هل تستعيد قمة الرياض روح ( خرطوم 67 ) ؟

[email protected]

على مدى تاريخ القمم العربية منذ لقاء أنشاص في جمهورية مصر العربية عام 1946، الذي يعتبر أول اجتماع عربي على مستوى القيادات، تميزت عدة قمم بكونها فعلا قمم قرارات فاصلة، منها مثلا قمة القاهرة الاستثنائية عام 1970 التي أنهت الاقتتال الأردني – الفلسطيني، ومنها قمة فاس التي عقدت في المملكة المغربية عام 1981 كأول قمة عربية تعلن عن مبادرة عربية للسلام، فيما عرف آنذاك بمشروع الأمير فهد، وكذلك قمة بيروت عام 2002، حيث أقر فيها مشروع عربي متكامل لإنهاء الصراع العربي – الإسرائيلي الذي قدم من قبل خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز المبني على مبدأ مؤتمر مدريد الدولي للسلام وهو: الأرض مقابل السلام.
حين نستعرض تاريخ القمم العربية، نلحظ أن بعضها تعامل مع ظروف حرجة دفعها لأن تتخذ قرارات مصيرية كما في حالة تلك القمم، وفي هذا الاستعراض لتاريخ القمم العربية أعتقد أنه لا بد من التوقف طويلا عندما أطلق عليها فعلا قمة القمم العربية وأكثرها أهمية وأقصد بها قمة الخرطوم التي عقدت عام 1967، وميزة وأهمية تلك القمة أنها جاءت مباشرة بعد النكسة المؤلمة والهزيمة المدوية التي تعرضنا لها بعدوان العدو الإسرائيلي في الخامس من يونيو من العام نفسه حيث جاء عقدها في أجواء انكسار عربي مرير ومؤلم نتيجة للعدوان الإسرائيلي الذي حقق فيه العدو نصرا عسكريا كاسحا نتج عنه احتلال ما تبقى من الأرض الفلسطينية بما فيها القدس الشريف وكامل صحراء سيناء المصرية حتى قناة السويس والجزء الأكبر من هضبة الجولان السورية الاستراتيجية، وأدت هذه الهزيمة المريرة إلى ما يشبه الانهيار في المعنويات العربية، وخلقت حالة من الإحباط النفسي وتعرض الأمن القومي العربي لخطر مخيف، وفي المقابل عمت نشوة زهو عارمة لدى العدو وقد هزم وحطم القدرات العسكرية لأهم القوى العربية العسكرية في ستة أيام فقط، وعكس ذلك كله سخرية موشي ديان وزير حرب العدو آنذاك حين قال بعد العدوان مباشرة، إنه جالس بقرب الهاتف لتلقي مكالمة الاستسلام العربي..!
في ظل تلك الأجواء المريرة عربيا على وقع الهزيمة العسكرية الكاسحة، وفي وقت اعتقد فيه العالم كله أنه لن تقوم للأمة العربية قائمة، عقد القادة العرب قمتهم في الخرطوم، وأهم مميزات تلك القمة هي في أنها نجحت في تحويل الهزيمة العسكرية إلى نصر وصمود سياسي، وهذا توصيف استراتيجي وليس عاطفيا، فنتائج الحروب ليس فيما تحققه الجيوش من نصر عسكري على الأرض بقدر ما هو كسر لإرادة الخصم المهزوم بإجباره على التسليم بالهزيمة الكاملة والخضوع لشروط الطرف المنتصر عسكريا، وهذا لم يحدث، فالذي حدث وكان وقتها مبهرا، هو أن القادة العرب عقدوا قمتهم بإحساس بالمسؤولية التاريخية الملقاة على عواتقهم، وكانوا فعلا على قدر تلك المسؤولية التاريخية بأروع صورها وتجلياتها حين تجاوزوا كل خلافاتهم وتعالوا على خصوماتهم ووحدوا صفوفهم للخروج من جو الهزيمة إلى أفق الصمود والتحدي والتصدي الحقيقي عندما تكاتفوا معا يدا واحدة فيما أسموه مبدأ إزالة آثار العدوان الذي تمثل في ثلاثة مواقف سلبت نصر العدو العسكري كل مميزاته الأساسية في اللاءات الثلاث الشهيرة: لا للصلح، لا للتفاوض، لا للاعتراف بالعدو، وترجموا تلك القرارات عمليا بدعم مالي من الدول العربية القادرة لدول المواجهة الثلاث مصر والأردن وسورية، إضافة إلى لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية، وقد كان للمملكة العربية السعودية بقيادة جلالة الملك فيصل بن عبد العزيز، رحمه الله، دور بارز ومؤثر وداعم لتلك الوقفة العربية التاريخية كعادتها في مثل هذه اللحظات الحاسمة كما هي في أيامنا هذه حين مارست المملكة دورها العربي الرائع في وفاق الإخوة الفلسطينيين وتوسطها المستمر لنزع فتيل الخلاف اللبناني.
نتائج قمة الخرطوم كان لها دوي عربي ودولي، فعربيا استعادت الشعوب العربية معنوياتها المنهارة وتنفست الصعداء وهي ترى قادتها يقفون هذا الموقف القوي على الرغم من الهزيمة، ودوليا شعر العالم أن الأمة العربية قادرة على النهوض من جديد برغم قسوة الهزيمة، فالقرارات التي صدرت عبرت فعلا عن الموقف الصحيح في مثل هذه الظروف، لأن أي قبول لأي حل سلمي في وضع هزيمة لا يقود إلا إلى الاستسلام لإرادة المنتصر.
وما أشبه الليلة بالبارحة، فالقمة العربية التي تبدأ غدا تأتي في لحظة تاريخية مشابهة، بل قد تكون أشد مما أخحاط بقمة الخرطوم، فإذا كنا قد تعرضنا في عدوان 67، لهزيمة عسكرية واجهناها بموقف صمود سياسي، فإننا اليوم نتعرض لهزائم عسكرية كما في العراق وفلسطين، وسياسية في غياب القرار والدور العربي كما هو حادث في قضية دارفور المفتعلة مثلا، وثقافية واقتصادية تتمثل جميعها فيما يشبه الوصاية الدولية على الشأن العربي، وأمام هذا الوضع العربي المأزوم والمتأزم، كم نحن في حاجة إلى استلهام روح قمة خرطوم 67، وهذا ممكن إذا ما اتخذت قمة الرياض معاني اللاءات الثلاث الشهيرة نفسها، وهناك أمل كبير بإذن الله أن تخرج القمة بقرارات تعالج جوهر القضايا العربية وتحدد مسارا فاعلا لقرار عربي حاسم لا يقل عن ذلك المسار الذي أرسته قمة الخرطوم التي أخرجت الأمة العربية من كآبة الهزيمة إلى آفاق الصمود وصولا إلى النصر كما تحقق في تنفيذ إزالة آثار العدوان فعلا في حرب رمضان أكتوبر عام 67، الذي كان يمكن أن يكون كاملا لو لا خداع السياسة التي وقعنا فيها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي