تمر سكري أفضل هدية من الملحقية الثقافية .. وقطار يشطرنا إلى نصفين
جاء الحوار مع الشيخ الدكتور يوسف بن أحمد القاسم الأستاذ المساعد في المعهد العالي للقضاء في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية, ليكشف جوانب خفية من حياته، سواء في المنزل مع أبنائه أو وسط زملاء الدراسة ورحلته العلمية والمشايخ الذين تتلمذ على أيديهم، إضافة إلى بعض المواقف والذكريات التي مرت به في حياته. وللتعرف على مزيد من ذلك إلى الحوار:
في البداية حدثونا عن سيرتكم العلمية؟
التحقت بالمعهد العلمي في المرحلة المتوسطة والثانوية, ثم التحقت بكلية الشريعة في الرياض, وتخرجت فيها سنة 1413هـ, ثم التحقت بالمعهد العالي للقضاء, وحصلت منه على الماجستير والدكتوراة, وبعد حصولي على الماجستير التحقت بالمعهد العالي للقضاء على رتبة محاضر, ثم على رتبة أستاذ مساعد في قسم الفقه المقارن, والمعهد هو أول جهة أكاديمية في المملكة خرّجت طلاباً حاصلين على شهادات علمية عالية "ماجستير, ودكتوراة", ويدرس فيه الآن طلاب يؤهلون لجهات وظيفية مهمة, حيث يتخرجون في المعهد كقضاة, وكتاب عدل, ومحامين, ومستشارين في مجال الفقه والنظام - باعتبار أن المعهد يحتوي على قسم للفقه المقارن, وقسم للسياسة الشرعية والأنظمة - وأيضا يتخرجون فيه كمحاضرين في الجامعات السعودية, إضافة إلى ما يقوم به المعهد منذ سنوات من تقديم دورات متعددة للقضاة السعوديين وغيرهم (منذ أسبوعين قدم المعهد دورة علمية لقضاة إندونيسيا), إضافة إلى دورات متخصصة لقضاة ديوان المظالم, وكتاب العدل, وبعض أعضاء اللجان التي تمارس عملاً قضائيا في المملكة.
من هم أبرز العلماء الذين تلقيت عنهم العلم؟
من أبرزهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله, والشيخ عبد الله بن عقيل - العضو السابق في الإفتاء ومجلس القضاء الأعلى- والشيخ الدكتور عبد الله بن جبرين ـ حفظهما الله تعالى, ومتعهما بالصحة العافية..آمين.
زملاء الدراسة
من هم أبرز زملاء الدراسة؟
من أبرزهم الزميل المفضال الدكتور يوسف الشبيلي, وهو يتميز منذ عرفته بسعة علمه, ونبل خلقه, واليوم يصدر عن رأيه في باب الأسهم والمعاملات المالية المستجدة عديد من الناس, ومنهم أيضا الدكتور سامي الماجد, وهو مع كونه عضواً لهيئة التدريس في كلية الشريعة, فهو ذو قلم سيال في مجال الصحافة والإعلام, ومنهم أصحاب الفضيلة الشيخ ناصر الجربوع, الشيخ عاصم القاسم, والشيخ هتلان الهتلان, وهم من القضاة المبرزين في محاكمنا الشرعية, وكذا الشيخ عبد الحكيم الشعيبي, والشيخ أحمد الخليفي, وكل واحد منهما كان قاضيا في الماضي, ثم أصبح اليوم عنصراً فاعلا ورئيسا في مجال الاستشارات الشرعية والنظامية في شركة الراجحي المصرفية, وغيرهم من الزملاء الفضلاء, ممن أضحوا اليوم قضاة, أو أساتذة أكاديميين, أو عاملين في قطاع المحاماة, أو الاستشارات, أو التعليم العام, أسأل الله تعالى أن ينفع بهم, وأن يوفقني وإياهم لما فيه صلاح الإسلام والمسلمين.
ما أبرز محطات حياتك؟
أبرزها محطة المرحلة الأولى من الشباب, وذلك بطلب العلم على المشايخ, ثم محطة الزواج ثانيا, ثم محطة التحضير للماجستير والدكتوراة وإنهاء الدراسة الأكاديمية بمتاعبها المعهودة, ثم محطة التدريس في المعهد العالي والإشراف والمناقشة للبحوث العلمية, والإعداد لبحوث الترقية, ثم محطة الكتابة في الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية, وأسأل الله تعالى أن يجعل ذلك كله خالصاً لوجهه الكريم.
التوجيه التربوي
ما الطريقة التي تتخذها في تعاملك مع أبنائك؟
في الواقع أفضِّل طريقة الترغيب على الترهيب, والتوجيه التربوي الذي يمزج بين الأسلوب الشرعي والإقناع العقلي, ومحاولة الاستحضار- دوما - أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ توفي ولم يضرب أحداً بيده, حيث كانت كلماته الرائعة وأخلاقه الجميلة, وعاطفته الجياشة حاملا للغير على احترامه وتوقيره, وإن كان انشغالي كثيرا ما يصرفني عن بعض المسؤوليات الملقاة على عاتقي تجاه أولادي, وهذا بلا شك جانب قصور أعترف به, وأحذر منه, أسأل الله تعالى أن يعفو عني ويسامحني.
ما أبرز المواقف التي مرت بكم من حيث الطرافة والصعوبة؟
المواقف كثيرة, وربما لو وضعت في كتاب لخرجت في مجلد من الحجم الكبير, ولكن ولحسن الحظ أنسى عديدا من هذه المواقف, ولا يعلق بالذهن إلا القليل منها, أذكر منها مثلا: أني كنت مرة أصلي- وأنا شاب صغير- في أحد مساجد الرياض, وأظنها كانت صلاة القيام في رمضان, فسجدت, ولعل الإمام قد أطال السجود, فقمت من السجود, وإذا بالمسجد خالٍ من المصلين!! ولا أدري هل كنت مستغرقا في الخشوع, أو في شيء آخر.
وأذكر أيضاً أني كنت مرة في دولة أجنبية, وكنت حينها مع أحد الأصدقاء الفضلاء, وقد أهدي لنا - من أحد أفراد الملحقية الثقافية - كرتون تمر سكري, فكانت أفضل هدية تلقيناها هناك, فتشوفت بطوننا للبن, فبحثنا عنه في سوق تجارية لتكتمل الوجبة النجدية, فوقفنا أمام ثلاجة كبيرة فيها العشرات من أصناف الحليب والألبان والزبادي, ولكن واجهتنا مشكلة, وهي أننا لم نستطع أن نفرق بين اللبن والحليب, حيث كان مكتوبا عليها باللغة الإنجليزية!! فكلاهما قد كتب عليه عبارة (milk), والثلاجة فيها كثير من الأصناف, فحاولنا أن نفصح لبعض الزبائن عن حاجتنا, وأن نشرح لهم معاناتنا, باللغة الإنجليزية المكسرة تارة وبلغة الإشارة تارة أخرى, ولكن فشلت كل تلك المحاولات, فطرأ لنا حل, وهو أن نأخذ من كل صنف نوعا, ولكن فوجئنا أن فيها عشرات وربما مئات الأصناف, فلو أخذنا عشرة أصناف, فقد تكون كلها من أصناف الحليب, فنرجع بخفي حنين "لا بخفي منتظر", فبقينا قريباً من ثلث الساعة, ونحن نرى الناس يتبضعون من هذه الثلاجة, ولعابنا يسيل, حتى انجلت الأزمة بحضور أحد العرب ـ جزاه الله خيرا.
وموقف آخر, وهو أني كنت مع مجموعة من الإخوة في بلد أجنبي آخر, وكنا حينها قد وصلنا للتو إلى محطة القطار الأرضية, وبمعيتنا سبع حقائب من الحجم الكبير والمتوسط, فوصل القطار, فقمنا مسرعين بحمل الحقائب, واحدة تلو أخرى, وفي هذه الأثناء - وكان بعضنا في القطار وبعضنا خارجه نتعاون جميعا في حمل الحقائب- إذا بالقطار يغلق أبوابه, ويتحرك بسرعة, وكاد يغلق الباب على رجل أحدنا, وفوجئنا بأنه قد شطرنا إلى نصفين, فبعضنا في القطار, وبعضنا بقي خارجه, وودعنا من كانوا في القطار رغم أنوفنا! وبقينا ننظر مندهشين لا ندري ماذا نصنع, ولا كيف نلتقي برفقتنا, ولم نحدد مكانا للقاء, فالتقيناهم بعد نصف ساعة تقريبا, فكان موقفا مدهشا, امتزج بكثير من الضحك...!
جدي من جهة الأب
عبد الرحمن بن قاسم - رحمه الله- العالم الشهير, ما وجه القرابة بينكم؟
هو جدي من جهة الأب, وقد كتبت عنه مقالا بعنوان"ابن قاسم: الفلاح الزاهد, والفقيه المؤرخ", فأحيل من له اهتمام بمعرفة طرف من حياته إلى هذا المقال.
المصرفية الإسلامية الحالية هل هي البديل الإسلامي المناسب للعالم؟
لا أشك أبداً في أن المصرفية الإسلامية هي البديل المناسب للعالم عقب هذه الأزمة المالية المدوية, ففي شريعتنا المطهرة المادة الخام للعمل المصرفي الفاعل والآمن في الوقت نفسه, ولكن حتى هذه اللحظة لم يقدم المتخصصون في مجال المصرفية الإسلامية, ولا المتخصصون في مجال الاقتصاد الإسلامي, النموذج المصنع من تلك المادة الخام, وأعرف الآن أن عديدا من الجهات ذات الاختصاص تعمل على تقديم النموذج المناسب والمستقل للعمل المصرفي الإسلامي, ومن هؤلاء المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية, كما صرح بذلك رئيس المجلس الشيخ صالح كامل - وهو صاحب فكر اقتصادي إسلامي ناضج - وكذا هيئة الاقتصاد والتمويل, فلديها خطة عمل حول هذا الموضوع, وأعتقد أن على أصحاب الاختصاص في الاقتصاد الإسلامي عبئاً كبيراً أمام العالم للتعجيل بتقديم هذا النموذج الإسلامي قبل فوات الأوان, وأعرف أن لدى هذه الجهات المشار إليها اهتماماً كبيراً بتقديم نموذج مصرفي إسلامي حقيقي, لا نموذجا هجينا من العمل المصرفي الإسلامي والربوي, كما نراه في بعض المنتجات المسخ, مع الأسف.
كيف وجدتم الكتابة الصحافية؟
الكتابة الصحافية أمانة ومسؤولية أمام الله تعالى, ولهذا أجد فيها متنفساً جيداً لتقديم وجهة النظر الفقهية من كثير من المستجدات في باب المعاملات المالية, أو في باب الاقتصاد, وإن لم أكن متخصصاً في مجال الاقتصاد, لكن أرى أن علي مسؤولية بحكم تخصصي كفقيه؛ وذلك لبيان الموقف الفقهي من عديد من القضايا ذات الصلة بالفقه, سواء كانت ذات صبغة مالية, أو اقتصادية, أو اجتماعية, أو حتى ذات صبغة سياسية, كما هو الحال الآن فيما يقع في غزة, إزاء صمت عربي وعالمي مخيف.
هؤلاء في كلمات
هؤلاء في كلمات: والدكم الشيخ أحمد بن قاسم, الشيخ عبد العزيز آل الشيخ, الشيخ صالح اللحيدان, الدكتور صالح الحصين, والدكتور صالح بن حميد؟
أما والدي - رحمة الله عليه - فتذكرني به دوما أحداث غزة, لأن شغله الشاغل هو أخبار غزة, طيلة فترة الحصار, حتى قبيل وفاته - وهو في الثمانين من عمره - فكان دوما يتحسس أخبارهم, ويسأل عن شؤونهم, ويبذل من ماله لفقراء غزة ونسائها وأطفالها, لقد كان ـ رحمه الله ـ رجلاً بقلب طفل, يرق لأحوالهم, ويحزن لأحزانهم, ويتألم لمآسيهم, ويعتز بمجاهدي المقاومة, ويرى أن السكوت عن واقعهم, والانشغال أو التشاغل عن مآسيهم, جريمة لن يغفرها التاريخ, لقد أفضى إلى ربه تعالى موصياً بخمس ماله للمحتاجين من المسلمين, وعلى رأسهم أهل غزة المرابطين, رحمه الله تعالى, لقد كان لي أعظم من والد, لقد كان المربي الناصح, والمعلم الواعظ, والأب المشفق.
وأما سماحة المفتي فهو مع حرصه على العبادة - حفظه الله - فإنه يمتلك قلباً كبيراً, وعاطفة جياشة, كما أنه مدرسة في التواضع ولين الجانب جزاه الله خيرا, وأسأل الله تعالى أن يوفقه للنهوض بالمسؤولية الملقاة على عاتقه.
وأما سماحة الشيخ صالح اللحيدان, فهو الفقيه الأديب, ويكفيه أنه قد أبلى بلاء عظيماً في المحافظة على عدالة جهاز القضاء منذ جاء إلى كرسي القضاء وإلى اليوم, لقد وقف شامخاً تجاه كل القضايا الصعبة, والملفات الساخنة.
وأما الدكتور صالح الحصين, فهو من القمم السامقة في هذا البلد, ومن المسؤولين الندرة الذين يجمعون بين التواضع ولين الجانب وبين العمل الدؤوب, ناهيك عما يمتلكه هذا الرجل العظيم من رصيد شرعي وقانوني, وعمق فكري, وله كلمات عظيمة في النقد الموضوعي السليم للبنوك والمصارف الإسلامية, ويمتلك رؤية مميزة في هذا المجال.
أما الدكتور صالح بن حميد, فهو خطيب مفوه, ومرب فاضل, ودبلوماسي فذ, ومسؤول كبير, يمتلك مشاعر رقيقة, وأخلاقا وتواضعا جما, يندر أن تجتمع في رجل في عصرنا الحاضر.
وأشكركم على إتاحة هذه الفرصة.