أنا فاشل في التربية ولم أسلك مسلك والدي في الشدة

أنا فاشل في التربية ولم أسلك مسلك والدي في الشدة
أنا فاشل في التربية ولم أسلك مسلك والدي في الشدة

الشيخ الدكتور إبراهيم بن صالح الخضيري قاضي محكمة التمييز في الرياض، يسرد في الحديث لــ "الاقتصادية" في الجزء الثاني من حوارها معه عددا من المواقف والأحداث التي مرت به في حياته مع بعض العلماء، خاصة الشيخ بن باز، وكذلك بعض المواقف مع والديه، إضافة إلى أمور أخرى، وفيما يلي نص الحوار:

الشدة ودقة المراقبة
فضيلة الشيخ كيف تتعاملون مع أبنائكم وكيف توجهونهم؟
هذه أعلنها صريحة مدوية بأنني فاشل في التربية، لست ممن، لم أسلك مسلك أبي في الشدة ودقة المراقبة والهيمنة الكلية الكاملة، ولم أسلك مسلك سيدتي الوالدة، رحمها الله وأسكنها فسيح جناته، وهو مسلك الرحمة والدعاء، ولكني دائما وأبدا أحث نفسي والناس جميعا على الرفق بالأولاد والمناصحة لهم والمتابعة والدعاء والدعاء ثم الدعاء ثم الدعاء، لأنهم بأمس الحاجة إلى الدعاء والمسامحة لهم بقدر المستطاع وفي حدود ما يطاق، وتقديرهم واحترامهم، وبطبيعتي أحرص دائما أن تكون علاقتي مع أولادي علاقة تفاهم ومودة ومحبة وليس في قاموسي شيء اسمه الضرب.

فضيلة الشيخ هل هناك مواقف معينة تتذكرها للوالد والوالدة؟
لا شك أن هناك سجلا حافلا للوالد والوالدة محفور في الذهن، وأنه يتنفس الإنسان عندما يتعامل مع أولاده، ولكن هنا قاعدة مهمة وهي أننا نظل أطفالا صغارا في نظر أمهاتنا ولو كنا دكاترة وقضاة، بل وفي نظر الناس كبارا في السن، فالإنسان عند أمه يظل يمارس لونا من ألوان الطفولة، فمازلت أذكر أن الوالدة هي منطقة التشكي والتضجر، محل التنفس من الكربات، رحمها الله تعالى، التي تصيب الإنسان، فما من ضائقة إلا وأجد عندها، رحمها الله تعالى، تنفيسا وتذكيرا بالله عز وجل وتصبيرا، فما أعطي إنسان أفضل ولا أجمل ولا أكمل من الصبر، فكنت إذا دخلت إلى والدتي مهموما محزونا من شيء دنيوي أو حتى ديني يتعلق بأمور الدين، أخرج منها ولله الحمد متنفسا، وتذكرني حالي مع الوالدة بسماحة الشيخ ابن باز، رحمه الله، فقد كنت أسهر عنده في بعض الليالي حتى الواحدة ليلا فيما يتعلق بأمور هموم المسلمين، وكنا ندخل نحن ومجموعة من الدعاة عند سماحة الوالد الشيخ، مهمومين مغمومين، وقد ضاقت بنا الأرض بما رحبت لما نرى من تكالب على أمتنا الإسلامية، ثم نخرج من عنده مبتسمين فرحين، نظرا لما يواسينا به ويسلينا به، ونظرا لما يفتحه علينا من آفاق وما يبثه بيننا من مبشرات، وما يحمله أيضا عنا من إعلام وهموم، رحمه الله رحمة الأبرار.

