خصوصية الأبراج أم جمالية الخيام أيهما الأمثل لزيادة استيعاب مشعر منى؟
تباينت آراء خبراء سعوديين حيال سؤال طرحته "الاقتصادية" عن الحل المستقبلي والرؤية الاستشرافية لتطوير المشاعر المقدسة وزيادة طاقتها الاستيعابية، خصوصاً مشعر منى، الذي يقضي فيه الحجاج خمسة أيام، وذلك بعد أن ظهرت على السطح آراء عدة منها ما طالب بالتوسع في بناء المساكن على سفوح الجبال في ظل معارضتها من أصوات أخرى رأت أن من الأرجح أن يتم التوسع في بناء الخيام على الهضاب الصناعية.
ويأتي الطرح بعد أن شهدت أعداد الحجاج القادمين من خارج المملكة في العام الحالي 2008 زيادة في معدلها بلغ 1.729.841 حاجا، 939.221 منهم ذكور بنسبة 54.3 في المائة، مقابل 45.7 في المائة من الإناث بواقع 790.620 حاجة، حيث زاد عدد الحجاج بنسبة 1.1 في المائة مقارنة بأعداد العام الماضي، بواقع 18026 حاجا، قدموا من 178 دولة.
وتتوافق وجهة نظر الطرح مع تلك التأكيدات التي تأتي في إطار الخطط المستقبلية لحكومة المملكة العربية السعودية الرامية لاستقبال جميع الحجاج القادمين من الخارج، حيث أعلن الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية خلال تفقد القوات الأمنية المشاركة في موسم الحج الأسبوع الماضي أن المملكة ملتزمة بطلب كل دولة وفق الحصص المقررة لها، وهو الأمر الذي بدوره يتطلب أن يكون هناك توسع مستقبلي لمشعر منى ليحتضن نحو ثلاثة ملايين حاج على أقل تقدير.
خيام على الهضاب
وأوضح الدكتور حبيب زين العابدين وكيل وزارة الشؤون البلدية والقروية ورئيس إدارة المشروعات التطويرية أن هناك دراسة تبحث إمكانية البناء فوق سفوح الجبال في مشعر منى لاستيعاب أعداد أكبر من الحجاج في المشعر، بحيث ترتبط منى بكل من عرفات، مزدلفة، مكة المكرمة بشبكة من الطرق والمواصلات بشكل مستقل ومنفصل تماما عن وادي منى من حيث الخدمات والمرافق والطرق مع ربطها بجسر الجمرات الجديد وخدمتها بالقطار، ومشروع الخط الجنوبي للقطار الذي سيغذي ويفوج الحجاج إلى الدور الرابع والمنحدر الجنوبي للدور الثاني
وأشار زين العابدين إلى أن هناك مقارنة للطاقة الاستيعابية للبدائل التخطيطية المعدة لتوسعة طاقة مشعر منى الاستيعابية والمتمثلة في ثلاثة بدائل المرجح منها هو الاعتماد على إنشاء الخيام على الهضاب الصناعية المتعددة والمستويات وامتداداتها الإنشائية المعلقة، وستبلغ طاقتها الاستيعابية نحو 1.5 مليون حاج.
وأضاف زين العابدين: " ليس من المناسب إنشاء أدوار إضافية لمخيمات بطن وادي منى لضيق المشعر، وهناك دراسة أجريت للمقارنة بين الخيام والعمارات السكنية وتشير نتائجها إلى أنه لا بد أن تبقى الأدوار منخفضة ولا تتجاوز عشرة أدوار، والأمر الأصلح هو دورين من الخيام لتعطي مساحة أكبر من العمارات السكنية التي تحتاج إلى مساحات كبيرة جدا للمصاعد وسلالم الطوارئ وأماكن الصلاة والأكل والشرب، وأيضا يحتاج الفرد الساكن فيها إلى مساحة أوسع بخلاف الساكن في الخيام ففي حين لا تتجاوز مساحة الفرد في الخيام 1,6 متر، بينما في المباني لا تقل مساحة الفرد الواحد عن أربعة أمتار".
بناء وتعامل اقتصادي
من جهته، أشار المهندس وهيب شمس الدين كمفر رئيس مكتب المطور الهندسي أن مشعر منى يوجه عدة تحديات بين المحدود والمشروع والمنظوم وبين الاستيعابية والمحددات، وهي تتمثل في مساحة مشعر منى، سواء الحدود الشرعية أو حدود حرم المشاعر من جهة منى، موقع منى المحاط بالجبال والتضاريس المرتفعة وهو أيضا قريب من منطقة المسجد الحرام والمنطقة السكنية المأهولة في مدينة مكة المكرمة، طرق النقل الحالية للسيارات والمركبات والحافلات والمشاة، المنظومة الحالية والتقليدية والخاصة في إدارة الحج بشكل عام التي تتطور باستمرار موسما بعد موسم.
