الشائعات .. ماذا نتوقع من هذا الجيل الذي يفكر بهذه العقلية ؟!
تعد الشائعات أحد المخاطر التي اكتوى بنارها عديد من الناس، بل لا نبالغ إذا اعتبرناها ظاهرة تعانيها كل المجتمعات المسلمة وغيرها، وكم كبدت أناس خسائر في الممتلكات، وكم فتحت أبواب شر لآخرين، وكم من ضحايا ذهبوا ضحية تحوير كلمة وزيادة أخرى، فهي تمثل بؤرة فساد تهددنا جميعا، فكيف يمكن الوقاية منها؟ وما السبل للحيلولة دون استمرارية نخرها في المجتمعات؟ خصوصا في أوساط الشباب فهي لدى البعض منهم تمثل المتعة والتفاخر والبعض الآخر يراها خطر محدق يعصف بالكثير من آماله وحياته في مواقف.
المواقف الصعبة لهم في هذا الميدان المؤلم
يأخذ بأطراف بداية الحديث الشاب يحيى العبد الكريم فيقول: لقد عانيت الأمرين من الشائعات، فهي تلاحقني في حياتي الخاصة ولا أسلم منها ومع الأسف بعض الزملاء يبلغ به الأمر أن يختلق الأكاذيب وينشرها بين الأصدقاء على أنها مسلمات وتكون بداية لانتشار الشائعات، فمرة صديق نشر معلومة أنني أتجهز للزواج، وأنني اخترت شريكة الحياة، وهو مع الأسف الشديد ورطني مع عائلتي التي انتشر الخبر عندها بمحاولة زملائي التأكد من هذا الخبر، فكان موقفا حرجا لم أستطع تحاشيه إلا بكل صعوبة. ويتفق عبد العزيز الهتمي من أبها مع سابقه في خطورة الشائعات، ولكنه يطالب باتخاذ موقف حازم ضد من يرتكبها، لأن التساهل فيها يسبب مشكلات أكبر، ويرى أن تورط بعض الشباب في الشائعات أحيانا يصل إلى التقول على ألسنة الآخرين، فيسبب مشكلات أكبر فلا بد من التوعية والتوجيه للشباب بما يسهم في تغيير أفكارهم للأفضل ويبعدهم عن هذه الشبهات والتوغل فيها.
يؤكد الشاب خالد الحسين من الرياض أن هناك من تضرر من الشائعات، خصوصا الذين يعيشون بعيدا عن أسرهم لظروف الدراسة، وأعرف شابا حيكت ضده كثير من الشائعات، لأنه أراد التفرغ لدراسته وابتعد عن الشلل خوفا على مستقبله الدراسي، لكن استمرت الشائعات تنال منه، وتزعج أسرته، وفي النهاية وفقه الله وتخرج، وغادر تلك المنطقة التي يدرس في غير متأسف على أصدقاء الهم والغم، كما يقول.
وأما الشاب محمد حسين من جدة فيقول: مع الأسف الشديد أنني التحقت بوظيفة وقد تعرضت خلال الفترة التدريبية لعدد من الشائعات اتهموني فيها أنني أعاني حالة نفسية وكادوا يدمرونني لولا أن الله وفقني وتداركت وضعي وحاولت تجنبهم، خصوصا أن فيهم نوعيات تحب أذية الناس، وقد كانت فترة تدريبي خارج مدينة جدة، ولكن بعد انتهاء الدورة طلبت النقل من جدة لأبتعد عن هؤلاء المغرضين الذين كادوا يحطمون حياتي ويؤثرون فيها ويقلبونها رأسا على عقب.
الرؤية الشرعية
ورأت "الاقتصادية " أن تطرح وجهة النظر الشرعية لهذه الظاهرة المنتشرة في أوساط الناس والشباب، خصوصا حيث تنشر آراء بعض المشايخ حول هذه الظاهرة.
#3#
في البداية نطرح رأي الشيخ الدكتور محمد بن عبد الله الدويش عضو هيئة التدريس في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية حول الشائعات فقال إن هذه الشائعات منها ما يتم تداوله في الشبكة العنكبوتية ـ خاصة في بعض ساحات الحوار ـ حيث يبرز ذلك كمرض فكري نعانيه.
وأضاف ليس المجال مجال الحديث عن الشبكة وما يدور فيها فله ميدان آخر، إنما الذي يعنينا هنا دلالته على التفكير السائد لدى أولئك.
والقاسم المشترك لدى شريحة واسعة منهم: السطحية والسذاجة الفكرية، أو السب والشتم المقذع، أو الخروج عن أدب الحوار والجدال، أو القول في الدين بغير علم، إلى آخر تلك المآسي التي تبدو لمن يتصفح هذه المواقع.
وأجزم أن هؤلاء لا يمثلون مجتمع الصحوة تمثيلاً صادقاً، لكنهم بالتأكيد شريحة وفئة ليست قليلة.
وقال إن هذه الظاهرة تدعو الغيورين على هذا الجيل الذي يفكر بهذه العقلية إلى التأمل والمراجعة؛ فهي إفراز لبعض جوانب الخلل والإخفاق في الواقع التربوي.
ونتساءل هنا: إلى أي حد نتوقع من هذا الجيل الذي يفكر بهذه العقلية أن يسهم في مشروع الإصلاح والبناء المنوط بهذه الصحوة؟ وهل مثل هؤلاء على مستوى التحديات التي تواجه الأمة اليوم؟
إن المربين والمصلحين بحاجة إلى أن يضعوا ضمن برنامج عملهم الارتقاء بهذا الجيل، وأن يوظفوا مثل هذه المشكلات في فهم الثغرات التربوية لدى الشباب.
من الوسائل التي ينبغي أن يُعنى بها في التعامل مع هذه المشكلة:
1 - تحقيق مزيد من التواصل مع الشباب، وفتح الصدور والقلوب لهم، والصبر على ما قد يبدو من بعضهم من أخطاء؛ فهذا مدعاة لأن يقتربوا من المصلحين والمربين.
2 - توسعة المحاضن والمجالات التربوية التي يمكن أن تستوعب هؤلاء الشباب؛ فالنماذج المتاحة لا تتلاءم مع الحاجة المتزايدة، وإمكاناتها العددية لا تستوعب كثيراً من الشباب، كما أن النمط السائد فيها لا يلائم كل الشرائح، فلا بد من تعدد الأنماط واتساع أفق المربين لاستيعاب مجالات عمل متنوعة تستوعب الفئات كافة.
3 - الاعتناء بالبناء العلمي والفكري، وإثراء الساحة بالمزيد، ما يسهم في الارتقاء بالشباب، بدلاً من التركيز على الخطاب العاطفي وحده؛ فالساحة الدعوية اليوم يسيطر عليها الخطاب العاطفي والحماسي، ومع أهميته وتأثيره، إلا أن المبالغة فيه تؤدي إلى إيجاد جيل يندفع مع العواطف ويقنعه هذا اللون أكثر من الخطاب المنطقي العقلي.
4 - الاعتناء بتيسير المادة الفكرية والعلمية التي تستهدف الشباب؛ فكثير مما يقدم لا يتلاءم مع مستوياتهم فلا يحظى بالقبول لديهم.
5 - مراجعة الأهداف التربوية، وتحقيق مزيد من الاهتمام بتنمية الجوانب العقلية، والارتقاء بمهارات التفكير لدى الشباب، والتخفيف من التركيز على تقديم المادة العلمية والثقافية من خلال خط اتصالي وحيد الاتجاه.
6 - توسيع دائرة الحوار المباشر والتدريب على مهاراته داخل البرامج واللقاءات التي تقدم للشباب.
7 - تهيئة مجالات وفرص عمل دعوية واسعة على شبكة الإنترنت لتكون بديلاً لهؤلاء الشباب يصرفون فيها جزءا من أوقاتهم التي يصرفونها على الشبكة.
قلقٍ في البناء الاجتماعي
#2#
في الصدد ذاته يقول الشيخ الدكتور عبد الرحمن السديس إمام وخطيب المسجد الحرام: إن الشائعات من أخطر الحروب المعنوية، والأوبئة النفسية، بل من أشد الأسلحة تدميراً، وأعظمها وقعاً وتأثيراً، وليس من المبالغة في شيء إذا عُدَّت ظاهرة اجتماعية عالمية، لها خطورتها البالغة على المجتمعات البشرية، إنها جديرة بالتشخيص والعلاج، وحَرِيَّةٌ بالتصدي والاهتمام لاستئصالها والتحذير منها، والتكاتف للقضاء على أسبابها وبواعثها، حتى لا تقضي على الروح المعنوية في الأمة، التي هي عماد نجاح الأفراد، وأساس أمن واستقرار المجتمعات، وركيزة بناء أمجاد الشعوب والحضارات.
وأضاف أن المستقرئ للتاريخ الإنساني يجد أن الشائعات وُجدت حيث وُجد الإنسان، بل إنها عاشت وتكاثرت في أحضان كل الحضارات، ومنذ فجر التاريخ والشائعة تمثّل مصدر قلقٍ في البناء الاجتماعي، والانتماء الحضاري لكل الشعوب والبيئات.
وأضاف أنه لما جاء الإسلام اتخذ الموقف الحازم من الشائعات وأصحابها لِما لنشرها وبثها بين أفراد المجتمع من آثار سلبية، على تماسك المجتمع المسلم، وتلاحم أبنائه، وسلامة لُحْمته، والحفاظ على بيضته، بل لقد عدّ الإسلام ذلك سلوكاً مرذولاً، منافيا للأخلاق النبيلة، والسجايا الكريمة، والمُثل العليا، التي جاءت بها وحثت عليها شريعتنا الغراء من الاجتماع والمحبة والمودّة والإخاء، والتعاون والتراحم والتعاطف والصفاء، وهل الشائعة إلا نسف لتلك القيم؟! ومعول هدم لهذه المُثُل؟!
وأشار إلى أن الإسلام حذر من الغيبة والوقيعة في الأعراض، والكذب والبهتان والنميمة القالة بين الناس، وهل الشائعة إلا كذلك؟! وأمر بحفظ اللسان، وأبان خطورة الكلمة، وحرّم القذف والإفك، وتوعّد محبّي رواج الشائعات بالعذاب الأليم: إِنَّ ?لَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ?لْفَـ?حِشَةُ في ?لَّذِينَ آمنوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى ?لدُّنْيَا وَ?لآخِرَةِ[النور:19].
الوشاة المغرضون
وحـث السديس على التثبت والتبيّن في نقل الأخبـار، يقـول سبحانـه: يا ?أَيُّهَا ?لَّذِينَ امنوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَى? مَا فَعَلْتُمْ نَـ?دِمِينَ[الحجرات:6]، قرأ حمـزة والكسـائي: فتثبَّتوا.
وأخبر سبحانه أن الإنسان مسؤول أمام الله، عز وجل، ومحاسب عن كل صغير وجليل: مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ[ق:18]، وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ?لسَّمْعَ وَ?لْبَصَرَ وَ?لْفُؤَادَ كُلُّ أُولـ?ئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً[الإسراء:36].
والشائعات مبنيّة على سوء ظن بالمسلمين، والله عز وجل يقول: يا ?أَيُّهَا ?لَّذِينَ ءامَنُواْ ?جْتَنِبُواْ كَثِيراً مّنَ ?لظَّنّ إِنَّ بَعْضَ ?لظَّنّ إِثْمٌ[الحجرات:12]، وقد أخرج الشيخان في صحيحيهما أن رسول الله قال: ((إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث))، كما نهى الإسلام أتباعه أن يطلقوا الكلام على عواهنه، ويُلغوا عقولهم عند كل شائعة، وتفكيرَهم عند كل ذائعة، أو ينساقوا وراء كل ناعق، ويُصدّقوا قول كل دَعيٍّ مارق، أخرج الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله قال: ((كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع))، وفي رواية: ((كفى بالمرء إثماً)).
وسدًّا للباب أمام الوشاة المغرضين، ونقلة الشائعات المتربّصين، ومنعاً لرواج الشائعة والبلاغات المجهولة الكيدية المغرضة، والأخبار الملفقة المكذوبة على البُرآء الغافلين، يقول فيما رواه البخاري في الأدب المفرد عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها: ((ألا أخبركم بشراركم؟!)) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((المشاءون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون للبُرآء العنت)).
إذا كان في دنيا النبات طُفيليات تلتفُّ حول النبتة الصالحة، لتفسد نموّها، فإن الشائعات ومروّجيها أشدُّ وأنكى، لما يقومون به من خلخلة البُنى التحتية للمجتمع، وتقويض أركانه، وتصديع بنيانه، فكم تجنّوا على أبرياء؟! وأشعلوا نار الفتنة بين الأصفياء؟! وكم نالوا من علماء وعظماء؟! وكم هدّمت الشائعة من وشائج؟! وتسبّبت في جرائم؟! وفككت من أواصر وعلاقات؟! وحطّمت من أمجاد وحضارات؟! وكم دمّرت من أسر وبيوتات؟! وأهلكت من حواضر ومجتمعات؟! بل لرُب شائعة أثارت فتنا وبلايا، وحروباً ورزايا، وإن الحرب أوّلها كلام، ورُب كلمة سوء ماتت في مهدمها، ورُب مقالة شرّ أشعلت فتنا، لأن حاقداً ضخّمها ونفخ فيها.
ومروّج الشائعة - لئيم الطبع، دنيء الهمة، مريض النفس، منحرف التفكير، صفيق الوجه، عديم المروءة، ضعيف الديانة، يتقاطر خِسَّة ودناءة، قد ترسّب الغلّ في أحشائه، فلا يستريح حتى يُزبد ويُرغي، ويفسد ويؤذي، فتانٌ فتاكٌ، ساعٍ في الأرض بالفساد، يجرّ الفتن للبلاد والعباد، إنه عضو مسموم، ذو تجاسر مذموم، وبذاء محموم، يسري سريان النار في الهشيم، يتلوّن كالحرباء، وينفث سمومه كالحية الرقطاء، ديدنه الإفساد والهمز، وسلوكه الشر واللمز، وعادته الخُبث والغمز، لا يفتأ إثارة وتشويشاً، ولا ينفك كذباً وتحريشاً، ولا يبرح تقوّلا وتهويشاً، فكم حصلت وحصلت من جِناية على المؤهلين الأكفياء بسبب شائعة دعيٍّ مأفون، ذي لسان شرير، وقلم أجير، في سوء نية، وخبث طوية، وهذا سرّ النزيف الدائم في جسد الأمة الإسلامية.