عودة السلع الأولية الروسية إلى الأسواق ؟ إنها لم تختف منها قط
رفع العقوبات الغربية عن روسيا لا يعني بالضرورة انخفاض أسعار السلع.. باستثناء الغاز
إن عودة السلع الأولية الروسية إلى الأسواق العالمية ليست مسألة احتمال، بل تتعلق بالتوقيت والشروط التي ستخضع لها. ورغم اقتراب هذه اللحظة، إلا أن رفع العقوبات التي فرضها الغرب وعودة التجارة إلى المستويات الطبيعية لن يؤديا إلى خفض الأسعار كما قد يبدو للوهلة الأولى. مع بدء المفاوضات بين الولايات المتحدة وروسيا حول حرب أوكرانيا، يسود السوق رأيان مختلفان، الأول أن المفاوضات ستكون طويلة ومضنية، وبالتبعية ستظل العقوبات سارية لشهور، وربما سنوات، والثاني أن حدوث انفراجة فيها بات وشيكا.
أرجّحُ الرأي الثاني. علاوة على ذلك، فالجانب الأهم ليس هو العقوبات بحد ذاتها، بل تطبيقها. وبعد ما حدث الأسبوع الماضي، هل يعتقد أحد حقاً أن وزارة الخزانة الأمريكية ستعطي الأولوية لمراقبة صادرات النفط الروسي، على سبيل المثال؟ أو أن الدبلوماسيين الأميركيين يمارسون ضغوطاً على الدول الآسيوية لتجنب السلع الأولية الروسية؟ أو أن البيت الأبيض لا يتطلع إلى عودة شركات النفط الأمريكية إلى روسيا؟ إن نظام العقوبات يتداعى، من الناحية الواقعية، وإن لم يكن من الناحية القانونية بعد.
إنتاج روسيا من السلع لم يتأثر بالعقوبات
المسألة محفوفة بمخاطر كبيرة، فروسيا قوة عظمى في السلع الأساسية، وتُصنف بين أكبر 5 دول منتجة في عديد من الأسواق، مثل النفط والألمنيوم والقمح، كما أنها مورد رئيسي للدول المجاورة. وقبل حرب أوكرانيا في 2022، وتوقف الإمدادات، وفّرت روسيا لأوروبا 25% من احتياجات النفط، و50% من الفحم، ونحو 40% من الغاز. أدت الحرب إلى تغير جذري في مسار التجارة، لكن لم يطرأ تغيير يُذكر على إنتاج روسيا من السلع الأولية، بل تجاوز مستويات 2021 في حالات قليلة.
كان هذا مقصوداً إلى حدٍ ما، إذ واجهت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي اختياراً صعباً، إما حظر السلع الأولية الروسية وتحمل ارتفاع هائل في التضخم، أو السماح باستمرار التجارة، ما يعني تمويل روسيا في حربها على أوكرانيا. لكنهم اختاروا طريقاً ثالثًا مستحيلاً بدلاً من ذلك، وهو فرض عقوبات، لكن مع ترك ثغرات كافية تضمن استمرار الإمدادات.
عودة السلع الروسية لا تعني انخفاض الأسعار
لذلك، قد لا يؤدي رفع العقوبات إلى انخفاض الأسعار، على الأقل في المدى القريب. لنأخذ النفط مثالاً، فإن القيود على إنتاج روسيا من النفط ليست ناجمة عن العقوبات الغربية، بل عن قرارات الدولة نفسها بصفتها عضواً في تحالف "أوبك+". صحيح أن إنتاج النفط الروسي قد انخفض عن مستواه في أواخر 2021، حيث يبلغ نحو 9.7 مليون برميل يومياً مقابل 10.6 مليون برميل، لكن إنتاج الدول الكبرى في "أوبك+"، مثل السعودية، قد انخفض بقدر مشابه، إن لم يكن بحجم أكبر.
وتعد السلع الزراعية مثالاً آخر على قطاع لن يتأثر في سوق السلع الأولية، فرغم العوائق الناجمة عن العقوبات على البنوك والخدمات المصرفية، تمكنت روسيا من تصدير أغلب محاصيلها كما أرادت. في الواقع، بلغت صادرات القمح خلال موسم 2023 و2024 أعلى مستوى على الإطلاق عند 55 مليون طن متري، ما يمثل ارتفاعاً بنسبة 60% عن موسم 2021 و2022، وشهد قطاع المعادن ارتفاعاً مشابهاً، فيما ارتفع إنتاج الألمنيوم الروسي العام الماضي إلى 3.8 مليون طن، ما يعد أعلى مستوى منذ أكثر من عقد.
شكّل الغاز الطبيعي الاستثناء الوحيد، فالقيود على الغاز فرضتها روسيا نفسها، وليست دول الغرب، فبشكل عام، كانت موسكو من أوقفت بيع الغاز إلى أوروبا. وتظل أوروبا مشترياً راغباً من أي مكان لا تزال السلعة الأولية متاحة فيه، مثل الغاز المسال. الواقع أن عدداً من الدول الأوروبية تشتري الغاز المسال الروسي بكميات غير مسبوقة، بعد مرور أكثر من 1000 يوم على بدء الغزو.
رغم أنني لا أتوقع عودة مشتريات أوروبا من الغاز الروسي إلى مستوياتها السابقة، فالمؤكد أن استئناف التدفقات، حتى لو اقتصر على عدد ضئيل من الدول، سيكون له تأثير كبير. فالأسعار القياسية لبيع الغاز الطبيعي بالجملة في أوروبا قد تنخفض 25%، أو أكثر حتى، بحلول العام المقبل إذا أتيحت إمدادات الغاز الروسي. وبالتبعية، سيؤدي ذلك إلى انخفاض أسعار الكهرباء أيضاً. طالما توقعت عودة ألمانيا ودول أخرى إلى شراء الغاز الروسي، حتى لو ظل فلاديمير بوتين في السلطة، ولم أجد حتى الآن ما يدفعني إلى تغيير توقعاتي.
رفع العقوبات يدعم إنتاج السلع الروسية
فيما يخص بقية السلع الأولية، فإن التغيير الأكبر الذي نجم عن حرب أوكرانيا لم يكن في الإنتاج، بل في وجهة التدفقات. فبدلاً من تصدير الإمدادات إلى المشترين الطبيعيين، بناء على قرب الموقع الجغرافي، اتجهت معظم صادرات السلع الأولية الروسية إلى الصين والهند.
إذا لم ينتج عن رفع العقوبات تغير فوري في إمدادات السلع الأولية، فقد يفسح ذلك المجال أمام ارتفاع الأسعار في الفترة المقبلة. مبدئياً، قد يؤدي التوصل لاتفاق إلى تغير موقف موسكو من "أوبك+". وخلال الفترة الحالية، تشير كل الدلائل إلى متانة التحالف بين روسيا والسعودية، إلا أن بوتين نفسه دعا إلى ضم واشنطن إلى الرياض وموسكو، لإجراء محادثات ثلاثية حول سوق الطاقة. وقد دعا الرئيس دونالد ترمب "أوبك+" صراحةً إلى رفع الإنتاج. إضافة إلى ذلك، فإن رفع العقوبات- وعودة الاستثمارات الأمريكية بالأخص- قد يعزز القدرة الإنتاجية الروسية، خصوصاً في النفط. لكن هذه مسألة لن تستغرق أسابيع، بل سنوات.
خاص بـ "بلومبرغ"