتباك والقتل عند المشاعر.
ومضى العودة قائلاً: "يُفترض أن الدافع إيماني دائماً لهذه الرحلة المباركة، فكيف يغفل المسلم القريب في هذه الديار عن الآثار الصعبة التي يحدثها تكرار الحج كل عام، أو عاماً بعد عام على إخوانه المسلمين القادمين من بعيد، المؤدين للفريضة - وليس النافلة - من شيوخ ونساء وضعفاء وفقراء ومرضى، وهو لا يبالي بهم، ولا يكترث لمعاناتهم، والمهم أن يداوم على ما اعتاده من الحج"، وفي سبيل هذا العمل قد يزوّر الترخيص، وقد يكذب، وربما استدان مالاً، أو ترك أهله مع حاجتهم له، أو صارت رحلة الحج عنده فسحة ومتعة وتسلية واستئناساً بالصحبة المعتادة.
ودعا العودة إلى النظر في أبواب أخرى من الصدقات لمن سبق له الحج من قبل، مفضلاً بذلك الصدقة على حج النافلة، وقال: "ذكر ابن مفلح في الفروع ( ج2/ص497) أن الإمام أحمد سُئل: أيحج نفلاً أم يصل قرابته؟ قال: إن كانوا محتاجين يصلهم أحبّ إلي ونقل ابن هانئ في هذه المسألة أن الإمام أحمد قال: يضعها في أكباد جائعة، وفي الزهد للإمام أحمد عن الحسن قال: يقول أحدهم أحجّ أحجّ، وقد حججت! صِلْ رحماً، تصدّق على مغموم، أحسن إلى جار، وفي كتاب صفة الصفوة لابن الجوزي: إن الصدقة أفضل من الحج ومن الجهاد.
ودعا العودة إلى رفع التوعية بهذا الموضوع، مناشداً الشيوخ الأفاضل والدعاة والمفتين، وكبار العلماء، وخصّ منهم سماحة المفتي العام للمملكة، أن يُولوا هذا الموضوع عناية خاصة، وأن يوجّهوا نداءات متكرّرة وقويّة إلى الصالحين من أهل هذا البلد خاصة، أن يوفروا على إخوانهم وعلى أنفسهم، وأن يتصدقوا بقيمة حجّهم، خصوصاً وقد صدر من هيئة كبار العلماء في شأن تنظيم الحج ما سبق.
وفي ذات السياق، نبه الدكتور أحمد الدريويش أستاذ الفقه في كلية الشريعة في الرياض على من يحج مع عدم توافر شروط الحج في حقه وبخاصة شرط الاستطاعة أو القدرة المادية أو الجسدية، حيث قال: "قد يكون شيخاً كبيراً طاعناً في السن، أو امرأة عجوزاً كبيرة، أو ذا إعاقة بدنية، أو لم يتوافر المحرم للمرأة، ومعلوم أن هؤلاء وأمثالهم لا يجب عليهم حج الفريضة، لفقد شرطه في حقهم فما بالك إذا كان الحج نافلة؟ وآخرون قد يترتب على ذهابهم إلى الحج ارتكاب بعض المحظورات أو الإخلال ببعض الواجبات أو الحقوق الشرعية في بلده الذي أنشأ منه السفر، كأن يكون للإنسان والدان محتاجان إليه، أو أحدهما أو له ذرية ضعفاء يخشى عليهم من الضياع أو الفساد حال غيابه عنهم، ناهيك عن أن بعض الناس قد يكون إماماً لجمعة أو جماعة منصباً أو جندياً مرابطاً في أحد الثغور أو موظفاً أو طبيباً أو فنياً محتاجاً إليه في موقعه في هذا الوقت مع عدم وجود البديل، أو الكفء الذي يحل مكانه، وحج أمثال هؤلاء نافلة لا فريضة، فلا يسوغ للمسلم حينئذ أن يدع الفرائض أو الواجبات أو الحقوق أو يفعل المنهيات والمحظورات من أجل تحصيل أمر مستحب أو نافلة كما هو مقرر شرعاً، فعلينا أن نتقي الله ما استطعنا وألا نحمل أنفسنا ما لا تطيقه، أو يشق عليها احتماله".