وأشار كمفر أن الفتوى التي تجيز تعدد الأدوار والمباني بمشعر منى هي نقطة إيجابية جدا، ولكن تعدد البناء هو أحد الحلول نحو استيعابية قصوى ولكن ليس كل الحلول، لافتاً إلى أنه إذا كانت الاستيعابية المثلى لمشروع توسعة منشأة الجمرات بمنى هي خمسة ملايين حاج، فإن من المقترح أن تكون الاستيعابية القصوى لمنطقة منى سكنيا هو نفس العدد، حيث يمكن أن يتعامل مع العدد من ناحية البناء والسكن، مستدركاً أن يتم التعامل مع عدد الحجاج في طاقتهم الاستيعابية من ناحية الخدمات الأساسية للسكن والحركة والأمن، وذلك بتصميم سفوح الجبال وبعض المناطق المستوية بمنى لكي تنشأ عليها مباني متعددة الطوابق، وتكون بشكل مميز من ناحية البساطة والتشطيب، وسهولة التشغيل والصيانة.
وأضاف كمفر: "يجب أن نتعامل مع هذه المباني بشكل اقتصادي متكامل، حيث يمكن أن تسن بعض الأمور الخاصة لإمكانية السكن بمنى على مدار العام ولرحلات العمرة والزيارة وسكن بعض فئات الحجيج بها ليكون المشروع السكني ذا جدوى بعيدة ومتوسطة وقصيرة المدى، ولا يكون فقط لأيام الحج الستة فقط، ولكن يمكن التعامل معه على مدار العام وبشكل يجعله مشروعا منتجا وليس من ضمن المشاريع التي تكون عبئا في المراقبة الأمنية وفي الصيانة وفي التشغيل"، مشيراً إلى أن مشروعه المقترح يحتاج إلى دراسات كثيرة تمهد لعمل بدائل للتخطيط الأمثل وبدائل للتصميم الأمثل للغرض.
وأبان كمفر أن الإدارات الحكومية والأهلية المختلفة التي تتعامل بشكل مباشر أو غير مباشر مع منظومة الحج بداية من تأشيرة الحج من السفارات وحتى توديع الحاج وإركابه من نقاط الخروج من منطقة الحج، تحتاج إلى منظومة تعامل إلكتروني ومعلوماتي متكامل مع أنظمة لتحليل المعلومات مدعمة بشبكة تلفزيونية وكاميرات عالية المهام من شأنها الإحصاء ومتابعة الحجاج كلا على حدة، ومناطق دخول إلكترونية تتعامل مع الحاج وفق شريحة معلوماتية توضع في معصمه تبرمج مسبقا وتعطي معلومات متواصلة حول الحاج، سواء مكان وجوده أو شعيرة مناسكه التي يتعامل معها في مكان ما تحت مسؤولية جهة ما، وفق خطة الحج التي انتهجها الحاج حسب مذهبه، ومكان قدومه، والجهة التنظيمية التي يتبعها، ونوعية حجه إن كان مفردا أو مقترنا أو متمتعا، مؤكدا أن المنظومة في حال تفعيلها ستكون قادرة على توفير معلومات متواصلة ومباشرة وحية ليسهل التعامل معها، ويسهل وضع خطوط إنذار بألوان متعددة قبل الوصول إلى النواحي الحرجة في حالة الازدحام أو الازدحام الشديد أو التكدس أو المدافعة الشديدة لا سمح الله.
وأكد كمفر أن التعامل الحركي يجب أن يكون متوافقاً مع الاستيعابية القصوى ليكون طرفا أساسيا في المنظومة الإدارية لتنفيذ جداول الرحلات وفق الفترات الزمنية المخصصة لكل حاج، وذلك تسهيلا للرحلة وجعلها تعمل وفق استيعابيتها القصوى، وتكون مجدية اقتصاديا وعمليا، وتسهم مساهمة فاعلة في حل مشكلة قد تتفاقم لا سمح الله، لافتاً إلى أن منظومة الحركة لابد أن تكون وفق دراسات خاصة تعمل على سلوك الحجاج وأعمارهم ومذاهبهم، ووفق الطرق المثلى للمركبات المستخدمة في رحلات تنقل الحاج، ناهيك من اختيار الآلية المناسبة لهذه الرحلات.
شرعية المساحة
من جهته أبان الدكتور عبد الله عبد الرحمن المسند الأكاديمي في جامعة القصيم أن مشعر منى أحد المشاعر المقدسة التي تؤوي سنوياً ولمدة ستة أيام ما يقرب من مليوني حاج فضلاً عن غيرهم، موضحاً أن مشعر منى يقع على بعد نحو ستة كيلو مترا إلى الشرق من الحرم الشريف، وهو عبارة عن وادٍ تحيط به الجبال، ويبلغ طول منطقة المشعر المستغلة في الوقت الحالي نحو 3.2 كيلو متر مربع، وتقدر مساحة منى الشرعية نحو 7.82 كيلو متر مربع، والمستغلة فعلاً 4.8 كيلو متر فقط، أي ما يعادل 61 في المائة من المساحة الشرعية و39 في المائة عبارة عن جبال وعرة ترتفع قممها نحو 500 متر فوق مستوى سطح الوادي، مضيفا: "إن المساحة المتاحة استعمالها من أراضي منى قليلة وتتمثل في وادي منى؛ وإن المشكلة تزداد حجماً إذا علمنا أنه ليس كل هذه المساحة تستعمل لإسكان الحجاج، حيث يشاركها كل من الطرق، الهيئات الرسمية، الخدمات العامة، الجمرات، المساجد، والمباني".
إعادة تخطيط منى
وزاد المسند: "كنتيجة حتمية لضيق مساحة وادي منى الشرعية ومحدوديته من جهة، وازدياد أعداد الحجاج في ظل سكن تقليدي لا يفي بتطلعات المستقبل من جهة ثانية، يأتي اقتراح مشروع تهيئة وتمهيد سفوح الجبال المطلة على منى خاصة جبل القويس بشكل مدرجات كبيرة لاستثمارها، باعتبار أن قمم الجبال هي حدود منى الشرعية"، مطالبا بإزالة جميع المباني الحالية والاستعاضة عنها بأبنية نموذجية، وتخطيط الطرق بما يتماشى مع عناصر المشروع لتتوافق مستقبلاً مع تخطيط مكة ومزدلفة وعرفات كخطوة لاحقة، وبناء قاعدة نظم المعلومات الجغرافية (GIS) لتستطيع الجهات المعنية التحكم في منى بشكل تام.
وأشار المسند إلى أن المشروع الذي يطالب بتطبيقه في مشعر منى يكمن في استبدال الخيام ومشكلاتها ببناء أراضي منى على شكل أبراج عالية مصممة لتتناسب ومناسك الحج، ولتستوعب حجاج الحاضر والمستقبل، وذلك من خلال الاعتماد على التوسع الرأسي لمواجهة تزايد نسبة الحجاج في ظل مساحة محدودة، بحيث يشرع في البداية ببناء واستثمار سفوح الجبال المطلة على منى كخطوة أولى، ومن ثَم يُبدأ ببناء الأراضي المنبسطة كخطوة ثانية، لافتاً إلى أن المشروع الذي يرى إمكانية تطبيقه يأخذ في الحسبان كل الظروف، وأن من أجل تهيئة منى للمشروع الذي يرى جدواه يتطلب الأمر إعادة التخطيط بشكل كامل ليتناسب والوضع الجديد وليجعل السيطرة على منى وإدارتها من قبل الجهات المعنية تتم وفق نظم المعلومات الجغرافية.
#2#
ويرى المسند أن من المفترض في حال تطبيق مشروعه على أرض الواقع أن يتوافر به مال ا يقل عن 17 خدمة من ضمنها خدمات السلامة، الطبية، التموين، البريد والاتصالات، المصرفية، الثقافية، النقل الجوي، مهبط طائرة عاموديه فوق سطح البرج للطوارئ لا قدر الله.
ولفت المسند إلى أن الهدف من توفير جميع الخدمات الضرورية والكمالية في البرج يتمثل في الحد من خروج الحجاج من تلك الأبراج إلى الشوارع والطرقات والأسواق وما يترتب على ذلك من زحام وضياع وإصابة بضربات الشمس والإعياء والتضييق على عبور وسير المركبات وإشغال الجهات المعنية بمشكلات التنظيم، وكذلك زيادة النفايات داخل شوارع منى، وفيض من السلبيات المترتبة على خروج الحاج من مقر سكنه، مؤكدا أن توافر الخدمات في الأبراج ستُحل جميع المشكلات ويقلل من ضرورة خروج الحاج من مقره إلا لتأدية منسك ما، ويكون خروجه وفق جدول وترتيب وتنظيم بتنسيق مع مكتب التنسيق في المبنى الذي يتحرك بدوره وفق إدارة منى المركزية.
التخطيط لحركة الحجاج
وأوضح المسند أن الجهات المعنية عليها أن تخطط وتنظم وتنسق حركة الحج بشكل يكفل توطن النظام في المشاعر المقدسة، وأن من أهم ثمار المشروع الذي يقترح تطبيقه تتمثل في سهولة التحكم والسيطرة على الحجاج وتحركاتهم والحد من الفوضى والارتجالية أو الوقوع في حوادث مميتة، كما أن من أبرز الأشياء التي يتم التنسيق من أجلها، الصعود إلى عرفات ومن ثَم النفرة منها ويليها الدفع من مزدلفة إلى منى وشعائر تأدية الرمي خلال أيام التشريق، وكذلك طواف وسعي الحج ومن ثم طواف الوداع، حيث إن كل هذه الحركات الكبرى للحجاج إذا ما تمت السيطرة عليها من قبل الجهات المعنية عبر مكاتب التنسيق الموجودة في كل برج ستكفل بإذن الله تعالى حل معضلات كبيرة وكثيرة تواجهها الجهات ذات العلاقة بشؤون الحج.
المشروع الأضخم عالمياً
ويتوقع المسند أن المشروع الذي يقترحه بشكله العام سيعد من أضخم المشاريع العمرانية في العالم، وهو الأمر الذي يتطلب أن يتم إنشاء المشروع على مراحل عدة، على أن يكون تمويل المشروع من خلال عرضه بشكل مناقصات تتنافس عليه الشركات الكبرى على أن تُسدد نفقات البناء على أقساط سنوية طويلة الأجل، وذلك من دخل الأبراج السنوي حتى يُستوفى وتغطى تكاليف المشروع كاملة، ومن ثَم تملكها الدولة ممثلة في وزارة الحج أو الإسكان لتقوم بتأجيرها بسعر يكفل تغطية الصيانة والخدمات العامة والتطوير والتنظيم وغيرها.
وعن آلية الاستثمار في المشروع يقول المسند: "لا تقتصر فائدة المشروع على إسكان الحجاج بضعة أيام في السنة من الثامن إلى الثالث عشر من ذي الحجة بل أقترح أن يُستثمر المشروع بشكل أكبر وذلك خلال شهر رمضان فهناك مئات الآلاف من المعتمرين، وخلال إجازة الربيع والمناسبات الأخرى أيضا، لذا من المقترحات أن تعد بعض الأبراج القريبة من مكة لإسكان المعتمرين بأسعار مغرية مقارنة بالأبراج القريبة من الحرم، ومنها نحفز المعتمرين على اختيار أبراج منى لوجود مميزات أكثر، ولا سيما أن المشروع يفترض وجود قناة نقل عصرية تحت الأرض بين منى والحرم تُشجع المعتمرين على اختيار السكن في منى، وكذلك يُستثمر المشروع وقتاً أطول عبر إقامة الحجاج في أبراج منى قبل وأثناء وبعد أداء مناسك الحج حتى يرحلوا إلى أوطانهم سالمين.
وأفاد المسند أن من أهم الفوائد التي ستجنى حيال تطبيق فكرة الأبراج في إسكان الحجاج في منى، زيادة القدرة الاستيعابية لمشعر منى من الحجاج، تقليل تكاليف الحج على الجهات ذات العلاقة، زيادة مساحة منى، الحد من خطر الحرائق والسيول، الحد من مشكلة كثرة الضياع في أوساط الحجاج، حل مشكلة دورات المياه وشبكة المياه، سرعة وصول المريض إلى المستوصف أو المستشفى، الحد من انتشار العدوى بين الحجاج، حل مشكلة ارتفاع درجة الحرارة، الحد من مشكلة النفايات المتراكمة في شوارع منى وسهولة التخلص منها، الحد من مشكلة تجول الحجاج في طرق وشوارع منى، حل مشكلة الزحام في الجمرات، حل مشكلة تزاحم الحجاج في تنقلاتهم لتأدية مناسكهم، حل مشكلة إسكان الحجاج في مكة، الحد من مسألة التلوث، جمع حجاج كل دولة في برج واحد أو أكثر، سهولة السيطرة والتحكم في الحجاج وتحركاتهم، سهولة الوصول إلى أي شخص مطلوب أو هداية حاج تائه، سهولة رفع مستوى الوعي الديني وإرشاد حجاج كل دولة عبر الإذاعة الداخلية في كل برج، الحد من مشكلة سيارات الإسعاف وتجولها داخل منى وما يترتب على ذلك من إزعاج عبر صفاراتها أو تأخرها عن أداء مهامها، حل مشكلة ارتفاع أسعار المساكن في مكة إبان المناسبات الدينية وذلك لوجود البديل.