ماذا تعلمت في جزيرة روبين ؟

ماذا تعلمت في جزيرة روبين ؟

لن أكون مختلفة في ذلك الأمر عن ملايين الزائرين سواء كسياحة أو رحلة عمل، ولذلك فلا بد أن تكون جزيرة روبين من أبجديات جدول زياراتي خلال رحلتي الحالية لجنوب إفريقيا.
تقع هذه الجزيرة في المحيط الأطلنطي وعلى بعد كيلومترات من سواحل مدينة كيب تاون بالقرب من رأس الرجاء الصالح، حيث توصف هذه الجزيرة في القائمة العالمية للمواقع التراثية الصادرة في عام 1999 من منظمة الأمم المتحدة الثقافية أنها موقع تراثي يمثل انتصار الروح البشرية والحرية والديمقراطية على الظلم.
كانت جزيرة روبين سابقا سجنا مهما في حكومة التمييز العنصري لجنوب إفريقيا يضم العديد من السجناء السياسيين الذين كان من أشهرهم المناضل العالمي نيلسون مانديلا حيث قضى في إحدى زنزاناتها الانفرادية حكما بالأشغال الشاقة لمدة 27 عاما بتهمة التخطيط لعمل مسلح.
خلال سنوات سجنه الـ 27 ومن خلال قضبان زنزانته البالغ مساحتها (2م × 2م) ركز مانديلا على دائرة الحل والمبادرة من خلال نشر فكرة الحرية والعدالة ومنع التمييز العنصري، ومع أن معاناة جنوب إفريقيا مع العنصرية والظلم استمرت ما يقارب 340 عاما إلا أن الكثيرين كانوا مستسلمين لذلك البؤس ويمارسون أسلوب العيش بطريقة الضحية، فلم يسجنوا ولم يناضلوا ولم ينالوا بالتالي تلك المكانة العالمية التي حازها مانديلا، لدرجة أنني قرأت منذ فترة خبرا لافتا في صحيفة "صنداي تايمز" مفاده أن مزايدا مجهولا دفع في مزاد خيري 27 ألف دولار لنيل شرف احتساء الشاي مع نيلسون مانديلا.
لم يفقد مانديلا يوما ثقته بالمستقبل حيث حصل على شهادة جامعية وحصل على الإفراج وهو في الواحدة والسبعين من العمر، حيث خرج من معتقله متوكئا على عصاه, ومع كل ذلك لم تخطر صورة الفشل والاستسلام على ذهنه ولو لمرة، حيث يقول في مذكراته "لم يدر في خلدي قط أنني لن أخرج من السجن يوماً من الأيام, وكنت أعلم أنه سيأتي اليوم الذي أسير فيه رجلاً حراً تحت أشعة الشمس والعشب تحت قدمي؛ فإنني أصلاً إنسان متفائل, وجزء من هذا التفاؤل أن يُبقى الإنسان جزءاً من رأسه في اتجاه الشمس وأن يحرك قدميه إلى الأمام. ومع أنه كانت هناك لحظات عديدة مظلمة لكنني لم أترك نفسي لليأس قط فقد كان ذلك يعني الهزيمة والموت".
لوضوح هدفه ولقوة اعتقاده بعدالة قضيته لم يفتّ السجن في همته على الرغم من قسوته لأنه يؤمن أن جسم الإنسان يتكيف مع أي ظروف قاسية, لكن المعتقدات الراسخة هي سر البقاء في ظروف الحرمان، وأن النجاح في التسلق إلى قمة جبل ما‏ يكشف للمرء المزيد من القمم التي مازالت في انتظاره كي يتسلقها.
لقد استمتعت كثيرا بالدروس القوية ذات التجربة الحقيقية التي تلقيتها في جزيرة روبين أنا ومئات الآلاف من السياح الذين يقصدونها يوميا على مدار العام، حيث زارها أكثر من نصف مليون سائح خلال العام الماضي للاطلاع على تجربة إنسان شجاع حي استحق بجدارة أن يسميه البعض عملاق القرنين‏‏ العشرين والحادي والعشرين‏ لأنه يبرهن على أن العالم جائع جدا للفعل وليس للقول.
ستظل ذكرى تلك الزيارة لجزيرة روبين جرسا قويا يدق دوما في ذهني مذكرا إياي بكلمات رائعة لمانديلا تقول: إننا نقتل أنفسنا عندما نضيق خياراتنا في الحياة.

استشارية برامج تمكين المرأة
[email protected]

الأكثر قراءة