كيف كان حالك مع والدتك كطالبة علم؟
كان يذكرني حالي مع الوالدة بحالة الشيخ ابن عثيمين مع طلابه، فإنه رحمه الله، كان يتبسط مع الطلاب ويحمل همومهم، بل ويساعدهم، ربما أعطى فلانا نقودا وأعطى فلانا، فكنت إذا دخلت إلى الوالدة وتشكيت لها في هموم البيت أو هموم الصحة أو هموم الدعوة، أجد منها، سبحان الله، رأيا رشيدا، حتى أذكر في مسألة من المسائل العويصة استشرت الوالدة، وكانت الوالدة، كما قلت، طالبة علم، جاءتني امرأة يدعى عليها أنها ساحرة، وقال مدع إن عنده شهودا من الجن، فاستشرت الوالدة, فهي طالبة علم، وقلت لها أنا خائف من هذه المرأة أن تسحرني وكيف أحتاط، أنت تعرف شابا في مقتبل العمر لا بد أن يكون له نوع من هذا التوجس فقالت لي، رحمها الله، مثل هذه المسألة لا تخف إلا من الله، ولكن ارجع إلى الشيخ ابن باز فستجد عنده الحل، وكما هو معلوم أن الشيخ ابن باز له خبرة قضائية قضى 14 عاما في القضاء فذهبت إليه وحدثته، فالتفت إليّ متبسما، وقال لي: تعرف الجن؟ قلت: لا ما أعرفهم، ولا لي علاقة بهم، ولا أريد أن أعرفهم، فقال لي: تعلم بارك الله فيك أنه من شروط الشهادة معرفة الشاهد والمشهود وهم يكذبون، فأخبرت سماحته أن الجن عند الحديث معهم لا يريدون إلا دورة المياه، قال صدقوا هي مكانهم، فقال الشيخ رحمه الله: انتبه منهم، وكان من ميزاته اللطافة فكان يقول لي، رحمه الله، إن علماء الحديث لم يرتضوا رواية الجن ولم يقبلوها، وسألت الشيخ بكر أبو زيد، رحمه الله، وقال لي إن أحد المصنفين صنف كتابا اسمه "مسند الجان" ذكر فيه من رواية الجان أحاديث، لكن العلماء والمحققين لم يرتضوها، لذلك فلا شهادة الجن مقبولة ولا رواية الحديث منهم مقبولة.

لطائف الوالدة
وكنت أجد عند الوالدة لطائف أحيانا تذكر لي قصصا وأحيانا فتذكر لي أن الإنسان إذا لجأ، كان من نصائح الوالدة رحمها الله، يا ابني استعن بالصلاة، والله سبحانه وتعالى يقول "واستعينوا بالصبر والصلاة"، تقول إنك ستجد في الصلاة ملاذا وسعة في الأفق ورزقا في العلم، وفعلا كان عندي قضية بين أخوين كادت تصل إلى الاقتتال، فتذكرت يوما نصيحة الوالدة فاستعنت بالله ثم دخلت المختصر وتوضأت وصليت ركعتين وسألت الله أن يفرجها، والله ما خرجت من المختصر إلا وأحدهم يلتزم بأن يدفع المبلغ للمدعى عليه وأن ينهي القضية واستأذن لي بذلك، ورضي الطرفان فحكمت فاصطلحوا وحكمت بصحة الصلح ولزومه، وحمدت الله على منته، وكانت تقول إن صلاة النافلة مما يعين طالب العلم على تذكر العلم، ومما يعين طالب العلم على تحمل المصائب وضغوط الحياة، فما صلى إنسان وفزع إلى الصلاة إلا ووجد السكينة والطمأنينة.

وماذا عن الوالد؟
الوالد، رحمه الله، كان ذا دراية بالرجال وذا معرفة بطبائعهم وبطريقة القبائل وأساليبها فاستفدت من خبرته، رحمه الله، كثيرا في هذا المجال، رغم أنه، رحمه الله، كان عاميا، إلا أنه كان له نظرة للحياة. أذكر ذات يوم أن لبنانيا جاء إليه وقبّل جبينه وقال له يا أبا محمد ما لي أراك عابثا، فاضحك للدنيا تضحك لك، فرفع والدي بصره إليه وقال "وأنه هو أضحك وأبكى"، ورجع هذا اللبناني وقبّل جبين الوالد واعتذر، وقال نعم صدقت حياة الناس تختلف وأنا آسف وأعتذر. كان الوالد وقتها من المتوقع أنه كان يتأمل .... أي شيء من هذا وأن لديه أمرا حزنه، فسبحان الله الحياة كلها تجارب لكن تظل القضية الكبرى التي نوصي بها أنفسنا ويوصينا بها علماؤنا ودعاتنا هي تقوى الله عز وجل واللجوء إلى الله في كل صغيرة وكبيرة. أسعدني هذه الأيام أن الوالدة كانت مما تستبشر به أن يسلم أحد على يدي، وكنت أخبرها بذلك، فإذا أخبرتها سجدت لله شكرا، هذه الأيام قرأت في الصحف أن كاميرونيا أسلم بسبب إحسان الملك عبد الله له، وأنه أسلم على يديه 360 مسلما كاميرونيا من أهله وقريته وجماعته، بسبب إحسان الملك عبد الله لهم بفصل التوأمين على نفقته، وتعامل الملك عبد الله معهم، وفقه الله. أنا أقول هذا العمل هو الذي يدخل التاريخ، هذا العمل هو الذي يجب أن نتشرف به حكومة وشعبا، وهو نصرة الدين، نصرة الإسلام، تعليق الناس بالله عز وجل، إرجاع الناس إلى الله عز وجل، لماذا لا نقل؟ أنا لم أشاهد صحافيا واحدا كتب عن هذه المسألة يشكر الملك عبد الله ويدعو له ويثني عليه.

