على مدى أكثر من تسعة عقود، صنعت المملكة العربية السعودية واحدة من أعظم قصص النجاح في تاريخ صناعة البترول العالمية. فمنذ اكتشاف النفط بكميات تجارية 1938، تحولت من دولة تمتلك ثروة بترولية هائلة إلى قوة عالمية تمتلك المعرفة والخبرة والتقنية والقدرة على إدارة أعقد العمليات البترولية في العالم.
واليوم، وبعد كل هذه العقود، يبرز سؤال استراتيجي مهم: ألم يحن الوقت لتمكين القطاع الخاص السعودي من تأسيس شركات بترول وطنية كبرى، قادرة على المنافسة عالمياً، والاستفادة من الإرث التاريخي والخبرات البشرية والتقنية التي تراكمت في السعودية؟
لقد نجحت أرامكو السعودية في بناء مدرسة عالمية متكاملة لصناعة البترول، تخرج منها آلاف المهندسين والجيولوجيين والجيوفيزيائيين وخبراء الحفر والإنتاج والمكامن والتكرير والبتروكيماويات وإدارة المشاريع. كما أسهمت الجامعات السعودية، وفي مقدمتها جامعة الملك فهد للبترول والمعادن وجامعة الملك سعود، في إعداد أجيال من المتخصصين الذين أصبحوا اليوم يمتلكون خبرات تضاهي ما لدى كبرى الشركات العالمية.
ولم تعد هذه الخبرات مقتصرة على أرامكو، بل أصبحت ثروة وطنية موزعة بين الشركات والجامعات ومراكز الأبحاث والمؤسسات الاستشارية، فضلاً عن آلاف الخبراء السعوديين المتقاعدين الذين يمتلكون معرفة تراكمية هائلة يمكن تحويلها إلى قوة اقتصادية منتجة.
إن السعودية لا تفتقر اليوم إلى الخبرات اللازمة لبناء شركات بترول عالمية، وإنما تحتاج إلى إطار استثماري وتنظيمي يتيح تحويل هذه الخبرات إلى شركات وطنية منافسة. ولنا في التجارب الدولية أمثلة واضحة؛ فالولايات المتحدة تحتضن شركات عملاقة مثل إكسون موبيل وشيفرون وكونوكو فيليبس، إلى جانب مئات الشركات المستقلة المتخصصة في الاستكشاف والإنتاج والخدمات البترولية. وفي النرويج، نشأت إلى جانب إكوينور شركات مستقلة استطاعت بناء قدرات تنافسية محلية ودولية. كما نجحت شركات بترول مستقلة في كندا وبريطانيا وغيرها في التوسع خارج حدودها والاستثمار في حقول النفط والغاز حول العالم.
ولماذا لا تنشأ في السعودية عشرات الشركات البترولية الخاصة، تبدأ بعضها بالاستكشاف والإنتاج خارج السعودية، وتتخصص أخرى في تطوير الحقول الناضجة، وإدارة المكامن، والحفر، والخدمات الهندسية والتقنية، ثم تتطور تدريجياً إلى شركات متكاملة تمتلك أصولاً بترولية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية؟
إن تأسيس هذه الشركات لا يعني منافسة أرامكو داخل السعودية أو المساس بدورها الاستراتيجي، بل يعني توسيع الحضور السعودي في صناعة البترول العالمية، وتحويل المعرفة السعودية إلى صادرات من الخدمات والتقنيات والاستثمارات. ويمكن أن تصبح أرامكو نفسها شريكاً استراتيجياً لهذه الشركات، من خلال نقل المعرفة وتطوير الموردين والاستثمار المشترك وفق أسس تجارية واضحة.
والأهم أن السعودية تستطيع تطوير منظومة متكاملة لتمكين هذه الصناعة، تبدأ بإتاحة تأسيس شركات سعودية متخصصة في الاستكشاف والإنتاج والاستثمار البترولي الدولي، وتسهيل حصولها على التمويل، ودعم دخولها الأسواق الخارجية، وفتح المجال أمامها للمشاركة في فرص استثمارية داخل السعودية متى سمحت الأنظمة والسياسات السيادية بذلك.
ويمكن لصندوق الاستثمارات العامة والمؤسسات التمويلية والمستثمرين من القطاع الخاص المساهمة في إنشاء صناديق استثمار متخصصة لتمويل الاستحواذ على الحقول البترولية والغازية خارج المملكة، وتطويرها وإدارتها بخبرات سعودية. كما يمكن الاستفادة من أدوات التمويل الحديثة، بما فيها ترميز الأصول والحقوق الاستثمارية ضمن الأطر التنظيمية المعتمدة، لتوسيع قاعدة المستثمرين وتمويل المشاريع الكبرى.
ولنتصور أن السعودية استطاعت خلال السنوات العشر المقبلة بناء عشر شركات بترول سعودية مستقلة، تمتلك كل منها أصولاً وعمليات إنتاجية في عدة دول، وتستقطب آلاف المهندسين والفنيين السعوديين، وتحقق إيرادات بمليارات الدولارات من الأسواق العالمية. ألن يكون ذلك امتداداً طبيعياً للنجاح التاريخي الذي حققته المملكة في صناعة البترول؟
إن العائد لن يقتصر على الأرباح المالية، بل سيمتد إلى خلق وظائف نوعية، وتصدير الخدمات الهندسية والتقنية، وتعزيز الحضور الاقتصادي السعودي عالمياً، وفتح أسواق جديدة للشركات الصناعية والخدمية الوطنية، وبناء جيل جديد من رجال الأعمال السعوديين المتخصصين في صناعة الطاقة.
وقد أثبت السعوديون قدرتهم على إدارة أكبر شركة بترول متكاملة في العالم، وتشغيل منشآت إنتاجية وصناعية بالغة التعقيد، وتنفيذ مشاريع بمليارات الدولارات، والمحافظة على موثوقية الإمدادات لعقود طويلة. ومن الطبيعي أن تتحول هذه الخبرات إلى قاعدة تنطلق منها شركات سعودية جديدة نحو العالم.
إن الإرث البترولي السعودي ليس مجرد احتياطيات ضخمة تحت الأرض، بل هو أيضاً ثروة من العقول والخبرات والمعرفة فوق الأرض. وإذا كانت الأجيال السابقة قد نجحت في بناء صناعة بترولية عالمية داخل السعودية، فإن مسؤولية الجيل الحالي هي تحويل هذا النجاح إلى صناعة سعودية عابرة للحدود.
لقد حان الوقت للانتقال من مفهوم السعودية بوصفها موطناً لأكبر شركة بترول في العالم، إلى مفهوم السعودية بوصفها موطناً لأكبر تجمع من الشركات والخبرات والاستثمارات البترولية في العالم.
وهذه ليست مجرد فرصة استثمارية، بل مشروع اقتصادي واستراتيجي يتكامل مع رؤية السعودية 2030، ويعزز مكانة السعودية في اقتصاد الطاقة العالمي لعقود مقبلة. فكما صدّرت السعودية البترول إلى العالم طوال تسعة عقود، فقد آن الأوان لأن تصدّر أيضاً شركاتها البترولية وخبراتها وتقنياتها واستثماراتها إلى العالم.
أستاذ هندسة البترول المشارك سابقاً ـ جامعة الملك سعود - مستشار دولي في شؤون الطاقة
