منذ 3 عقود، تستهدف البنوك المركزية الكبرى تضخمًا بنسبة 2%، وتستخدم لتحقيق ذلك أدوات مثل أسعار الفائدة وعرض النقود ونسبة الاحتياطي الإلزامي التي تحد من إقراض البنوك. مرت السنوات ونجحت البنوك تارة وفشلت أخرى، ولكن الثابت هو أن الخط الأساسي للسياسة النقدية تمثل في إرساء استقرار الأسعار عند النسبة المستهدفة.
وفي ظل أوضاع مالية واقتصادية مستقرة يبدو الوضع مثالي لصانع السياسات، حيث يوازن بين الطلب والعرض في أسواق السلع والاقتراض ويعطي الاقتصاد هامش أمان ضد الانكماش، ومتنفس للنمو عن طريق السماح للأسعار بالارتفاع بمعدلات تناسب النمو السكاني وتكاليف الإنتاج.
ولكن في ظل بيئة مضطربة تنتج تضخما في العرض والتكلفة في ظل قفزة أسعار الطاقة والغذاء وصدمات الشحن يصبح مستهدف التضخم صعب المنال، والتدخلات النقدية تربك الأنشطة الاقتصادية أكثر من محاصرة التضخم.
فالضغوط على البنوك المركزية من المستثمرين والأسواق لتحقيقه عبر رفع أسعار الفائدة يكبل الاقتصاد سواء عبر رفع تكاليف الاقتراض على الشركات وبطاقات الائتمان والرهن العقاري، أو عبر امتصاص الدين الحكومي للمدخرات والسيولة في الأسواق، ما يصنع صدمة على جانبي الإنفاق والاستهلاك، بجانب الإسهام في تعميق عجز الموازنة الحكومية وتكلفة فوائد الدين.
بالتالي فالتحرك لرفع مستهدف التضخم من المستويات الحالية إلى 3% سيعطي مزيدا من الأريحية والمرونة للتعامل مع الأسواق على المدى القصير والمتوسط. فالبنوك المركزية لن تكون في استعجال من أمرها للتحرك بشراسة لرفع أسعار الفائدة بمستويات قوية خصوصاً مع اقتراب مستويات التضخم الحالي من المستهدف الجديد في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو واليابان، ما يسهم في تخفيف العبء عن الأنشطة الاقتصادية التي تعاني صدمة مركبة نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج والفائدة. كما سيمنح لأسواق الاستهلاك حيزا ماليا ينعش الإنفاق في قطاعات متنوعة مثل العقارات والتجزئة.
فمنذ عقود لم يتعامل الاقتصاد مع حالة عدم اليقين الشاملة المحفزة للتضخم التي يعيشها الآن، من التوترات الجيوسياسية في مراكز إنتاج الطاقة والغذاء والسلع الأولية في الشرق الأوسط وروسيا وأوكرانيا، أو اتساع الحمائية التجارية وفرض الرسوم الجمركية، وصولاً إلى تعطل ممرات مائية حيوية وقفزة تكاليف الشحن. هذه الأوضاع تفرض على البنوك المركزية وضعا غير مسبوق لا تستطيع وحدها التعامل مع تداعياته.
فأهمية التضخم لا تنسينا أن من أهم وظائف السياسة النقدية تنشيط أسواق العمل وتحفيز الاقتصاد، بالتالي تكبيل المجتمع بمستهدف تضخم غير قابل للتحقيق حالياً وبناء السيناريوهات النقدية على أساسه سيؤدي إلى أزمة مزدوجة تنهك الاقتصاد الحقيقي ولا تعالج الأسعار.
وعلى جانب السياسة المالية، رفع مستهدف التضخم يزيل جزءا من الضغوط سواء على الاقتراض وتكلفة الدين أو قيود الإنفاق. فقد باتت الحكومات في الاقتصادات المتقدمة واقعة تحت ضغوطات هائلة في أسواق السندات في ظل ارتفاع العوائد وارتفاع فجوات الثقة بشأن القدرة على معالجة الخلل المالي والوفاء بالالتزامات، وكما ذكرنا فإن رفع مستهدفات التضخم سيهدئ من تحركات البنوك المركزية للتشديد النقدي.
وستمنح التحركات الجديدة الحكومات قدرا من المرونة في التعافي الاقتصادي سواء عن طريق الإنفاق المباشر على قطاعات حيوية مثل الدفاع والتكنولوجيا والطاقة، أو دعم المستهلكين والشركات في مواجهة التكاليف الطارئة.
في الختام فقد بات من الصعب التعامل مع تحديات وقتنا الحالي بسياسات التسعينيات من القرن الماضي. فبنية الاقتصاد ومحركاته وخريطة شراكاته وتحالفاته وهيكل أسواقه وتوتراته التجارية والجيوسياسية والاجتماعية تفرض ضرورة التحرك وبناء هيكل سياسات جديد يلائم التطورات.
والواقع أن مستهدف تضخم 2% في حالة غير مسبوقة من عدم اليقين وفقدان الثقة لا يعالج أولويات الأسواق، فالمستهلك قادر على تحمل مستويات أسعار تتجاوز المستهدف، ولكن لا يتحمل انكماش في أسواق العمل، والشركات تستطيع تحمل تكاليف أعلى نسبياً ولكنها تظل عاجزة عن معالجة ضعف الطلب، والحكومات لديها المرونة على امتصاص صدمات سعرية، ولكن تفقدها في حالة تآكل الإيرادات وتفاقم الالتزامات المالية.
مستشارة اقتصادية
