صناعة الحلال.. السعودية تستعيد مراكز قوتها      

رئيس تحرير صحيفة الاقتصادية                

                هناك صناعات وقطاعات في العالم تكاد تكون السعودية هي الوجهة الأولى المفترضة لها والأكثر تنافسية في العالم في إدارة واقتطاع الحصة الأكبر من سوق هذا النوع من الصناعات، وبالتأكيد تأتي صناعة النفط والطاقة كأحد أولى تلك الصناعات التي برعت فيها السعودية وحققت نجاحات متقدمة، إلى جانب الصناعات التكميلية، مثل: الصناعات الكيماوية والبتروكيماوية، وهذا طبيعي على اعتبار أن السعودية هي أكبر منتج للطاقة في العالم، أيضا نجحت في أن تكون من أوائل الدول في خدمات إدارة الحشود لاستضافتها السنوية ملايين من المعتمرين والحجاج، وقد نجحت في تقديم هذا النوع من الخدمات والابتكار فيه وتطويره، وهناك قطاعات أخرى لا يتسع المجال لذكرها. 

‏إلا أنه وعلى مدى أكثر من 80 عاما منذ تأسيس الدولة السعودية بشكلها الحديث كان هناك عديد من الخدمات والصناعات التي تخلّت أو لم تهتم السعودية للقيام بدور أكبر فيها، رغم أن المزايا التنافسية التي تمتلكها في تلك المجالات كبيرة للغاية وتؤهلها إلى أن تكون قائدة في هذه القطاعات. 

اليوم وبعد انطلاق رؤية 2030 عادت السعودية إلى الوقوف على مزاياها التنافسية في جميع القطاعات والخدمات، ولعلي هنا أذكر عددا من الإستراتيجيات والبرامج التي أطلقت في مجالات عدة، منها قطاع التعدين إذا تعد السعودية واحدة من أكبر الدول التي تمتلك ثروات معدنية لم تستغل حتى اليوم، ولكن اليوم هناك إستراتيجية ضخمة لاستغلال هذه المعادن، وأيضا قطاع الخدمات اللوجستية وعلى اعتبار أن السعودية تقع في موقع مميز بين عدة قارات ولكن خلال العقود الماضية لم توظف هذه الميزة النسبية عبر موانئ ضخمة وخدمات مساندة من مطارات ومخازن ومواقع تصنيع، لكن اليوم وتماشيا مع الرؤية تعود هذه الخدمات اللوجستية لصدارة اهتمام السعودية، وبدأت الجهات المعنية في تنفيذ خطط طموحة لبناء موانئ كبرى وجذب شركات عالمية، وقطاعات أخرى مثل السياحة التي حظيت بأولوية كبرى لما تمتلكه القارة من مزايا نسبية مع جيرانها في منطقة الشرق الأوسط تؤهلها لاقتطاع الحصة الأكبر من سياح العالم. 

‏هذه المقدمة كانت ضرورية لوضعكم في صورة قطاع مهم تمتلك السعودية فيه أكبر ميزة نسبية لأي دولة في العالم، وهو قطاع الحلال أو صناعة الحلال.. السعودية هي مهد الإسلام ومهبط الوحي وأرض الحرمين مكة المكرمة والمدينة المنورة ووجهة ملايين المسلمين يوميا. 

‏وليس هناك أكبر من هذه المزايا لأن تكون السعودية هي رقم واحد في صناعة الحلال في العالم وعندما نتحدث عن صناعة قطاع الحلال بمعنى أن تكون هي المرجعية الأولى لصناعة الحلال في العالم، وتستفيد من هذا الموقع لجذب جميع الشركات المرتبطة بصناعة الحلال ونحن هنا لا نتحدث عن قطاع الدواء والأغذية فقط، فقطاع الحلال اليوم في العالم يتوسع بشكل كبير فإلى جانب الأغذية والمشروبات هناك المستحضرات الصيدلانية، والطبية، والصحية، والتجميلية، بل وحتى السفر والسياحة وغيرها من منتجات وخدمات صناعة الحلال في العالم، أيضا ينضم إليها اليوم قطاعات التعليم والصحة وأصبح مرتبطا بصورة أو بأخرى بعديد من القطاعات التي تشمل كل مناحي الحياة. 

‏هذه السوق التي تشير التقديرات الدولية أن يبلغ حجمها عالميا في 2025 نحو 7.7 تريليون دولار منها 3.3 تريليون دولار في سوق الغذاء والمشروبات، لم تكن ضمن اهتمامات السعودية خلال العقود الماضية واستفادت كثيرا من الأسواق والدول من هذه الصناعة ولعلي هنا أشير إلى دول مثل: ماليزيا، وتركيا، بل حتى دول غير إسلامية متقدمة مثل: بريطانيا، والولايات المتحدة الأمريكية، والبرازيل. ومن المتوقّع وصول قيمة سوق الغذاء الحلال العالمي إلى نحو 9.45 تريليون دولار بحلول 2034، بمعدل نمو سنوي قدره 12.42%

اليوم يجري عمل كبير في عدة قطاعات داخل منظومة السعودية لإعادة الإمساك بزمام الأمور في هذه السوق وتحقيق المكاسب المحققة لها من هذه الصناعة.

وقد انطلقت في العام الماضي أول نسخة لمؤتمر دولي في مكة المكرمة، يعنى بهذه الأمر ولهذا المكان دلالة كبرى يعرفها مليارا إنسان من حول العالم، وكان الـ منتدى تحت عنوان "منتدى مكة للحلال"، واليوم تختم فعاليات النسخة الثانية التي انطلقت قبل عدة أيام تحت عنوان "التنمية المستدامة عبر الحلال"، ومن هنا أصبح واضحًا لي أيضًا أن هذا المنتدى يسعى من بين أهدافه إلى إطلاق أفكار وتقنيات جديدة تُعزز نمو صناعة الحلال عالميًا، وهو ما استوقفني مرة أخرى، لما يحمله ذلك من أهمية كبرى، ومن مسؤولية أكبر، يعوّل عليها مسلمو العالم لمواكبة التسارع في جميع القطاعات، إلا أن تلك المسؤولية الكبرى هي أحد أقدار السعودية؛ في أن تكون متصدرة لكل ما يهم المسلمين في العالم.

وقد أكد عبدالله كامل، رئيس مجلس إدارة "غرفة مكة" ورئيس "الغرفة الإسلامية"، في كلمته الافتتاحية للمنتدى هذا العام والذي دشنه وزير التجارة السعودي، ماجد القصبي، وحضره ممثلو هيئات وشركات من 120 دولة، على أن السعودية تريد أن تكون مكة المكرمة منصة لتطوير القيادات في مجال الاقتصاد الإسلامي والحلال.

وأضاف "نريد أن تكون مكة والمدينة أعلى علامات الجودة والامتياز.. منصة عالمية يثق فيها الجميع ." 

لا شك أن تطوير حلول مبتكرة في أي مجال من المجالات هو مسؤولية ليست سهلة لمن يعرف معنى الابتكار، إلا أن الحفاظ على التوازن بين الابتكار والالتزام بالمعايير الدينية يعد من أثقل المسؤوليات، بل من أبرز التحديات التي تواجه صناعة الحلال في العالم، حيث نعلم جميعًا أن هناك اختلافات في معايير الحلال بين الدول والشعوب، وهذا أيضًا من التحديات الأخرى التي يتصدى لها هذا المنتدى المهم؛ وهو تشجيع الابتكار في صناعة الحلال مع الحفاظ على المعايير الشرعية وتوحيدها عالميًا، إذ يُعد المنتدى منصة رئيسية تجمع ممثلي هيئات الاعتماد الدولية؛ لمناقشة معايير الحلال وتسهيل حركة المنتجات بين الأسواق العالمية، وتعزيز الثقة بين المستهلكين والمُصنعين، كما يتبنى المنتدى التقنيات الحديثة، مثل البلوك تشين والذكاء الاصطناعي؛ لضمان الشفافية والكفاءة في عمليات اعتماد المنتجات الحلال.

مسؤولية كبرى إذ تقع على عاتق منتدى مكة للحلال، وهو ما يؤكد الدور الكبير الذي تؤديه السعودية في عديد من القضايا، وهو أيضًا ما يؤهلها لتصبح مركزًا عالميًا لصناعة الحلال في العالم، من خلال استقطاب رواد الأعمال والمستثمرين والجهات التنظيمية والخبراء الدوليين، لإطلاق أفكار وتقنيات جديدة تعزز نمو صناعة الحلال بما يخدم المسلمين وغيرهم، مرتكزين على مكانة السعودية كقوة كبرى إسلاميًا وعربيًا واقتصاديًا وروحيًا، ومنطلقين من موطن الحلال في العالم؛ مكة المكرمة. 

الشركات والشباب والفتيات السعوديون وغيرهم مدعوون للمشاركة في ابتكار الحلول التي تدعم صناعة الحلال والتحول الهائل الذي يجري فيها وهي فرص استثمارية كبيرة ومميزة.            

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي