دبي وصراع الأفيال..وقضية الاستحواذ!
لأيام متتالية، يتصدر خبر عزم بورصة دبي الاستحواذ على "أومكس" OMX النرويجية أكبر بورصة ومقدم لتقنيات التداول في الدول الاسكندنافية ودول البلطيق معظم صفحات الاقتصاد وعناوين وكالات الأنباء حول العالم منذ التقدم بعرض الاستحواذ بما يقارب 4.1 مليار دولار في التاسع من آب (أغسطس) الماضي. ويأتي عرض بورصة دبي ليتفوق على عرض ثاني أكبر بورصة في العالم وهي بورصة ناسداك الأمريكية بنحو 14 في المائة والمقدر بنحو 3.7 مليار دولار، ما دفع بورصة ناسداك لأن تعرض حصتها التي جمعتها في العامين الماضيين والتي تصل إلى 31 في المائة من بورصة لندن للبيع. وبالنسبة لتفاصيل عرضي الاستحواذ المتنافسين، فإن عرض بورصة دبي هو عرض نقدي يتضمن تملك خيارات شراء أسهم "أومكس" مملوكة لصناديق تحوط تقدر بنحو 23.5 في المائة ومستحقة مع بداية أيلول (سبتمبر) المقبل، وتستمر فترات الاستحقاق لنحو 20 يوماً تتملك فعلياً بعدها بورصة دبي الحصة الجديدة بجانب حصة 5 في المائة تم تملكها من السوق وذلك عند موافقة 90 في المائة من حملة الأسهم، بينما كان عرض "ناسداك" السابق في أيار (مايو) يتكون من أسهم ونقد، أي أن يتم الاستحواذ ودفع جزء من الصفقة بأسهم عوضاً عن النقد. لذلك، فإن عرض "ناسداك" بيع حصتها التي تبلغ الثلث في بورصة لندن يهدف إلى توفير النقد اللازم لصناديق التحوط للتغلب على عرض بورصة دبي، تسديد نحو مليار دولار من الديون وإعادة شراء أسهمها من السوق لرفع قيمة الأسهم وتسهيل رفع قيمة عرض الاستحواذ من خلال ارتفاع قيمة الأسهم في إجمالي صفقة الاستحواذ.
كما تدير "أومكس" بورصات قيادية في الدول الاسكندنافية كستوكهولم، كوبنهاجن، هيليسنكي، وثلاث بورصات في دول بحر البلطيق، ما يجعل بورصة دبي عند نجاح استحواذها على "أومكس" خامس أكبر بورصة في العالم. هذا النشاط العالمي المحموم، السريع، المحترف، والدقيق لشركات دبي المختلفة على مستوى العالم يجعلنا نقف دهشة ونردد ما كنا نقوله منذ سنوات، ماذا تفعل دبي؟
وقبل نحو عام أصبحت موانئ دبي العالمية ثالث أكبر شركة نقل بحري في العالم بعد الاستحواذ على شركة بي آند أو البريطانية بعد أن قامت دبي بتوفير البنية التحتية لصناعة النقل البحري والترانزيت عن طريق إنشاء موانئ وأحواض جافة تنافس الموانئ العالمية كالموجودة في سنغافورة. وقبل عدة أشهر بدأت "دبي للطيران" بالاستحواذ على حصص كبيرة في شركات صيانة محركات الطائرات الصغيرة وصيانة المحركات النفاثة بجانب خطط للاستحواذ على شركات إدارة مطارات وعمليات تصنيع مرتبطة بصناعة الطيران عموماً بعد أن قامت دبي بتجهيز البنية التحتية لصناعات وخدمات مرتبطة بالطيران من خلال تمكن طيران الإمارات من احتلال مكانة عالمية بين الناقلين الدوليين والخطط التوسعية الطموحة لمطار دبي الحالي والمطار الذي تحت الإنشاء.
نستنتج من توجهات دبي الاستثمارية في الأعوام القليلة الماضية وجود استراتيجية بعيدة المدى مرسومة بدقة لتصل إلى الأهداف النهائية، وبتنفيذ يثير الإعجاب. فبداية، قامت دبي بتجهيز الموانئ والبنية التحتية ثم توسعت عمودياً بالدخول في السوق العالمية للشحن البحري، ومن ثم قامت بتجهيز البنية التحتية للطيران وخدماته ثم التحرك عمودياً وعالمياً مرة أخرى لتكون أحد مراكز الطيران والترانزيت والخدمات المرتبطة به بعد تصنيف طيران الإمارات في المراتب الأولى لسنوات متتابعة، وحديثاً قامت بتنظيم الصناعة المالية عموماً من خلال إنشاء بورصة دبي التابعة لمركز دبي المالي العالمي والتي تقوم بدورها حالياً بوضع سوق دبي على خريطة المراكز المالية العالمية لتكون خامس أكبر بورصة في العالم إن تمكنت من الاستحواذ على "أومكس"، علماً بأن هدف بورصة دبي هو أن تكون الثالثة على مستوى العالم.
في خضم هذه التحركات المحسوبة لشركات دبي، ومقارعتها حالياً لثاني أكبر بورصة في العالم "ناسداك" في الاستحواذ على "أومكس"، أرى أن بورصة دبي على الرغم من حداثتها تعتبر من عمالقة البورصات، فالتنافس على استحواذ "أومكس" هو صراع الأفيال، وحين تتصارع الأفيال فعليك أن تبقى بعيداً لحين يهدأ الغبار، خصوصاً وأن بورصة دبي تعلم طريقها حين عينت بيير لارسن مديراً تنفيذياً بعد أن كان المدير التنفيذي لـ "أومكس" نفسها.
لا ريب أن هذه الإمارة هي المستفيد الأول من العولمة والانفتاح الاقتصادي في منطقتنا، فلماذا لا نتعلم منها؟ باستثناء صفقة "سابك" و"الاتصالات السعودية" التي تحركت حديثاً فقط، لماذا لا نرى أي بوادر لتحرك مؤسساتنا الحكومية وصناديقنا الاستثمارية لأن تأخذ موطئ قدم في أي من الأسواق العالمية أو حتى الإقليمية بتحركات واضحة واستراتيجية تدل على أن القرارات محسوبة بدقة لتعظيم منفعة الاقتصاد الوطني، علماً أن صندوق "دلتا 2" التابع لحكومة قطر على وشك الاستحواذ على سلسلة مراكز ساينسبري للتسوق في بريطانيا!
وأخيراً، من المهم التأكيد أن عمليات الاستحواذ والاستثمارات الاستراتيجية في الشركات العالمية ليست هدفاً بحد ذاتها ما لم تكن مرتبطة بالأهداف الاقتصادية الوطنية كنقل التقنية وأساليب الإدارة والمنافسة، الاستحواذ على المعرفة المتراكمة لدى الشركات العالمية، بناء مراكز استراتيجية لاختراق الأسواق الدولية، وتوفير قناة تربط عمليات ونشاط الشركات العالمية بالاقتصاد السعودي.