رئاسة عامة لرعاية المسنين!

الرعاية الصحية والاجتماعية والنفسية للمسنّين بمختلف فئاتهم وظروفهم الاجتماعية والصحية مسألة مهمة، فهذه الفئة الغالية على قلوبنا تحتاج إلى رعاية خاصة ومعاملة خاصة أيضاً، ومن حق المسن علينا كأفراد ومؤسسات أن نرعاه في كبره وعجزه بشكل يليق به.
ولا شك أن وزارة الشؤون الاجتماعية تبذل مجهودات تُشكر عليها تجاه فئة المسنين. وهي تقدم لهم العون والرعاية من أجل أن يعيشوا ما تبقى لهم من سنيّ عمرهم بشكل لائق وكريم. ولكني أعتقد أن الأمر يتطلب تضافر جهود عدة جهات حكومية وخاصة لكي تحظى هذه الفئة بالرعاية اللائقة والشاملة. وهذه الجهات على رأسها وزارة الصحة، والمراكز الاجتماعية ومستشفيات القطاع الخاص، وشركات التأمين الصحي، لا تستطيع أن تقدم لهم رعاية شاملة دون أن توجد جهة عليا تنسق فيما بينها. فهذه الجهة هي القادرة وحدها على بلورة برنامج متكامل للرعاية الصحية والاجتماعية يأخذ في الحسبان كافة الاحتياجات الخاصة بالمسنين.
بل لا أبالغ كذلك في القول، بأن يكون هناك جهاز إشرافي مستقل خاص برعاية المسنين على مستوى وزارة كما هو الحال بالرئاسة العامة لرعاية الشباب. فليس من اللائق أن يبقى هؤلاء المسنون مشتتين بين عدة جهات لا مرجعية واحدة لها، فهم بحاجة إلى جهة ترعاهم وتشرف على كل شؤونهم وتضع لهم برامج الرعاية التي يحتاجون إليها وبما يشعرهم بالتقدير والاهتمام وأنهم أحد مكونات هذا المجتمع وركيزته الأساس. فنحن لا نريد أن يتحول هؤلاء المسنون إلى منسيين في البيوت لا يعيرهم المجتمع أي اهتمام، وهذا بلا أدنى شك له آثاره السلبية الكبيرة عليهم.
ومع ذلك فأنا لا أدعو هنا إلى أن تحل هذه الجهة محل الأسرة أو تمارس الدور نفسه الذي يقوم به الأبناء وفقما هو مقرر شرعاً أو وفق الأعراف الاجتماعية السائدة. فأنا أدعو إلى أن تُمارس هذه الجهة دوراً داعماً ومسانداً ومكملاً في رعاية المسنين، وبما يعزز الإحساس لدى هذه الفئة بأن هناك من هو قائم على حاجاتهم على اختلافها وبشكل لا يجعلهم ينظرون إلى أنهم يمثلون عبئاً على أسرهم أو أبنائهم، أو أن نتركهم لأبنائهم وهم غير قادرين على رعايتهم بسبب نقص الإمكانات والخبرة، فالبعض من كبار السن أصبح يعيش في بيت أبنائه منسياً وكأن وظيفته في هذه الحياة انتهت إلى هذا الحد.
فالرعاية تكون من خلال توفير بيئة اجتماعية وترفيهية وصحية، أي ببساطة توفير منظومة متكاملة من الخدمات تُراعى فيها احتياجات المسنين المختلفة، ولذلك فإن تشجيع إنشاء مجمعات أو قُرى متكاملة لرعاية المسنين صحياً ونفسياً بل حتى إيجاد منتجعات صحية واجتماعية وأقسام ترفيهية وأندية ثقافية وفعاليات تناسب اهتماماتهم لا يُعد أمراً مستكثراً على هذه الفئة.
وأرى أنه من المناسب ترك جزء من هذه المشاريع للقطاع الخاص فهو يستطيع إدارة بعض منها بشكل ملائم وبعيد عن بيروقراطية الخدمات الحكومية، على أن تتم تغطية نفقات هذه البرامج عن طريق شركات التأمين ولا سيما ما يخص الرعاية الصحية والبرامج الأخرى المرتبطة بها، على ألا يتحمل المسنون أو ذووهم أي تكاليف مادية. فالمقابل المالي للتغطية التي تقوم بها شركات التأمين يكون عن طريق التأمين صحياً على المسنين من قبل الدولة، كأن تكون هناك وثيقة تأمين صحي على المسنين تتضمن جميع أشكال الرعاية الصحية الخاصة بهم، وكذا تغطية التكاليف المتعلقة بالنشاطات الصحية التي يحتاجون إلى ممارستها، وكذلك تغطية الأمراض المرتبطة بالشيخوخة كالاكتئاب وأمراض العزلة الاجتماعية، وأن تقوم الدولة كذلك بتقديم الدعم المالي والعيني المباشر للبرامج الأخرى غير الصحية التي تقدمها مؤسسات القطاع الخاص للمسنين وتشجيع البرامج الخاصة برعاية هذه الفئة عن طريقها. كل هذا يحتاج إلى جهة إشرافية واحدة ومتفرغة لهؤلاء المسنين تضع الخطط والاستراتيجيات لرعايتهم تقديراً لهذه الفئة الغالية على قلوبنا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي