الحياة مدرسة واسعة ومتعددة المشاهد والمواقف وتحتاج إلى اليقظة والفطنة

الحياة مدرسة واسعة ومتعددة المشاهد والمواقف وتحتاج إلى اليقظة والفطنة
الحياة مدرسة واسعة ومتعددة المشاهد والمواقف وتحتاج إلى اليقظة والفطنة

الشيخ الدكتور خالد الخليوي أحد الدعاة الذين شقوا طريقهم في المجال الدعوي، وسط أرضية خصبة للدعوة، ومر في حياته الدعوية بعدة محطات، وهو الآن المشرف على معهد الصم والبكم، وله تجربة مع التأليف, لعل أبرزها كتاب (وتلك خواطري)، وللتعرف على مزيد من حياته الخاصة نترككم مع هذا الحوار.
حدثونا عن سيرتكم العلمية؟
أجيب عن هذا السؤال بكل اختصار وأقول:
درست المرحلة الابتدائية في مدرسة زهير بن أبي سلمى في حي الصالحية, وتخرجت في المرحلة المتوسطة في متوسطة ابن الجوزي في حي الروضة, وتخرجت في المرحلة الثانوية في ثانوية الملك فهد في حي الروضة, كذلك أخذت الشهادة الجامعية من كلية أصول الدين قسم السنة وعلومها, ويسر الله لي الدراسة في إحدى الجامعات الأمريكية المفتوحة لنيل درجتي الماجستير والدكتوراة, وقد كان المشرف علي في ذلك مشكوراً فضيلة الدكتور الكريم حسن بن محمد الحفظي, حفظه الله, وكانت الرسالتان في النحو والبلاغة والتفسير.

ما أبرز المحطات في حياتك؟
أبرز تلك المحطات محطتان :
المحطة الأولى: هي المحطة الجامعية التي أتاحت لي اللقاء بعشرات المشايخ والعلماء للنيل من علومهم وأخلاقهم وعظيم حرصهم على نشر العلم والدعوة إلى الخير, ومن أبرزهم فضيلة العلامة عبد الرحمن بن ناصر البراك, وفضيلة الشيخ صالح الأطرم رحمه الله, وفضيلة الشيخ فالح الصغير, وفضيلة الدكتور حسن الحفظي, وفضيلة الشيخ ناصر العمر, وهذه المرحلة هي الانطلاقة الحقيقية بالنسبة لي في طلب العلم, وكتابة البحوث وقراءة الكتب وممارسة الدعوة إلى الله.
وكانت الكلية آنذاك شعلة من النشاط للحرص الكبير من كثير من طلبة الكلية على استثمار قرب المشايخ والعلماء منهم.
المحطة الثانية: عملت أكثر من عشر سنوات مع إخواني الكرام من فئة الصم مدرساً لهم ثم وكيلاً للمعهد ثم مشرفاً فيه, فهي مرحلة زمنية مليئة بالغرائب والطرائف والمعاناة أيضاً.

كيف تنظر إلى مرحلة الطفولة وطريقة تربية الوالدين؟ وما الأثر الذي تركه والداك في حياتك؟
إن من أبرز الصفات التي كان لها الأثر العظيم لوالدي ـ رحمة الله عليه, ولوالدتي شفاها الله, قربهما النفسي إلي وإلى بقية إخواني وأخواتي, فلم تكن هناك حواجز حقيقية ولا وهمية بيننا, فاللقاء معهما كثير, والحديث إليهما ومنهما حاضرٌ بشكل كبير, بل يكاد لا يخلو لقاء من مزاح, يقرب الأرواح ولا يفسد النفوس, وهذا بدوره أوجد جواً صحياً, واطمئناناً نفسياً, ساعد ـ بحمد الله ـ بسير معتدل في تربيتنا.. فيا رب ارحمهما كما ربيانا صغاراً.

ما مدى الاستفادة التي خرجت بها من مدرسة الحياة؟
الحياة مدرسة واسعة, ومتعددة المشاهد والمواقف, لكنك تحتاج إلى أن تكون يقظاً وفطناً في الوقت نفسه لتستفيد أكبر قدر ممكن منها, فحاول أن تأخذ من كل أحد تقابله الشيء الذي يتميز به.
واجعل ما تتعثر به هذه الحياة سلّماً تصعد به إلى المعالي, واسأل عن كل ما أهمك من أمر دينك وما ينفع من أمر دنياك, فإنما شفاء العي السؤال .. واعلم أن الوصول إلى المعالي لا يأتي دفعة واحدة, وإنما هو خطوات بعد خطوات, وبناء على ذلك فقد استفدت فوائد عظيمة من هذه الحياة, أهمها: أن في هذه الحياة فرصة قد عرفنا متى بدأت, ولا نعرف متى تنتهي, يجب أن نملأها بكل ما تسرنا رؤيته يوم القيامة.

خلال مسيرتكم العلمية من هم أبرز المشايخ الذين تتلمذت عليهم؟ ومن هم أبرز زملاء الدراسة الذين تذكرهم؟
بحمد الله وتوفيقه ومنّته استفدت كثيرا من الكثير، وليس المهم دائماً أن تكون الفائدة علمية فقط, فما يحتاج إليه الإنسان في مسيرته أوسع من العلم وحده .. فبعض أساتذتي أخذت منه العلم وبعضهم أخذت منه جمال أخلاقه, وآخرون أخذت منهم طريقة تفكيرهم, وغيرهم استفدت منه شمول معرفتهم, وهانذا أذكر بعضهم:
فضيلة العلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك .. الذي درست عليه نحو 20 عاماً (ومازلت) ولله الحمد والمنّة أستفيد من علمه وأخلاقه وحنكته وذكائه.
سعادة الدكتور حسن بن محمد الحفظي .. فقد درست عليه النحو من كتاب "شرح قطر الندى " حتى نلت منه – ولله الحمد والمنّة – الإجازة في تدريس النحو, فيا ربّ أحسن إليه كما أحسن إلينا.
سعادة الدكتور إبراهيم بن مبارك الجوير، فهو القريب من قلبي والقريب من داري, فكم استفدت من شمول ثقافته وإتقان تخصصه في علم الاجتماع, فضلاً عن دماثة خلقه وطيب تعامله ..
فضيلة الشيخ أحمد بن سليمان الجردان الذي كان له الأثر الكبير في مسيرتي الدعوية, واكتساب المهارات الأولى في طريق العلم والبلاغ.

كيف واجهت الناس لأول مرة في كلمة أو محاضرة .. صف لنا ذلك الموقف؟
نعم كان هاجساً عظيماً .. ينتابني بين الحين والآخر .. متى أستطيع أن ألقي على الناس كلمة كما يفعل غيري, فالوقوف أمام الناس ومواجهتهم ليس بالأمر اليسير, خاصة في بداية الأمر, لكنه أمر لا بد منه في نهاية المطاف, فالقدرة على الحديث أمام الجمهور هي مهارة أساسية يجب العناية بها سواء على مستوى المؤسسات التربوية والتدريبية أو على مستوى المدارس والبيوت, فكم ظُلِم أناس, وهُضِمت حقوق آخرين, وضَعُفت أفكار, وانحسر الخير بسبب ضعف هذه المهارة.
وعوداً إلى أصل السؤال, فأنا لم أتدرّب على القدرة على الحديث أمام الجمهور إلاً متأخراً, وذلك في السنة الثانية من الجامعة حيث شجعني بعض المشايخ على ذلك, وما زالوا بي حتى أعددت كلمة مختصرة, ثم حفظتها, ثم هربت دون علم أحد إلى أحد المساجد البعيدة عن حيّنا, فصليت معهم المغرب ثم ألقيت الكلمة مستعيناً بربي, وما إن انتهيت حتى شعرت وكأن طوداً عظيماً قد انزاح عن ظهري, وفرحةً عظيمة ملأت قلبي من أجل هذا الانتصار العظيم, لكن أرجو ألا يسألني أحدٌ عن السورة التي قرأها الإمام في الصلاة .. ولا عن ماذا قلت في الركوع والسجود بسبب انشغال الفكر بمراجعة الكلمة, ومحاولة تثبيت الأعصاب وتخفيف اضطراب الرجلين أثناء الصلاة.

هل لكم موقع على الشبكة العنكبوتية؟ كيف بدأت فكرة الموقع؟ وهل هو متخصص في جانب معين أم أنه موقع عام؟
"موقع الإحسان" هو الموقع الذي أشرف عليه, وسيخرج على الساحة الإلكترونية ـ بإذن الله تعالى ـ بعد شهرين تقريباً, وهو موقع عام يُديره المهندس إياد الصغير ـ حفظه الله تعالى, وبدأت فكرة الموقع بشكل جاد قبل سنتين تقريباً, فنحن نريد مشاركة غيرنا في بثّ الخير, وكذلك نريد إشراك كثير من القدرات في نفع الناس من خلال هذا الموقع.

يرى بعض المتابعين أن التسابق على إنشاء مواقع إسلامية لا ينظر أصحابه إلى المضمون والجوهر بل فقط اهتمامه بالمظهر؟
هذا صحيح إلى حدٍّ ما .. وإلاً فهناك مواقع قويّة فرضت نفسها في الساحة الإسلامية, على رأسها موقع الإسلام اليوم, ورسالة الإسلام, والمسلم, ولها أون لاين, وقافلة الداعيات, وكذلك موقع دعوتها .. وأرجو من الله أن يكون موقع الإحسان أحد هذه المواقع المباركة.

#2#

هناك من يرى أن المواقع الإسلامية صورة كربونية بعضها لبعض وليس فيها تميز؟
لا شك أن الساحة في حاجة إلى برامج جديدة أو على الأقل إلى طرح جديد, ومع ذلك أقول إنه لا مانع من تكرار بعض الجهود الإعلامية أو غيرها حتى ولو كانت بالصورة نفسها, فالساحة في حاجة إلى الجهدين معاً .. التجديد من جهة والتكرار من جهة أخرى.

هناك من يركز على التصنيفات المنهجية للإسلاميين ووجود صراعات على الأسماء والانتماء لفئة دون أخرى، وهذا أوجد الحزازيات بين أصحاب الهم الواحد ومحاولة إقصاء الآخر .. ما رأيكم؟
إنه لجميل أن يعرف الإنسان المدارس العلمية والدعوية والفكرية الموجودة في الساحة العملية داخل دائرته الإسلامية .. لكن الأجمل من ذلك ألاّ يشغله هذا عن تعلم أمور دينه وكيفية عبادته لربه, وألاّ يقعده ذلك عن دعوة الناس إلى الخير وتحذيرهم من الشر, وأجمل منه أيضاً ألاّ يعتقد أن الحق حليفه دائماً وأن الباطل حليف غيره, وهذا بدوره يعطيه مساحة من الحوار مع الآخرين من إخوانه لإفادتهم والإفادة منهم .. ومن الخطير في هذا الباب أن ننشغل بأنفسنا بشكل ينسينا عدونا المشترك المتفق عليه ..
ونصيحتي الأخيرة لي ولإخواني ألاّ يدخل في هذا الباب إلاّ من هو قارئ ومتأمل في سيرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومستحضر لمعالمها الأساسية والتفصيلية حتى لا يحيد عن الصواب, فالظلم في هذا الباب كثير، والظلم ظلمات يوم القيامة.

فتور عجيب أصاب الصحوة الإسلامية شهد نكوص عديد من أبنائها وتغير مواقف بعض الدعاة بين التشدد والتساهل .. إلى ما تعزو ذلك؟
يمكن أن أعزو هذا الفتور إلى مجموعة من الأسباب:
ضعف الإيمان بالله سبحانه وتعالى ..
الفهم الخاطئ أو الضيق لحقيقة الاستقامة والالتزام.
الالتفات إلى البرامج العلمية والدورات التثقيفية والأحداث السياسية على حساب البرامج التي تتعلق بالقلوب وتزكية النفوس وتصفية الأرواح والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه" .. وجود بعض القدوات الذين تساهلوا من خلال طرحهم الإعلامي بدافع وجود الخلاف الفقهي في كثير من المسائل مما كان له الأثر السلبي في كثير من المستمعين والمتلقين الذين بدأوا
في التساهل بما فيه خلاف, حتى وصلوا إلى الحرام الذي لا خلاف فيه.

الهجوم المتواصل على نبي الرحمة وجد مواقف حماسية مؤقتة لكنها لم تصل إلى العمل المتواصل المبرمج المنظم الذي يمكن استثماره لخدمة الدين والدفاع عن نبي الرحمة بما يؤثر في الآخرين إلام ترجع ذلك؟
لا أحب أن يكون حديثنا دائماً هو مجرد اللوم والمطالبات, وكأننا ننتظر من غيرنا أن يعملوا وأن يقدموا على أحسن وجه وأتم صورة، أما نحن فليس علينا إلاّ التقييم وإصدار الأحكام, وإني لأظن أن العاملين في ميدان الدعوة سواء كانوا من علماء الشريعة أو من غيرها قد أدركوا أن العمل يجب أن يكون مدروساً وثابتاً وله أهدافه القريبة والبعيدة, وليس العيب على أن يكون لنا ردود أفعال أمام الأحداث المتلاحقة والمتغيرات الجديدة ضدّ ديننا ونبينا ـ صلى الله عليه وسلم وإنما العيب حينما تتوقف جهودنا وتنتهي آمالنا مع نهاية الحدث, وما هي إلاّ أيام أو شهور فيحصل حدث آخر فننشغل معه وننسى كل ما فكرنا فيه وعزمنا عليه عند الحدث الأول .

ما رسالتك المختصرة إلى أختك المسلمة؟
ألخصها في النقاط التالية :
تذكري دائماً أن سعادتك الحقيقية في يد ربك ـ عز وجل ـ ولن تناليها إلاّ برضاه وإصلاح العلاقة معه .. اعلمي أسعدك الله أنه ليست كل الأمور تصلح للتجربة, فهناك أمور خطيرة تجربتها تعني الهلاك المحقق, ومنها ( المخدرات والعلاقات المحرمة ) وليس هناك أمرُّ من الندم بعد فوات الأوان.
كوني ذكية أمام ما يراد منك في خدمة دينك, وكوني أذكى أمام ما يراد بك من جهة أعدائك, وأيقني أنه لن يرحمك أحدٌ كما رحمك الله سبحانه وتعالى بهذا الدين وتشريعاته لك, فتمسكي بها تفلحي وتسعدي في الدنيا والآخرة ..
تذكري أن هناك عشرات المجالات التي يمكن للمرأة أن تنافس فيها الرجل في خدمة الدين الحق, وتقديم الخير لعباد الله تعالى ..

ما أبرز الحكم التي ما زالت عالقة بذهنك؟
من أجمل الحكم تلك الحكمة التي تقول: كما أنه جميل وواجب أن تموت من أجل دينك, فلعله أجمل وأوجب أن تحيا من أجله.
من أطرف الحكم تلك الحكمة القائلة: أفضل أنواع الرجيم أن تتوقف عن أكل لحوم الناس وحقوقهم.
من أعمق الحكم تلك الحكمة القائلة: إنّ آمن مكان للسفن هو الميناء, لكنها لم تصنع لتبقى فيه.. فكذلك الدعاة والمصلحون يُمكنهم أن يبقوا في بيوتهم ويسلموا من كثير من الأذى لكنهم لم يخلقوا لذلك.

ما أكثر إصداراتك التي تشعر برضاك عنها بشكل أكبر؟
بحمد الله تعالى أنا مرتاح لجميع ما أصدرته وخاصة كتاب (وتلك خواطري) وكذلك شريط (معا لتربية العقل) وشريط ( قرة العيون ).. وعسى أن ييسر الله من أهل الخير من يزيد في نشر هذه الإصدارات, وأن يبارك فيها.

الأكثر قراءة