تدرس شركة "فولكسفاجن" تصنيع أول شاحنة "بيك أب" لها في الولايات المتحدة منذ 40 عاماً، بينما تعد شركة "نيسان" بطرح سيارات دفع رباعي أكثر قوة ومتانة، وتسارع شركات السيارات في مدينة ديترويت لإبقاء هوامش ربحها مرتفعة في السوق الأمريكية.
تخوض شركات السيارات العالمية سباقاً محموماً نحو السوق الأمريكية، التي أصبحت المحرك الرئيسي والأخير لربحيتها الرقمية والتصنيعية. وفي وقت تتراجع فيه المبيعات وتتفاقم أزمة الفائض الإنتاجي في الأسواق الكبرى الأخرى مثل الصين وأوروبا، تسارع الشركات من مختلف القارات لإعادة توجيه استثماراتها نحو المستهلك الأمريكي.
يعود هذا التركيز المكثف إلى الإقبال الاستثنائي للأمريكيين على الشاحنات الصغيرة "بيك أب" والسيارات الرياضية متعددة الاستخدامات (SUVs) الكبيرة، وهي فئات تتميز بهوامش أرباح عالية جداً. ويزيد من إغراء هذه السوق استعداد المستهلكين لدفع أسعار قياسية بلغت في المتوسط نحو 50 ألف دولار للسيارة الجديدة، في حين يلتزم نحو 20% من المشتريين بأقساط شهرية تتجاوز ألف دولار.
وفقا لصحيفة "وول ستريت جورنال"، تتضافر عدة عوامل جعلت الولايات المتحدة الملجأ الأول لصناع السيارات، وأبرزها انكماش الأسواق المنافسة. شهدت المبيعات في الصين تراجعاً يزيد على 20% خلال تسعة أشهر، ما أسفر عن أزمة فائض ضخم في الطاقة الإنتاجية. في حين تعاني أسواق أخرى مثل أوروبا والشرق الأوسط واليابان تباطؤا.
علاوة على ذلك، أسهم إلغاء إدارة ترمب القيود البيئية الصارمة وانبعاثات الوقود في تقليل الضغوط على الشركات لإنتاج سيارات كهربائية ذات خسائر عالية. وحمت الرسوم الجمركية المرتفعة وحظر التكنولوجيا السوق الأمريكية من تدفق السيارات الصينية الرخيصة المزودة بأحدث التكنولوجيا.
وفي حدث أقيم أخيرا، أوضح خوسيه مونيوز، الرئيس التنفيذي لشركة "هيونداي"، توجه الشركة قائلاً: "أولوياتي الثلاث الأولى هي: الولايات المتحدة الأمريكية"، مفسراً سبب تخصيص عديد من طرازات الشركة الكورية الجنوبية الجديدة لتناسب السائقين الأمريكيين.
من جانبه، صرح بول جاكوبسون، المدير المالي لشركة "جنرال موتورز": "الولايات المتحدة سوق السيارات الأكثر ربحية في العالم". ورغم ذلك، عبر جاكوبسون عن قلقه من أن تتسبب الطاقة الإنتاجية الجديدة في مشكلات تتعلق بمصانع غير مستغلة بالكامل إذا تراجع الطلب، مشدداً على ضرورة ضبط التكاليف وعدم الانجرار وراء زيادة الطاقة الإنتاجية.
في إطار هذا التنافس المحتدم، تقود "تويوتا" استثمارات ضخمة بلغت 3.6 مليار دولار لبناء مصنع جديد لنقل إنتاج طراز "تاكوما" إلى الولايات المتحدة ضمن خطة استثمارية تصل إلى 10 مليارات دولار. وأعلنت "أودي"، التابعة لـ "فولكسفاجن"، عن إنشاء مصنع بقيمة 4 مليارات دولار في جورجيا لتصنيع سيارات فاخرة، حيث صرح رئيسها التنفيذي جيرنوت دولنر: "الولايات المتحدة هي ثاني أكبر سوق للسيارات الفاخرة في العالم، وحاليا لا نستغل هذه الإمكانيات بالكامل"، علماً بأن الصين لا تزال أكبر سوق للسيارات الفاخرة عالمياً، رغم تراجع المبيعات فيها.
كما تسعى "نيسان" لإعادة إطلاق طراز "إكستيرا" وتسريع النسخ الهجينة من سياراتها لرفع حصتها السوقية إلى 7%، وهو ما يعني زيادة في المبيعات تتجاوز 160 ألف سيارة. يقول بونز بانديكوثيرا، رئيس قطاع المنتجات في "نيسان" في أمريكا الشمالية: "نرى ضرورة الاستعجال؛ فالنجاح وتحقيق الربحية في الولايات المتحدة شأن مهم لنا".
أمام هذا الهجوم، وجدت شركات مدينة ديترويت نفسها في موقف دفاعي لحماية حصصها. وتخطط "جنرال موتورز" لإطلاق نسخ هجينة من طرازاتها الفاخرة مثل "شيفروليه إيكوينوكس" وسيارات "SUV". بينما تسعى "فورد" لطرح طرازات كهربائية وهجينة منافسة. وتطالب الشركة الإدارة الأمريكية بمراجعة الرسوم الجمركية الممنوحة لبعض المنافسين الآسيويين، حيث كشف مديرها التنفيذي جيم فارلي عن تطلعه لزيادة مبيعات الشركة العالمية بنسبة 20% بحلول أواخر العقد.
رغم أن هذا الزخم يقدم خيارات أوسع للمستهلكين ويوفر آلاف الوظائف، إلا أنه لا يخلو من المخاطر. يقدر سام فيوراني، نائب رئيس شركة "أوتو فوركاست سلوشنز" للأبحاث، أن المصانع الجديدة ستضيف طاقة إنتاجية تصنع أكثر من مليون سيارة إضافية سنوياً بحلول عام 2030.
ومما يزيد من تعقيد المشهد تمسك الأمريكيين بسياراتهم فترات أطول، إذ وصل متوسط عمر السيارات على الطرق الأمريكية إلى رقم قياسي يبلغ نحو 13 عاماً.

