"مساكن" .. فائدة محدودة واستبعاد للمتقاعدين
يوم السبت الماضي انطلق مشروع "مساكن", الذي تموله المؤسسة العامة للتقاعد, وهو المشروع الذي حرك بحيرة الآمال المفقودة لدى شريحة كبيرة من المواطنين, وهم شريحة موظفي الدولة ومتقاعديها, أنعشت آمالهم بإيجاد مصدر تمويل يحقق لهم إمكانية تملك سكن في ظل ارتفاع أسعاره بما جعل الغالبية تقضي سنوات عمرها دون أن تكون قادرة عليه. ولقي هذا المشروع وقت الإعلان عنه صدى واسعا مع إشادة مثمنة لمؤسسة التقاعد إقدامها على هذه الخطوة الرائدة, التي لعلها تفتح الباب أمام غيرها لتسهم هي الأخرى في تقديم حلول لمشكلات كمشكلة الإسكان, إلا أن هذا الصدى لم يخل من ملاحظات على الشروط التي أعلنت حول الاستفادة منه, وقد أسهمت ضمن كثيرين في ذلك عبر مقال في "الاقتصادية" بعنوان "قروض التقاعد .. ملاحظات واقتراحات", الذي لقي تفاعلا كبيرا من قبل القراء يعكس الاهتمام بخطوة مؤسسة التقاعد, وكذلك تجاوبا مشكورا من قبل المؤسسة حين اتصل بي سعادة مدير مكتب محافظ المؤسسة ليخبرني بأن المحافظ الأستاذ محمد الخراشي اطلع على المقال وتجاوب مع ما تضمنه من اقتراحات وأنه حولها للجنة للأخذ بها. ومن ضمن تلك الاقتراحات وأهمها هو عدم قصر الاستفادة من القرض على شراء سكن جاهز فقط, بل تمويل من لديه أرض لإنشاء سكن عليها, وذكرت أن قصر القرض على شراء الجاهز سيؤدي إلى زيادة الطلب مما سيرفع الأسعار فوق ما هي عليه من ارتفاع, وهو ما سيؤدي إلى أن الحد الأقصى وهو مليون ريال لن يشتري حتى فيلا صغيرة "دبلوكس", خصوصا في المدن الكبيرة, إضافة إلى أن مبلغا يقل عن المليون ريال يمكن أن يبني فيلا كبيرة, إضافة إلى اقتراحات وملاحظات أخرى لا تقل أهمية, ومنها تحديد سن التقاعد بـ 55 سنة, مما لا أريد تكراره.
إلا أن الإعلان عن البدء في تلقي الطلبات بداية من السبت الماضي صاحبه إصرار مؤسسة التقاعد على شروطها السابقة التي كانت محل انتقاد, ما يعني أنها ضربت عرض الحائط بكل الآراء التي أرادت الإسهام في تفعيل مشروعها وجعله يقدم خدماته لأكبر شريحة ممكنة, وأنها فكرت في نطاق ضيق حاصرة الاستفادة منه في مجالات محدودة ولشريحة صغيرة, مستبعدة, تقريبا, جل المتقاعدين بتحديدها سن الـ 55. وهذا يعني بصريح العبارة أن المؤسسة لا ترمي إلى تقديم خدماتها إلا لشريحة محددة وبطريقة وحيدة, وهي شراء المساكن! مع أنه كان في إمكانها التوسع دون أن تخل بالضمانات المالية, وهذا ما أدى إلى انتقاد شروطها, خاصة تلك التي وضعت لاستبعاد المتقاعدين, وممن انتقدها الدكتور علي السلطان نائب رئيس إدارة جمعية المتقاعدين بقوله: إن تلك الشروط لا تخدم المتقاعدين مع أن مشروع مؤسسة التقاعد يمول من أموالهم. وهذا انتقاد صحيح وفي محله, فالشروط تتضمن شبه استبعاد للمتقاعدين بتحديد سن لا تتوافر إلا في نسبة قليلة منهم, مع أنه يفترض أن يحظوا بجزء كبير من إمكانية الاستفادة من المشروع, خصوصا أن الدكتور السلطان ذكر أن ما نسبته 41 في المائة منهم لا يملكون مساكن, إلا أن هذا النقد قوبل برد "بارد" من قبل مؤسسة التقاعد (جريدة "عكاظ" في 15/6). وعلى لسان مصدر مسؤول لم يكشف عن اسمه مع أنه لا يتناول قضية حساسة, بقوله إن مشروع "مساكن" مشروع استثماري وليس اجتماعيا, مذكرا بما أدلى به المحافظ في المؤتمر الصحافي الذي أعلن فيه بدء إطلاق المشروع بأنه, أي المشروع, ينحى منحى استثماريا كأي مشروع مماثل في المملكة. وهنا ليسمح لنا سعادة المحافظ ومؤسسة التقاعد بتحفظات جوهرية على هذا القول, فمؤسسة التقاعد جهة حكومية لا مؤسسة استثمارية بحتة, ولا بأس في أن تستثمر بما لديها من أموال باعتبارها الجهة المعنية برواتب التقاعد, ولكن ليس بتجريد نفسها وعملها من بعده الاجتماعي, فهي تعمل ضمن شريحة اجتماعية واسعة تمثل موظفي الدولة ومتقاعديها, وإذا أصرت المؤسسة على موقفها ونظرتها تلك باعتبار مشروعها استثماريا جافا من أي بعد اجتماعي, فهل تقبل من باب الاستثمار المالي البحت دون أي دور اجتماعي مثلا أن يطالبها المتقاعدون من باب المشاركة الاستثمارية بنسبة من العوائد لكون المؤسسة تستثمر في أموالهم؟ فالأرباح التي ستجنيها وإن كانت بطريقة الأرباح المتناقصة ستدر عليها دخلا إضافيا كبيرا, وهنا ألا يحق لموظفي الدولة ومتقاعديها أن يطالبوها بالمشاركة في هذه الأرباح ما دامت تتعامل معهم بالمنطق الاستثماري المجرد؟ وأن يتساءلوا أين ستذهب أموال الأرباح، فهل ستستخدمها مثلا في رفع مكافأة نهاية الخدمة؟
المهم في الأمر أن تمسك مؤسسة التقاعد بشروطها القاسية وغير المرنة يقلل فعلا من الفائدة من هذا المشروع ومن الآمال في أن يسهم وبقدر جيد في حل مشكلة الإسكان، التي باتت مشكلة مؤرقة لم تنفع معها الحلول المستخدمة، خاصة صندوق التنمية العقاري. كما أنها استبعدت وبشكل واضح الجزء الأكبر من المتقاعدين بتحديدها سن الـ 55، بالرغم من أن مشروع "مساكن" يمول من أموالهم، وفي المحصلة سنجد هذا المشروع لن يخدم إلا نسبة قليلة من الموظفين وأقل منها بكثير جدا من المتقاعدين، في وقت كان يؤمل فيه أن يكون هذا المشروع المقدم من جهة معنية بطبقة واسعة هي طبقة موظفي الدولة ومتقاعديها، وتستثمر بما تكدس لديها من أموال طائلة تتضاعف شهريا من اقتطاعها من رواتب الموظفين، خير مثال على قدرة فكر إداري جيد على إيجاد حلول مبتكرة لمشكلة مؤرقة ومتنامية كمشكلة السكن، فهذا المشروع كان يفترض أن يقدم بصورة وطريقة أكثر مردودا كما تفعل شركة أرامكو مع موظفيها فيما يخص السكن، لا أن يبعد عنه البعد الاجتماعي وكأن مؤسسة التقاعد همها الربحية وحدها.
ما نأمله هو أن تكون هناك مرحلة ثانية من هذا المشروع توسع من دائرة الاستفادة منه، وأن تعاد صياغة أهدافه من الربحية المادية البحتة إلى الربحية الاجتماعية بالدرجة الأولى، ومن ذلك أن يتعدد استهدافه لخدمة العديد من المستفيدين بطرق مختلفة غير مرتبطة بإطار واحد وهو شراء سكن جاهز، ومن ذلك تمويل بناء المساكن لمن لديه أرض أو استكمال من أوقف البناء بسبب قلة المال مثلا، وتمويل ترميم منازل الموظفين والمتقاعدين، بل وتمويل من توجد لديه إمكانية إضافة دور أو ملاحق للتوسع أو حتى لاستثمارها بالتأجير، هكذا يجب أن تكون نظرة مؤسسة التقاعد حين تتصدى للإسهام في شأن عام وأساسي مثل تمويل امتلاك السكن لمن تعنى بهم، فدخولها هذا المجال كان يجب أن يكون بهدف الإسهام الفعلي، وهي القادرة عليه في حل مشكلة باتت عصية على كثيرين، ولكن حين تعلن بأن مشروعها هو استثماري وليس اجتماعيا، فهذه طامة كبرى، لأن لسان حال الموظفين سيقول: من أين نرقعها؟ من توحش البنوك علينا أو سبات وقلة قروض صندوق التنمية العقاري أم مؤسستنا للتقاعد التي اعتبرتنا زبائن لا شركاء؟