النمو .. النمو بأي ثمن

"أتوقع انخفاض التضخم في 80 % من اقتصادات العالم خلال 2024" جانيت يلين، وزيرة الخزانة الأمريكية

 

في "المعركة" التي لا تزال تدور على الساحة الاقتصادية العالمية مع التضخم وتداعياته، يظهر الخوف على "جبهة" النمو مع ظهور مؤشرات واقعية على أنه سيحصل بالتأكيد في العام الجاري، لكن ليس كما يأمل المشرعون حول العالم. النمو سيكون منخفضا في الفترة التي يمكن وصفها بـ"انتقالية" ما بين أعباء جائحة "كورونا"، وضغوطات ارتفاع أسعار المستهلكين، ووصول أسعار الفائدة إلى مستويات عالية للغاية، ناهيك عن الصراعات السياسية هنا وهناك بفعل الحالة الاقتصادية عموما. الآمال باتت معلقة بأي مستوى من النمو في 2024، ولا سيما في ظل توجهات لخفض تكاليف الاقتراض قبل نهاية هذا العام، ما يمنح تلقائيا مسار النمو قوة دفع يحتاج إليها بشدة الآن. هناك اقتصادات متقدمة باتت تتمنى هبوطا ناعما، فكيف الحال لو تحقق أي شكل من أشكال النمو بدلا عن هذا الهبوط؟
الأعوام الأربعة الماضية غيرت بصورة أو بأخرى المشهد العام لمحركات النمو. فالاقتصادات التي كانت تتصدر قائمة هذه المحركات (مثل الصين والهند)، لن تتمكن من تحقيق زيادة في ناتجها المحلي الإجمالي تقترب من المستوى المرتفع السابق. إنها (كغيرها من الاقتصادات) لا تزال مكبلة بأعباء الأعوام القليلة الماضية. ومن المفارقات، بات الاقتصاد الأمريكي المحرك الرئيس للنمو العالمي في ظل أداء جيد بالفعل، وعبر سلسلة من القفزات النوعية، على الرغم من أن المشرعين الأمريكيين لا يزالون متمسكين بفائدة مرتفعة، وإن توقفوا عن رفعها في المراجعات الدورية الأخيرة. هدف هؤلاء هو إيصال التضخم إلى أقرب نقطة من الحد الأقصى الرسمي 2 %. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الاقتصادات الغربية الأخرى، مع ميزة أن أكبر اقتصاد في العالم، يشهد مسارا للتعافي أسرع وأكثر ثباتا.
عززت توقعات وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني دور الاقتصاد الأمريكي في النمو العالمي، بتعديلها هذا النمو رفعا 0.3 % إلى 2.4 %، مبررة رفع توقعاتها للنمو الأمريكي هذا العام من 1.2 إلى 2.1 %. وبعيدا عن النظرة المتشائمة بعض الشيء للجهات الاقتصادية في الأمم المتحدة حيال النمو، يرى صندوق النقد والبنك الدوليان أن النمو العالمي سيتحقق. فالأول وضعه عند 3.1 % والثاني توقع له 2.4 %. وبصرف النظر عن هذا الفرق، إلا أن المؤشرات كلها تدل على مسار حقيقي للنمو، بصرف النظر (مرة أخرى) عن معدلاته. علما بأن النمو المتوقع للعام المقبل لن يزيد على 2.5 %، وهذا أيضا أقل مما كان عليه العقد الماضي.
وفي كل الأحوال، يبدو أن مسار الاقتصادات المتقدمة بات أفضل شكلا مما كان عليه في العام الماضي. وهذا يدعم بالتأكيد الخطوات المقبلة للبنوك المركزية بخفض الفائدة لديها بصورة تدريجية. فرفع تكاليف الاقتراض لم يضغط فقط على الشعوب في هذه البلدان، بل أحدث مزيدا من المصاعب على الدول التي ترزح تحت أعباء الديون المقومة في أغلبيتها بالدولار الأمريكي. وعلى هذا الأساس تعود النقطة التقليدية إلى الظهور مجددا، وهي تلك المتعلقة بضرورة خفض الفائدة، لتكريس نمو مرتفع وأكثر استدامة في العقد الحالي، مع تعاف بات يظهر على الساحة الدولية عموما. والمشكلة تكمن دائما في مدى قدرة المشرعين على التوازن بين "توليفة" النمو والفائدة وأسعار المستهلكين، والديون الحكومية، وهذه مهمة ليست سهلة، لا في أوقات الأزمات، ولا حتى في أزمنة عدم الاستقرار الاقتصادي. ويبقى النمو الذي يتحقق بمنزلة الأداة الأقوى لضمان جودة هذه "التوليفة".

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي