الأربعاء, 4 نوفمبر 2026|23 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

لم تعد الأرباح والإيرادات وحدها تحدد قيمة الأندية الرياضية في أعين المستثمرين.

فقد تدفع الجماهيرية والحقوق التجارية وندرة فرص الاستحواذ قيمة النادي إلى مستويات تتجاوز ما تعكسه قوائمه المالية.

وتثير هذه المعادلة تساؤلًا حول الأسس التي يعتمد عليها المستثمرون في تقييم الأندية، ومدى تأثير العلامات التجارية وحقوق البث وملكية الملاعب في تحديد أسعارها، بعيدًا عن نتائجها المالية الحالية.

وأعاد المجلس الدولي لمعايير التقييم (IVSC) طرح هذه الإشكالية خلال جلسة متخصصة عقدها في 2 نوفمبر 2026، ناقشت ارتفاع أسعار الأصول الرياضية والعوامل التي يصعب قياسها بالتدفقات النقدية وحدها.

وتتضح أبعاد هذه المعادلة في تقديرات شركة «براند فاينانس»، التي وضعت القيمة الاستثمارية لأكبر 50 ناديًا لكرة القدم عند 79.7 مليار يورو خلال 2026، مقابل 23.9 مليار يورو لقيمة علاماتها التجارية.

ويكشف الفارق بين الرقمين عن أن تقييم الأندية لا يقتصر على اسم النادي أو إيراداته، بل يشمل أصوله وحقوقه التجارية وقدرته على توليد عوائد مستقبلية.

اقرأ أيضا: صفقات الاستثمار الرياضي تقفز 284%.. والسوق تتجاوز 600 مليار دولار

لماذا تتجاوز الأسعار الأرباح؟

تختلف الأندية الرياضية عن الشركات التقليدية في طبيعة أصولها ومصادر قيمتها.

فالنادي يمتلك قاعدة جماهيرية وتاريخًا رياضيًا وحقوقًا تجارية يصعب تكرارها.

وتشكل ندرة الأصول الرياضية وقوة العلامات التجارية وتفاعل الجماهير عوامل قد ترفع أسعار الأندية، إلى جانب التدفقات النقدية المتوقعة.

لذلك، لا يعتمد تقييم الأندية على نتائجها المالية الحالية وحدها، بل يشمل قدرتها على تحقيق إيرادات مستقبلية واستقطاب الرعاة وتوسيع حضورها التجاري.

لكن ارتفاع الأسعار يضع المستثمرين أمام تحدٍ رئيسي، يتمثل في التمييز بين القيمة الاقتصادية للأصل والسعر الذي يرغب المشترون في دفعه.

وتزداد صعوبة تقييم الأندية عندما تكون فرص الاستحواذ محدودة، أو تختلف حقوق الملكية من نادٍ إلى آخر.

حقوق البث والرعاية توفر تدفقات نقدية تدعم التقييمات المستقبلية للأندية.
حقوق البث والرعاية توفر تدفقات نقدية تدعم التقييمات المستقبلية للأندية.
نقل وذات الأذنين

جاكلين جارنر.. غياب الصفقات يعقد التقييم

سلطت جاكلين جارنر، المتخصصة في التمويل الرياضي بمعهد جورجيا للتقنية، الضوء على تحديات تقييم الأصول الرياضية خلال جلسة المجلس الدولي.

وأوضحت أن برامج كرة القدم الجامعية الأمريكية الكبرى تحقق إيرادات تضاهي شركات متوسطة الحجم، رغم غياب صفقات بيع سابقة يمكن استخدامها للمقارنة.

وبالتالي، يفتقر المقيمون إلى معاملات مرجعية تساعدهم على تحديد الأسعار أو بناء مقارنات مالية مباشرة.

وتبرز هذه الإشكالية أهمية الصفقات المرجعية في تقييم الأندية والأصول الرياضية، مع ضرورة مراعاة اختلاف طبيعة الملكية والحقوق التجارية.

ففي الأسواق التقليدية، تساعد صفقات الاستحواذ السابقة على تحديد مضاعفات التقييم. أما في الرياضة، فقد يصعب العثور على أصول متشابهة تسمح بمقارنة دقيقة.

قوة الحضور الجماهيري تعزز القيمة التجارية للأندية
قوة الحضور الجماهيري تعزز القيمة التجارية للأندية
كامب نو

ريتشارد هيج.. العلامة التجارية تصنع الفارق

يرى ريتشارد هيج، المدير الإداري العالمي لشركة «براند فاينانس»، أن تقييم الأندية لا يعتمد على الإيرادات وحدها.

وأوضح في تحليل نشره خلال أغسطس 2026 أن قوة العلامة التجارية والجماهير وقيمة اللاعبين وملكية الملاعب تؤثر في القيمة الاستثمارية.

وتعتمد الشركة على مضاعفات قيمة المنشأة إلى الإيرادات، مع تعديلها وفق الخصائص التجارية والرياضية لكل نادٍ.

وبذلك، قد تحصل أندية متقاربة في الإيرادات على تقييمات مختلفة، نتيجة تفاوت فرص النمو والانتشار الدولي.

كما أشار هيج إلى أهمية حرية المالك في اتخاذ القرارات، مستشهدًا بنادي بوروسيا دورتموند، حيث تؤثر قاعدة الملكية الألمانية «50+1» في حدود سيطرة المستثمرين الخارجيين.

ويعني ذلك أن تقييم الأندية يرتبط أيضًا بالحقوق التي يحصل عليها المستثمر، وليس بحجم النشاط الاقتصادي وحده.

الملاعب الحديثة والأصول التجارية تعزز القيمة الاستثمارية للأندية.
الملاعب الحديثة والأصول التجارية تعزز القيمة الاستثمارية للأندية.
برنابيو

ريال مدريد يتصدر بـ8.1 مليار يورو

تقدم تقديرات «براند فاينانس» مثالًا على الفارق بين الإيرادات والقيمة الاستثمارية للأندية.

فقد قدرت الشركة قيمة منشأة ريال مدريد بنحو 8.1 مليار يورو في أغسطس 2026، مقابل 6.7 مليار يورو لبرشلونة.

وتجاوزت القيمة المقدرة لكل من ليفربول وبايرن ميونيخ وأرسنال وباريس سان جيرمان 5 مليارات يورو.

ولا تمثل هذه الأرقام أسعار بيع فعلية، بل تقديرات مالية تراعي الأصول والحقوق وفرص النمو، وفق منهجية الشركة.

وفي المقابل، بلغت قيمة العلامة التجارية لريال مدريد 2.4 مليار يورو، مقابل ملياري يورو لبرشلونة.

ويكشف ذلك عن اختلاف المؤشرين؛ فقيمة المنشأة تشمل النشاط الاقتصادي للنادي، بينما تقيس قيمة العلامة التجارية المنافع المرتبطة باسمه وسمعته.

ومن هنا، فإن تقييم الأندية يتطلب الفصل بين قيمة العلامة التجارية والقيمة الاستثمارية الكاملة.

تنوع استخدامات الملاعب يعزز إيرادات الأندية وقيمتها الاستثماري.
تنوع استخدامات الملاعب يعزز إيرادات الأندية وقيمتها الاستثماري.
توتنهام

حقوق البث والجماهير ترفع القيمة

تشكل حقوق البث والرعاية مصادر رئيسية للتدفقات النقدية، لكنها تؤثر أيضًا في توقعات النمو المستقبلية.

فالعقود طويلة الأجل قد تمنح الأندية إيرادات أكثر استقرارًا، بينما تتيح الجماهير العالمية فرصًا لتوسيع الرعاية ومبيعات المنتجات.

كذلك، توفر الملاعب المملوكة مصادر دخل إضافية، تشمل الضيافة والفعاليات والأنشطة التجارية خارج أيام المباريات.

وطرح المجلس الدولي لمعايير التقييم ضمن محاور جلسته مصادر دخل ناشئة، بينها الاستفادة التجارية من بيانات الجماهير وأسواق المراهنات الرياضية.

غير أن هذه الفرص لا تتحول تلقائيًا إلى قيمة مؤكدة. إذ يجب احتساب تكاليف الاستثمار والمخاطر التنظيمية واحتمالات تحقيق العوائد.

لذلك، يعتمد تقييم الأندية على تقديرات مالية مستقبلية، إلى جانب قدرتها الفعلية على تحويل أصولها إلى إيرادات مستدامة.

اقرأ أيضا:  خصخصة الأندية السعودية في ميزان التقييم .. ماذا يريد المستثمرون؟

الهلال يتصدر العلامات السعودية

تكتسب معايير تقييم الأندية أهمية خاصة في السعودية، مع توسع مشاركة القطاع الخاص في ملكية الأندية وتطوير أنشطتها التجارية.

ووفق تقرير «براند فاينانس» الصادر في سبتمبر 2026، تصدر الهلال العلامات التجارية لأندية كرة القدم في الشرق الأوسط، بمؤشر قوة بلغ 80.4 نقطة من 100.

وجاء النصر ثانيًا بين الأندية السعودية بـ79.8 نقطة، يليه الأهلي بـ75.5 نقطة، ثم الاتحاد بـ70.9 نقطة.

لكن الشركة لم تنشر قيمًا مالية للعلامات التجارية للأندية السعودية المشمولة بالدراسة، بسبب عدم توافر بيانات مالية عامة كافية لإجراء تقييم موثوق.

ويبرز ذلك أهمية الإفصاح المالي في تقييم الأندية، خصوصًا عند التفاوض على حصص الملكية أو دخول مستثمرين جدد.

كما يؤكد ضرورة التمييز بين قوة العلامة التجارية والقيمة المالية للنادي، إذ لا تعني الصدارة في المؤشر امتلاك أعلى قيمة استثمارية بالضرورة.

وفي المحصلة، لا يقتصر تقييم الأندية على ما تحققه اليوم من إيرادات وأرباح، بل يمتد إلى ما تستطيع تحقيقه مستقبلًا.

فالقيمة الاستثمارية تتحدد بقدرة النادي على تحويل جماهيريته وأصوله وحقوقه التجارية إلى عوائد مستدامة، وليس بمجرد امتلاكه اسمًا مشهورًا أو تاريخًا رياضيًا طويلًا.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية