العشوائية وعدم التخطيط من سلبيات العمل الإسلامي

العشوائية وعدم التخطيط من سلبيات العمل الإسلامي
العشوائية وعدم التخطيط من سلبيات العمل الإسلامي

الدكتور علي الحقوي استشاري طب الأسرة في مستشفى الملك فهد والأستاذ المساعد في جامعة الملك سعود بن عبد العزيز الصحية في الحرس الوطني, وهو من المؤسسين للجنة الطبيب المسلم في الندوة العالمية للشباب الإسلامي, يحدثنا عن تجربة ثرية متنوعة في مجال تخصصه الطبي وفي مناح أخرى حياتية مختلفة, كان هذا اللقاء فرصة للتعرف من كثب عن حياته الخاصة وبعض الجوانب الأخرى المتعلقة بها.

في البداية حدثونا عن سيرتكم الذاتية؟
اسمي: الدكتور علي بن إبراهيم الحقوي، من مواليد قرية "الحقو" في مدينة جازان سنة 1388هـ.
درست تقريبا جميع مراحل تعليمي الابتدائي، المتوسط، الثانوي، الجامعي، في مدينة الرياض، حيث انتقلت العائلة سنة 1394هـ.
بعد الثانوية التحقت بكلية الطب، جامعة الملك سعود في الرياض، وتخرجت فيها حاصلاً على البكالوريوس في الطب سنة 1991، ثم التحقت بالدراسات العليا في طب الأسرة، وحصلت على الزمالة العربية والزمالة البريطانية في التخصص ذاته سنة: 1996، ومن ذلك الوقت التحقت بمدينة الملك عبد العزيز الطبية في الحرس الوطني، وأعمل فيها حاليا استشاريا في طب الأسرة وأستاذا مساعدا في جامعة الملك سعود بن عبد العزيز للعلوم الصحية في الحرس الوطني.

كنت من المؤسسين للجنة الطبية الإسلامية في الندوة العالمية الشباب الإسلامي متى بدأت الفكرة لديكم؟ وهل كانت لكم مشاركات إغاثية؟
في الحقيقة شرفت أنا ومجموعة من الزملاء ونحن في فترة الامتياز ـ أي عند تخرجنا ـ في كلية الطب بطرح فكرة تأسيس لجنة طبية تعنى بالعمل الطبي الإغاثي، ولاقت قبولاً عند بعض أساتذتنا في ذلك الوقت، ثم تأسيس اللجنة الطبية الإسلامية الحالية، التابعة للندوة العالمية للشباب الإسلامي, التي ـ ولله الحمد ـ لها أعمال طيبة في هذا المجال الإغاثي والإنساني.
وأذكر أن أول زيارة إغاثية طبية شاركت فيها وتم إيفاد وفد طبي كانت سنة 1413هـ، وكانت إلى زنجبار –تنزانيا، وبعد ذلك تبعتها عدة مشاركات وزيارات إلى أماكن مختلفة من العالم وكان لها آثارها في تخفيف معاناة إخواننا المسلمين في تلك البلاد، ووجدنا فيها حالات إنسانية كثيرة في حاجة إلى العلاج والعناية, والحمد لله, قدمت اللجنة آنذاك جهدها حسب المتاح لها .
ثم تكررت الرحلة إلى إفريقيا مرة أخرى ولكن كانت في المرة الثانية إلى تشاد, وأذكر أنه في رحلتنا إلى تشاد سنة 1415هـ رأينا مناظر مؤلمة للمجاعات، وحالة الفقر والمرض، خاصة بين الأطفال، وكانت مناظر لا تنسى، حيث في بعض الأماكن, ومع الأسف, مناطق المسلمين يمر الناس بأحوال وظروف صعبة جدا، حتى إنه من كثرة الموت لا يحزن الشخص على من يموت ولو كان أقرب الناس إليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الحياة الأسرية
لو انتقلنا إلى الحديث عن الحياة الأسرية ودور الوالدين في تربيتكم والتأثير الذي تركاه في حياتك؟
مما لا شك فيه أن الوالدين ـ حفظهما الله ورعاهما ـ لهما دور كبير في تربيتي وتربية إخواني وأخواتي، حيث إننا ولله الحمد عائلة ليست صغيرة، ومع ذلك قام الوالدان بوجباتنا خير قيام.
وعلى الرغم أيضا من أن الظروف المادية كانت متوسطة، أو أقل؛ لكن أشهد الله أنه كان لجهودهما الأثر الكبير في تربيتنا، والحال الذي نحن فيه الآن (أعني جميع أفراد الأسرة) من أبناء وبنات.
وأسأل الله العظيم أن يمد في عمريهما ويسبغ عليهما نعمتي الصحة والعافية.

هل هناك أحداث أو مواقف تذكرها لك مع الوالدين أو أحدهما؟
هناك مواقف كثيرة حصلت مع الوالدين في مجملها كانت تربوية، وأحيانا فيها بعض الحزم، خاصة من طرف الوالد، ولكنها كانت أيضًا مؤثرة وفاعلة.

كلها ماتعة
ماذا تحمل عن المرحلة الدراسية من ذكريات؟
المراحل الدراسية كانت كلها ماتعة، وذكرياتها جميلة، ودرست فترة قصيرة في قريتي، منها السنة الأولى الابتدائية، وأسابيع من السنة الأولى المتوسط، فقط، وكانت هذه الفترة جميلة، وكذلك الفترات التي قضيتها في الرياض، ودائما تجد الأمنيات والطموحات حاضرة في هذه المراحل, خاصة التي تسبق المرحلة الجامعية، وإذا وفق المرء في صحبة طيبة تكون الطموحات أكبر والتنافس كبيرا.

هل تذكر أحدا من زملاء الدراسة ما زالت علاقتك به متواصلة؟
الحمد لله لي أصدقاء وزملاء في جميع المراحل التعليمية ما زلت على اتصال بهم، وبعضهم من أصدقاء طفولتي، وأصدقاء العمر كما يقال ومن زملاء الدراسة الابتدائية عبد القادر الشمراني، والدكتور عبد الله الوهيبي، ومن زملائي أيضا أبناء عائلة أبوحية, ومن زملاء الثانوية الأخ إبراهيم النعمي, ومن زملاء المرحلة الجامعية الدكتور علي الغامدي، الدكتور علي عسيري, الدكتور وائل علي عسيري، والدكتور وائل طه، الدكتور أيمن حواري ، الدكتور سهل سلامة، والدكتور سلطان العتيبي.

هل تستمع إلى داعية معين؟
أستمع إلى كثير من الدعاة وطلبة العلم، ولكن الفائدة تختلف، فإذا أردت مثلاً الاستفادة العلمية أسمع إلى مجموعة معينة من المشايخ، وإذا أردت الفائدة الأدبية أو الاستمتاع فأستمع إلى مجموعة أخرى.
لكن بشكل عام هناك نخبة من العلماء الاستماع إليهم مفيد جدًا، منهم: الشيخ علي الطنطاوي ـ رحمه الله، والشيخ الدكتور عبد الكريم بكار، الشيخ محمد صالح المنجد، الدكتور عائض القرني، وغيرهم كثير ـ ولله الحمد.

ماذا تقول لهؤلاء:
الدكتور تركي المطيري: واصل اهتماماتك بالطب النبوي والإعجاز العلمي في القرآن والسنة النبوية المطهرة.
الدكتور مسعود الغامدي: ـ حفظك الله ورعاك ـ فقد تعلمنا منك كثيرًا، خاصة في التعامل مع الناس وتحفيزهم.
الدكتور خالد الدايل: أنت شعلة من النشاط, أسأل الله أن يحفظ عليك صحتك وأهلك, وأعرف أن لديك طموحات كثيرة أعانك الله وسددك.
الدكتور سلطان العتيبي: تعلمت منه أن التخطيط أساس النجاح وأن الإنسان لا بد له أن يعطي قبل أن يأخذ.
والدكتور عبد الله البرقان: رجل لا يملك ما في يديه.

هل ترى هناك إمكانية استفادة الطب الحديث من الطب النبوي من خلال إجراء الأبحاث على بعض الأحاديث النبوية التي استفاد من بعضها الغرب ولم تتحقق الاستفادة منها من قبل الأطباء المسلمين؟
الاستفادة من الطب النبوي ضرورية، خاصة ما صح من أخبارها، وهي من الوصفات الناجعة التي أثبت الطب الحديث فاعليتها، ولا شك أن الغربيين استفادوا من بعض ما جاء به الإسلام, خصوصا ما ورد في السنة النبوية وظهرت نتائج ذلك واضحة جلية، ونحن كمسلمين في حاجة ماسة إلى ذلك لكن ينقصنا الإمكانات والدعم لهذا التوجه, خصوصا لما ذكرت مسبقا ما صح عن المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ منها ونسأل العون .
#2#
أمر مختلف فيه
هناك من الأطباء من ينكر تلبس الأنسي بالجني ما رأيكم؟
تلبس الجني بالإنسي أمر مختلف فيه، وشائك جدا، وفيه اختلافات كبيرة؛ لكن الأمر البين الواضح أن هناك مبالغات كبيرة من قبل الناس، حيث يفسرون أي أمراض نفسية أو أحيانا عضوية بهذا السبب.

هناك من يتهم العمل الإسلامي بالعشوائية؟
مع الأسف هناك كثير من العشوائية وعدم التخطيط في العمل الإسلامي, لكن هذا ليس فقط في العمل الإسلامي، ولكن في كثير من جوانب حياتنا مع الأسف الشديد، حيث يغلب علينا استعجال النتائج، وعدم التفرغ، وعدم التركيز الكافي، والتخطيط لأعمالنا، ما يحدث نتائج ليست سلبية فحسب، بل عكسية في معظم الأحيان.

ما الموانع التي تقف حائلا دون قدرة العلماء والأطباء المسلمين على الابتكار والتطوير؟
بكل تأكيد الأطباء والعلماء والمفكرون المسلمون قادرون على التميز والتفوق والابتكار متى هُيئت لهم البيئة المناسبة وشعروا بقيمتهم، قيمة إنجازاتهم، وشعروا بالحرية والأمانة.
يجب على الأمة عامة والشباب خاصة ألا يفقدوا روح التفاؤل والإحساس بالثقة في النفس، وأن لهم ولأدوارهم قيمة عالية، وأهمية عظيمة لأن النجاح ينبع من الداخل والإنتاجية تبدأ بإحساس الشخص بأنه قادر ولديه ثقة بالنفس, وأن لهم ولأدوارهم قيمة عالية، وأهمية عظيمة لأنه ينبع من الداخل والإنتاجية تبدأ بإحساس الشخص بأنه قادر ولديه ثقة بنفسه وقدراته وقبل ذلك كله الاعتماد على الله والطلب منه سبحانه وتعالى التوفيق والسداد.

المواقف كثيرة:
ما اطلاعاتك وقراءتك خارج الإطار الطبي؟
في الحقيقة أحرص على التنوع في قراءاتي مثلي مثل كثيرين من الزملاء، فأحب قراءة سير الذاتية للقادة والمؤثرين من العصور السالفة ومن المعاصرين، لأن في سيرهم كثيرا من العبرة والمتعة، وفيها من الدروس والتجار الشيء الكثير.
فنجد في قصصهم أمثلة من الكفاح والصبر والشجاعة والكرم، وأيضا الدهاء وكيفية التغلب على الخصوم.
وعلى رأس هذه السير مسيرة المصطفى سيدنا ونبينا محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام وسير الخلفاء والأمة والقادة، وأستمتع أيضا بقراءة بعض كتب الأدعية والقصص التاريخية والروايات العربية والغربية، ولا سيما الروايات التي فيها الخيال العلمي لأنها تفتح ذهن القارئ إلى أفكار جديدة, حيث إن هناك من يقول إنه يمكن لذهن الإنسان أن يفكر فيه ويتخيله يمكن حصوله على أرض الواقع, كما ظهر أيضا في الآونة القريبة كتب عن الأدوات والتنظيم وتطوير الذات والتعامل مع الآخرين وفيها دروس علمية من هذه الجوانب المهمة في الحياة.

لا تخلو حياة كل منا من المواقف الخاصة فلعلك تذكر لنا بعضا من هذه المواقف التي مرت بك؟
المواقف كثيرة: وأذكر منها أنني في سنة الامتياز، وكنت حينها أتدرب في قسم العظام، أصيب أحد الشباب بحادث عبارة عن اصطدام سيارة، وكان يتفرج للتفحيط – أي كان متفرجا فقط - فأصيب بكسر في الحوض، وتمزق في أحد شرايين الساق من الخلف، وأدخل المستشفى، وكنت المباشر الأول لحالته، وفي خلال وجوده في المستشفى تعرض لمضاعفات كثيرة، وأدخل العمليات عدة مرات، وتعذب عذابا شديدا، وحصل له تسمم في الدم وأدخل العناية المركزة، ثم توفي ـ رحمه الله.
ومن المواقف الأخرى زميل وصديق أعتبره من أعز أصدقائي عندما تخرج في الزمالة وحصل على شهادة التخصص أصيب باكتئاب نفسي شديد، ومر بأيام صعبة، وكنت معه وقد بين لي أكثر من مرة أنه يتمنى أن يتعافى ولو كان الثمن شهاداته وكل ما يملك، رأيت من خلالها كيف أنه أحيانا لا قيمة للحياة ولا للشهادات ولا للنجاحات إذا فقدت الصحة. زميلنا هذا ولله الحمد تجاوز هذه الفترة الحرجة وعاد إلى حياته الطبيعية مثمنا لكثير من نعم الله علينا الظاهرة والباطنة.

يتفنن الغرب
العولمة ودورها في حياة الأمة سلبا أو إيجابا؟
يا أخي، كان الله في عوننا وعون أبنائنا، يتفنن الغرب في تزويدنا وانغماسنا فيما يلهينا، ويسهل مهمة الغرب أننا نتبع كل ذلك ونستهلك ما يعرض لنا بل ندفع أحيانا الغالي والنفيس لكي نقوم بإفساد أوقاتنا وأخلاقنا.
الأمة الإسلامية في حالة ضعف شديد، ضعف تقني، ضعف علمي، ضعف اقتصادي، ضعف عسكري، ضعف نفسي، ما يصعب علينا مقاومة المد المادي الغربي؛ لكن يجب علينا الهدوء والتفكير المنطقي وعدم الانحراف إلى كل ناعق، والعلم أن الخير لهذه الأمة، "ولكنكم قوم تستعجلون"، كما قال المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم، وعلينا بالتفاؤل دائمًا والعمل العلمي المنظم، وعدم الانسياق وراء عواطفنا.

بماذا تنصح الشباب للتصدي لمخاطر العولمة؟
الشباب هم عماد الأمة وأهم ثرواتها، وأهم ما أنصح به في هذا المجال هو دوام الاطلاع والتعلم وعدم الوقوف عند حد، وأيضا عدم الانسياق والانشغال بالأشياء التي لا قيمة ولا فائدة لها والملهيات التي تضيع الوقت والمال، كما أنصحهم بالهدوء وعدم الاستعجال لأن التسرع والاندفاع هما إحدى سمات الشباب, وقد يخلط هذه الصفات بالصفات الحميدة الأخرى المطلوبة مثل المبادرة والإقدام.

كلمة أخيرة: أشكركم على هذا اللقاء وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم إلى كل خير.

الأكثر قراءة