لماذا تشتد المنافسة العالمية على المعادن النادرة؟

دفعت تحولات الاقتصاد العالمي في السنوات الأخيرة نحو قطاعات التكنولوجيا والصناعات المتقدمة إلى ارتفاع أهمية المعادن النادرة. حيث أصبحت مجال قوي للمنافسة بين أكبر الفاعلين في الاقتصاد العالمي. وتتكون المعادن النادرة من مجموعة من العناصر التي تستخدم في تصنيع المغناطيسات عالية القوة، وتشمل كل من التيتانيوم والليثيوم والبيريليوم والمنغنيز والغاليوم والغرافيت والكوبالت وغيرها من المعادن الأخرى.
ترجع أهمية المعادن النادرة للاقتصاد العالمي إلى أنها تشكل عنصرا رئيسيا في مختلف الصناعات الحديثة مثل الصناعات العسكرية وأشباه الموصلات، والهواتف المحمولة وبطاريات السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة مثل توربينات الرياح وألواح الطاقة الشمسية.
تمتلك الصين الجزء من احتياطيات العالم من المعادن النادرة. حيث وصل حجم الاحتياطي الصيني في 2023 إلى 44 مليون طن متري. بينما تأتي فيتنام في المرتبة الثانية باحتياطي يقدر بنحو 22 مليون طن متري، وروسيا في المرتبة الثالثة بنحو 21 مليون طن. بينما وصل حجم الاحتياطي في الولايات المتحدة خلال الفترة نفسها إلى 1.8 مليون طن متري.
الاحتياطيات الهائلة التي تملكها الصين تجعلها تستحوذ على النسبة الأكبر من إنتاج المعادن النادرة. حيث شكل الإنتاج الصيني من المواد الخام للعناصر النادرة في 2023 نحو 68.6% من إجمالي الإنتاج العالمي، بينما جاءت الولايات المتحدة في المرتبة الثانية بنحو 12.3%.
وبفضل سنوات من الاستثمارات الضخمة من القطاعين الخاص والحكومي إضافة إلى الإنفاق الكبير على البحث والتطوير، أصبحت الصين تسيطر على 90% من قدرات الفصل والتكرير لتلك العناصر في العالم.
السيطرة الصينية على إنتاج وتكرير وتصدير المعادن النادرة في العالم جعلت من القطاع واحدًا من أهم الأدوات الاقتصادية التي يملكها ثاني أكبر اقتصاد في العالم. وذلك نظرًا لاعتماد مختلف الدول والصناعات على الإمدادات القادمة من الصين.
تلك السيطرة بما تشكله من مزايا للصين إلا أنها تحمل مخاطر عديدة للاقتصاد العالمي. ففي ظل الأوضاع الجيوسياسية غير المستقرة في العالم، والتوترات التجارية بين الصين والدول المتقدمة، فانه سيتم اللجوء إلى استخدام المعادن النادرة كورقة ضغط، عبر فرض قيود على الصادرات أو نقل التكنولوجيا في مجال التكرير والمعالجة. سيخلق ذلك صدمات للاقتصاد العالمي وبالأخص في مجالات التكنولوجيا المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية. إضافة إلى جهود التحول للطاقة النظيفة.
في السعودية التي يشكل قطاع التعدين واحدًا من أهم محاور التنويع الاقتصادي تظهر المعادن الأرضية النادرة كعنصر مهم في القطاع. فقد قدرت وزارة الصناعة والثروة المعدنية حجم الثروات المعدنية في السعودية بنحو 9.4 تريليون ريال، وتشمل مختلف المعادن ومنها العناصر الأرضية النادرة.
امتلاك السعودية لتلك المعادن يشكل أهمية كبيرة لمستقبل اقتصادها. حيث تسعى السعودية إلى التحول إلى وجهة مهمة للصناعات المتقدمة مثل الإلكترونيات والتكنولوجيا، والطاقة النظيفة، إضافة إلى السيارات الكهربائية. ويشكل امتلاك جزء مهم من سلسة التوريد لتلك الصناعات عامل جذب رئيسي لتشجيع الاستثمارات الأجنبية على الدخول للسوق السعودية. وللمضي قدمًا في تحقيق تلك الأهداف يقترح مجموعة من السياسات، يأتي على رأسها تقديم الحوافز لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة لإنتاج وتكرير المعادن النادرة، ولخفض المخاطر عن الشركات يفضل أن يكون الاستثمار بنظام الشراكة مع الجهات الحكومية وفي مقدمتها صندوق الاستثمارات العامة.
العامل المهم الأخر هو تشجيع الشركات الأجنبية على إقامة مراكز للبحث والتطوير في السعودية، بما يسهم في زيادة القيمة المضافة لقطاع التعدين وتدريب الكوادر المحلية ونقل المعرفة في الصناعة. وتملك القارة الإفريقية ثروات ضخمة من المعادن النادرة، ونظرًا للعلاقات التاريخية التي تجمع السعودية مع دول القارة. فيقترح ضخ استثمارات مباشرة في قطاع التعدين في القارة وبالأخص في المعادن النادرة التي تشكل أولوية لتطوير القطاع الصناعي في السعودية.
ختامًا فقد تحولت المعادن النادرة إلى صناعة ضرورية لهيكل الاقتصاد العالمي والصناعات المتقدمة. ويحتاج العالم في السنوات المقبلة إلى تنويع سلاسل الإمداد والتوريد الخاصة بالصناعة للتغلب على مخاطر تركزها في دولة واحدة واستخدامها كورقة ضغط. الأمر الذي سيشكل صدمة لأهم القطاعات الاقتصادية في العالم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي