جناية التغريب على التعريب
أعود للموضوع مرة أخرى, وهو وضع لغتنا العربية, على خلفية مصارعة كلامية لم تصل - ولله الحمد - إلى حد الملاكمة مع صديق عزيز ثار بيني وبينه جدل ساخن حول خلط حديثه الدارج دوما بكثير من الكلمات والجمل الإنجليزية فيما أطلق عليه لغة "عربلوجيه" أصف فيها لغة بعض ممن لم يأت من دراسته في الغرب إلا بلسان معوج, فقد هويته اللغوية أكثر مما جاء بعلم يفيد وينفع, وأطالبه على الدوام بأن يختار الحديث بلغته الأم العربية أواللغة الإنجليزية دون هذا الخلط في كلامه ما بين هذه وتلك.
بيت القصيد ليس هنا على أية حال, فمربط الفرس هو في تبرير هذا الصديق أن اعوجاج لسانه يعود لجهة عمله, وهو يعمل في واحدة من أكبر وأهم شركاتنا السعودية, ففي هذه الشركة اللغة المستخدمة هي اللغة الإنجليزية, فالمخاطبات الكتابية والاجتماعات تتم بهذه اللغة ولغتنا الأم مغيبة تماما وهو ما أثر في موظفيها حتى في لغة المخاطبة العادية خارج العمل, وهذا من جنايات التغريب على التعريب الذي ترتكبه بعض شركاتنا خاصة الكبرى حين تعتمد اللغة الإنجليزية في تسيير أعمالها, وكأن استخدام لغتنا العربية يقلل من قيمتها أو قاصرة بحيث لا يستطاع تحرير الخطابات أو إدارة حوارات ونقاشات الاجتماعات بها, والطامة الكبرى أن ذلك يحدث حتى بين موظفيها السعوديين.
موضوع اللغة, كما ذكرته آنفا وتناولته في مقال سابق بعنوان "لغتنا في خطر .. ولكنها لن تندثر", هو جانب من جوانب التغريب الذي هو جزء من غزو ثقافي بتنا نعانيه ونلمس آثاره الخطيرة في كل مناحي حياتنا العربية عموما وعلى هويتنا الوطنية خصوصا والذي سيقود إن استشري في أجيالنا الجديدة إلى التأثير حتى في هويتنا الدينية - لا سمح الله - وهذا ما نبه وحذر منه بيان مؤتمر مكة المكرمة الثامن في حج هذا العام والذي عقدته رابطة العالم الإسلامي بعنوان "الخطاب الإسلامي وإشكاليات العصر" والذي تضمن توصية بالغة الأهمية تقول "يرى المؤتمر أن العالم الإسلامي يواجه غزوا يستهدف هويته وثقافته واقتصاده باسم العلمانية والعولمة تارة والنظام العالمي الجديد تارة أخرى ...", ونفهم من ذلك - البيان صادر عن جمع من علماء ومفكرين يدركون معانية - أن المقصود الأهداف الضارة والسلبية من تلك التي أشار إليها, ولا يهدف كما أراد أن يفهمه البعض عن سوء نية إلى أنه جمود وتحجر, فالبيان فند ذلك مسبقا حينما طالب بتعاون وتكاتف وتضامن إسلامي لتقديم عالمية إسلامية عادلة ومتعاونة مع مختلف الأمم والشعوب.
ذلك الصديق وغيره كثر هم ضحية التغريب الذي عنيناه, فعندما تضعف أهم مكونات الهوية الوطنية وهي اللغة حتى يصبح المنتمي إليها غير قادر على التعبير بها في حديثه اليومي, فماذا نسمي ذلك .. ؟ ألا نسميه نجاحا لغزو ثقافي خارجي ..؟ وحين يحدث ذلك للغة كاللغة العربية التي إلى جانب كونها لغة حية وثرية ومتجددة هي أيضا لغة القرآن الكريم, ألا يكون ذلك التغريب الذي أصاب اللسان العربي أكبر من كونه غزوا ثقافيا ويصل إلى درجة المؤامرة الثقافية بهدف إضعاف الهوية لعزل الأجيال العربية القادمة عن مكوناتها الثقافية ومنها اللغة ..!
لا أستطيع فهم وتقبل مقولة أن علينا إن أردنا التقدم أن نبدأ بتهميش لغتنا العربية وإحلال اللغة الإنجليزية مكانها ليس فقط في التعليم الجامعي, بل في لغة التخاطب العادي كما هو جار الآن وحادث في نواحي حياتنا العربية من هذا التغريب حتى في الأسماء العامة كأسماء الأسواق والمنتجعات والذي هو جزء مهم من سيادة التغريب على التعريب, وتهميش لغتنا العربية كما هو شائع اليوم لن يحقق لنا تطورا حقيقيا وقويا لأن إقصاء لغتنا العربية عن التعليم العالي والاستخدام العام هو تفريغ لتطورنا من الهوية وأهم مكوناتها اللغة, فاليابان لم تلجأ إلى تغريب لغتها حين سعت بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية إلى بناء تطورها المدني والصناعي التقني, ولم تفعله كوريا الجنوبية حين قررت التحول إلى دولة صناعية, بل حافظتا على لغتيهما واعتمدتها لغة التعليم أولا, ومقارنة اللغة اليابانية والكورية بالعربية هو في صالح لغتنا, ناهيك عن كيف أحيا اليهود لغتهم العبرية الميتة ولم يفعلوا بها كما نفعل بلغتنا العربية اليوم, وهو ما يثبت أن اللغة ليست عائقاً أمام التطور, وأن التطور ليس مرتبطا باعتماد لغة أجنبية.
هذا لا يعني إهمال تعليم لغة باتت عالمية كاللغة الإنجليزية بل تعليمها مطلوب, ولكن على أساس أن تعلم لتكون لغة تواصل لا لغة تخاطب بدلا من لغتنا الأم, وأن تستخدم في الحاجة إليها لا أن تحل محل لغتنا العربية حتى في الأسماء العامة, وما تتعرض له لغتنا العربية اليوم من تغريب للسان العربي هو وقوع في براثن غزو ثقافي لن يكون قاصرا على تهميش لغتنا الأم, بل سيتعداه إلى غزو هويتينا الدينية والقومية وهو أخطر وأفدح, ولهذا فإني أطالب الغيورين على لغة القرآن بأن يسارعوا لتكوين جمعيات لحماية اللغة العربية من الذوبان في لغة أجنبية في كل بلد عربي كما طالب الشاعر صقر بن سلطان القاسمي بقوله:
أئمة اللغة الفصحى وقادتها ألا بدارا فإن الوقت من ذهب ردوا إلى لغة القرآن رونقها هيا إلى نصرها في جحفل لجب فلغتنا حري أن نغار عليها وندافع عنها كما يدافع غيرنا عن لغته من ألمان وفرنسيين وغيرهم, وأن نشيع حسنا بدلا من "أوكيه" ومرحبا عوضا عن "هاي وهالو" فلو كان ذلك سبيل التطور فما أسهله وأيسره.