لهم مكانة عالية
كيف ترى التقارب بين العلماء ودعاة الأمة في هذه البلاد؟
العلماء في المملكة الذين لهم مكانة عالية التقارب بينهم كبير والمملكة أنجبت علماء كبار يرجع إلى كلامهم الناس، وبعضهم كان بيننا إلى وقت قريب كسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، رحمه الله، هذا العالم الرباني الذي انتفعت منه الأرض كلها ولا يزال علمه غزيرا وكبيرا منتشرا، أيضا فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله، وفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين، فضيلة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان رئيس مجلس القضاء الأعلى، ولا يزال، ولله الحمد والمنة، يعطي ويعطي وهو من عباقرة علمائنا المعاصرين ذوي الفكر النيّر والتوجه المبارك والعالمية في طرحه وفي فكره، وإن كان لم يسلم من الحسّاد، والشيخ عبد الله بن عبد المحسن التركي، الشيخ عبد الرزاق البدر، هؤلاء العباقرة من علماء المملكة الذين تفتخر بهم المملكة لقوتهم العلمية ولقدرتهم على الطرح وعالميتهم في الشمول، ومسارعتهم ومسابقتهم لما يحدث في المجتمعات الإسلامية وتتبعها وبيان حكم الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، وبيان الحكم الشرعي فيها. هؤلاء العلماء الحقيقة من فضل الله عز وجل أنهم هم الكنز الثمين للمملكة في طرحهم، طبعا هناك طلاب علم المبتدئين أو له أعمارهم كبيرة في السن، وإن كانت لهم جهود لا تنكر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولهم غلطات لا تنكر، هذه الغلطات نبهوا لها وبيّنت لهم فلعل الله أن يهيدنا جميعا لسواء الصراط وللرجوع إلى الحق، وكما قال الإمام محمد مالك بن أنس "ما منا إلا راد ومردود عليه"، فالإمام مالك، رحمه الله، يقول: كل يؤخذ من قوله.... إلا صاحب هذا القبر"، ويشير إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فمهما يكن العالم من قوة في العلم وقوة وتبحر فيه، فقد تحدث منه الأخطاء لأنه بشر يصيب ويخطئ. ولعلي هنا أشير إلى أنه من الواقع أو من العلماء الذين نتوقع، إن شاء الله، أن يكون لهم قدم صدق عند ربهم الشيخ الدكتور ناصر العمر، وفقه الله لكل خير.
#2#
الردود التي تصدر عبر الصحف
فضيلة الشيخ هل أنت مع الردود التي تصدر بين المنتمين للعلم الشرعي التي تنشر عبر الصحف؟
إذا كانت الردود مثل رد الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق على سماحة الشيخ ابن باز وإفادته منه بأدبه الجم، وتواضعه الخلاق والردود يهدف أو يراد منها أن يثار منها إلى إحقاق الحق وإظهار كلمة الله، سبحانه وتعالى، بأدب جم وتواضع رفيع، وإخلاص، هذه الردود جيدة وفيها نفع لطلبة العلم، بل وللإسلام والمسلمين، أما إذا كانت الردود عنجهية فيها تشفي، وفيها انتقام وفيها ألفاظ وعبارات سوقية وفيها بعد عن الخير، وإنما يراد التشهير بالشخص، وتحطيمه وزعزعة الثقة به، وإبعاده عن ثقة الناس به، فأعتقد أن هذه الردود عبارة عن طعنات في صدور أصحابها وهي ردود سيئة يمحقها الله عز وجل، بل إنك تضحك عندما تقرأ بعض الردود التي يكتبها بعض طلبة العلم على بعض، وتجد فيها عبارات تشفي وانتقام وعبارات لا تمت للعلم وأخلاق العلماء والشافعي، رحمه الله، يقول: "وجدت أن الناس كلهم ينتفعون من علمي ولا يعرفون مَن أنا"، بينما نجد من يرد على العلماء لينال الشهرة ليتسلق ونجد من يطعن في نيات العلماء، لك أن تأخذ مثلا الردود التي قيلت في سماحة الشيخ الوالد صالح بن محمد اللحيدان، أو سماحة الشيخ العلامة صالح بن فوزان الفوزان، كان بعض تلك الردود سوقية إلى درجة أنه يتتبع الزلة ربما في ميل القلم لو استطاع، مثل هذه الردود لا تليق بنا تاريخيا ولا تليق بنا منهجيا، نحن ندرك أن علماءنا الكبار صدورهم رحبة وأنهم يحملون في قلوبهم التسامح والعفو، فلماذا لا ندرك أن العالم ليس معصوما، إنه يخطئ ويصيب، وأنه إذا أخطأ فله أجر اجتهاده وإذا أصاب فله أجر اجتهاده وصوابه، له أجران، لماذا لا ندرك أن هذا العالم الذي كما هو حال الشيخ صالح بن محمد اللحيدان له في الدولة أكثر من 60 سنة يخدم، سواء في بياناته أو تصريحاته، لم توجد عليه أخطاء كثيرة متعمدة، لم يوجد عليه خطأ متعمد وإن وجدت أخطاء بسيطة، لنفترض أنه أخطأ بما يعادل سنة من 60 سنة، ألا تكون 59 سنة شفيعا لأخذه مأخذ الحب والشفقة والرحمة، بدل من أن يؤخذ مأخذ الانتقام والتشفي، ألا تكون نظرتنا عالية في الآفاق.

المواقف كثيرة
هل تذكر بعض المواقف التي تؤكد فراسة الشيخ بن باز ونباهته الدعوية؟
المواقف كثيرة وأذكر منها هذا الموقف لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز مع الملك فهد، رحمه الله، ورحم الله الجميع، حيث يؤكد الموقف كيف يحرص الداعية على أن يستغل كل فرصة لخدمة الدين وكانت حسنة من الحسنات العظيمة التي يسعد بها الإنسان، فذات مرة كنا في مجلس الملك فهد وكان الملك فهد، رحمه الله، يشرح لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز اهتمامات ابنه الأمير عبد العزيز الدعوية، فكان يقول للشيخ إن الأمير عبد العزيز ذهب إلى الدولة الفلانية وبنى مسجدا وفي الدولة الفلانية مركزا إسلاميا، كلها طبعا على نفقة الملك فهد، رحمه الله، وكان الشيخ دائما يقول للأمير عبد العزيز من معك، وكان يقول الملك فهد للأمير عبد العزيز بن فهد فصل للشيخ رحلتك، فكان الأمير عبد العزيز بن فهد، وفقه الله وحفظه، يفصل رحلته كما يقول العامة "من الباب للمحراب" لسماحة الشيخ، كيف انطلق من الرياض ثم إلى أمريكا وأوروبا وإلى دول، يفصل وكان كل ما ذكر دولة أو رحلة يقول الشيخ من معك من معك طبعا الأمير عبد العزيز بن فهد كان يقول معي سعد البريك وبعض الشباب، وكان الشيخ سعد من شيوخ الشباب ولا يزال، وفقه الله عز وجل، فكان الشيخ ابن باز ما يريد سعد البريك لوحده، يريد أن يكون في الرحلة علماء ودعاة متنوعون تكون رحلة علمية، فكان دائما يكرر "من معك من معك" وفهم الملك فهد فهما دقيقا لمراد الشيخ، فلما جاءت الرحلة الثانية في السنة القادمة شكّل باستشارة الشيخ بن باز فريقا من طلبة العلم، منهم أئمة الحرمين، بعض أئمة الحرمين، مثل الشيخ عبد الرحمن السديس، والشيخ سعود الشريم، والشيخ صالح السدلان وبعض طلبة العلم، شكل منهم فريقا كاملا، وكانت مهمة هذا الفريق أن يذهب مع الأمير عبد العزيز بن فهد في رحلاته الدعوية لفتح المراكز الإسلامية والمساجد التي أنشأها خادم الحرمين في الدول، سواء في الدول الإسلامية والدول العالمية، والحمد لله لا توجد دولة إلا وللملك فهد، رحمه الله، بل للدولة السعودية موطئ قدم فيها إما عالم يدعو إلى الله عز وجل، وإما منارة إسلامية ينتشر منها ويشع منها النور والعلم، فكان الشيخ ابن باز من حسناته توجيه الفرق الدعوية مع الأمير عبد العزيز بن فهد بن عبد العزيز واستفاد منها المسلمون كثيرا.

الأكثر قراءة