بعد الاعتذار .. لماذا قال "باباهم" ما قال ..؟

قبل الدخول في صلب الموضوع أود الإشارة إلى الخطاب الذي وقعه 38 من العلماء المسلمين ووجهوه لبابا الفاتيكان بنديكتوس السادس عشر والذي تضمن تفنيداً علمياً وموضوعياً بلغة رصينة لكل مقولاته المثيرة عن الإسلام, وعبر عن حقيقة أن الإسلام دين يقوم على الحجة العقلية ويملك أدوات الحوار العقلاني بعكس ما وصفه به البابا.
الاعتذار الذي كرره البابا, بما يؤكد أخذه لردة فعل العالم الإسلامي مأخذ الجد, جعل من ذلك الخطاب خطوة إيجابية من باب قطع الطريق على الدوافع التي حدت بالبابا لأن يقول ما قال في حق الإسلام, وهي دوافع احتار كثر في تفسيرها وفهم إقدامه على تبني رأي استحضره من القرون الوسطى ونحن نعيش في الألفية الثالثة. والبابا ليس شخصية عادية بما يمثله كرأس الكنيسة المسيحية في العالم، والأهمية ليس فيما قاله بحد ذاته, فالإسلام وصف بما هو أشد إساءة خاصة بعد أحداث أيلول (سبتمبر) الشهيرة في الولايات المتحدة وصور منذ ذلك الوقت بأنه دين "إرهاب", ولكن الأهمية هي في القائل بحكم موقعة الديني الرفيع والمهم في الديانة المسيحية وليس فيما قال, وهنالك جانب غريب فيما صدر عن البابا نحو الإسلام, فالمعروف أن رجل الدين في المسيحية ليس من اختصاصه ولا من مهامه الخوض في الشؤون الدنيوية ومنها السياسية وإبداء رأي فيها. وإذا تطرق بحكم موقعه الديني لبعض الإحداث السياسية, كما يحدث في فلسطين والعراق أو كما حدث في لبنان, فإن تناوله يكون من خلال عظة تدعو للسلام والمحبة ونبذ العنف دون الخوض في الحدث السياسي مباشرة. وحديث البابا ذاك عن الإسلام وبما وصفه به لا يدخل في هذا الباب, ولكنه مس جوهر الإسلام وعقيدته بوصفه له بعدم العقل واعتماد انتشاره على السيف, وهذا كلام سياسي بحت وليس غير ذلك, وبذلك يكون البابا قد خرج على التقليد المسيحي فيما قاله صراحة ومباشرة, فلماذا فعل ذلك!!؟
في تصوري أن ما صدر عنه ليس بعيدا عن أجواء الحرب على الإسلام ضمن استراتيجية الحرب على الإرهاب التي يقودها المحافظون الجدد المتحالفون مع تيار المسيحية الصهيونية في الولايات المتحدة, فقد بات واضحا أن هؤلاء استغلوا أحداث واشنطون ونيويورك - والتي باتت تثار الشكوك حول كيفية حدوثها كما برز أخيرا في أراء بدأت تشير إلى احتمالات أخرى غير التي قيلت ومازالت تقال - استغلوها في شن حرب دعائية وإعلامية لوصم كل ما هو إسلامي بالإرهاب. ولم يعد خافيا على أحد أن ربط الإسلام بالإرهاب هو جوهر هذه الحرب المعلنة ضد الإسلام كعقيدة وليس محاربة الإرهاب كإرهاب سواء كان إسلامي أو غير إسلامي, والدليل أن هذه الحرب تعدت حدود المنطق والمعقول حين يوصف دين بأكمله بأنه يرتكز على الإرهاب بهذا الشكل دون أن يكون هناك تمييز بين جوهره وخطأ فهم البعض له ممن يوصفون بالأصوليين المتزمتين. وهذا الشمول بوصم الإسلام بالإرهاب له أبعاد خفيه في هذه الحرب, وهو ما يدفع للظن بأن ما قاله البابا ليس بعيدا عن هذه الأبعاد الخفية, فالعقيدة الدينية التي يؤمن بها المحافظون الجدد وتيار المسيحية الصهيونية والتي لها ارتباطات وثيقة بأساطير صهيونية حول شروط عودة السيد المسيح عليه السلام كما هي معروفة روجت لفكرة أن السيد المسيح عليه السلام لن يعود إلا بعد إقامة الدولة اليهودية النقية في فلسطين. والصهيونية كما نعلم تطبق النظرية الميكافيلية ببراعة وذكاء خبيث لا نظير له على الإطلاق, ولهذا اخترعت فكرة شرط عودة السيد المسيح عليه السلام بقيام الدولة اليهودية الخالصة لتحقيق حلم دولة إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل. ولهذا الغرض سعت لتوظيف البعد الديني المسيحي في العالم الغربي بصفة خاصة بقواه الكبرى وخصوصا في الولايات المتحدة من خلال إيجاد رابط بين المسيحية واليهودية عبر ما يسمى بالمسيحية الصهيونية والتي ظهرت علنا في ذلك المؤتمر الذي عقد في القدس عام 1988م تحت عنوان (المؤتمر المسيحي الصهيوني العالمي) ومن ذلك المؤتمر أصدرت (هيئة السفارة المسيحية), وهي هيئة غير كنسية مقرها في أورشليم وتتبنى الآراء المتطرفة مثل اعتبارها قيام دولة إسرائيل علامة بارزة لعودة السيد المسيح عليه السلام وهي على خلاف شديد مع الكنائس العربية, أصدرت كتيبا بعنوان (الأسس الكتابية للصهيونية المسيحية), وللحقيقة فقط فإن هذا المؤتمر رفض من كل رؤوس الكنائس المسيحية والهيئات الإنجيلية في الشرق الأوسط ولم يتبنه إلا بعض الإنجيليين الغربيين وعلي الأخص الأمريكيين منهم.
من هذه الخلفية يمكن استنباط تفسير محتمل لدوافع بابا الفاتيكان لقول ما قاله عن الإسلام وفي هذا الوقت بالذات الذي تشتد فيه الحرب على الإسلام تحت ستار محاربة الإرهاب, وهو بأنه بداية لانخراط الفاتيكان في عهد هذا البابا في هذه الحرب وأن الإنجيليين الأمريكيين ذوي النفوذ القوي في الولايات المتحدة نجحوا في مسعى توظيف البابا في هذه الحملة, واستخدام المكانة الدينية للفاتيكان لحشد العواطف الدينية المسيحية في الغرب والعالم للمشاركة في هذه الحرب ضد الإسلام بغرض تحويل نظرية صراع الحضارات إلى صراع أديان ليس لغرض محاربة الإرهاب بقدر ما هو لتشويه الإسلام ومحاصرة لانتشاره لكونه يمثل خطرا ليس على الحضارة الغربية كما يدعون بل لهذه الأفكار الصهيومسيحية, وارتباط المحافظين الجدد في واشنطن وغيرها والذين يقودون هذه الحملة بشكل واسع وتحت غطاء سياسي بالصهيونية عبر تحالفهم مع المسيحية الصهيونية. يمكن الاستنتاج بأن دوافع البابا هي استقصاد الإسلام في صلب عقيدته كونه يمثل العقبة الأكبر للمطامع الصهيونية في فلسطين وعلى أساطيرها المكذوبة حول شروط عودة السيد المسيح عليه السلام, مما قد يوحى بأن كلام البابا غير المسبوق من مثله عن أي ديانة وخاصة الإسلام ما هو إلا محاولة لجر الفاتيكان للانخراط في هذه الحرب "المقدسة" واستخدام مكانته الدينية وتوظيفها صهيونيا كما تم مع قطاع من المسيحيين الإنجيليين, والسؤال الآن: هل اعتذار البابا للمسلمين يعتبر تراجعا وصحوة من مؤامرة صهيومسيحية تريد توظيف البعد الديني المسيحي لخدمة المخططات الصهيونية..؟ وهل هو تراجع تقية أم تراجع حقيقي بعد إدراك منه للأبعاد الخطيرة لهذا التوجه؟ نأمل أن يكون كذلك.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي