الطفل الأول والصبر على البلاء أعادا زوجتي إلى الصواب

الطفل الأول والصبر على البلاء أعادا زوجتي إلى الصواب

زوجني والدي من ابنة صديقه, تلك الفتاة الهادئة الوديعة التي طالما تمنيت أن أرتبط بها رغم أني لم أرها إلا مرات قليلة عند زياراتهم لنا في بيتنا الكبير· كانت صغيرة السن يوم خطبتها ولمست فيها حياء جميلا وأدبا رفيعا لم أره في فتاة من قبل, وبعد عدة شهور تم الزواج.
عشت معها عدة أيام في نعيم مقيم, وفي اليوم الخامس تقريبا وبعد أن انتهى الطعام الذي كان مخزنا لدينا, فاجأتني بصوتها الهادئ أنها لا تعرف أي شيء عن الـطبخ, فابتسمت وقلت لها: أعلمك· فاختفت ابتسامتها وقالت: لا, قلت: كيف لا؟ فكشرت وقالـت بحدة: لن أتعلم·

"لم يكن من الصعب أن أكتشف أنها كانت تدعي الرقة والوداعة, وأن صوتها هذا الذي كان سببا في إعجابي بها كان يخفي من خلفه نفيرا أعلى من نفير أي قطار "ديـزل" على وجه الأرض· لقد أصبح كلامها كله لي أوامر عصبية متشنجة· ولم تعد تهـدأ إلا إذا هددتها بالاتصال بأبي فتعتذر بشدة وتؤكد أنها لن تعود إلى هذه الأفعال· سألت والدتها عن أمرها هذا· فقالت وهي تكاد تبكي: إن ابنتها أصيبت بصدمة عصبية في طفولتها أفقدتها الاتزان وجعلتها تثور لأقل سبب· لم أقتنع, وسألتها لماذا لا تهـدأ ولا ترتدع إلا أمام أبي؟ فأخبرتني أنها منذ طفولتها كان كثـيرا ما يعطف عليـها ويـأتي لها بالحلوى واللعب, ومن أيامها وهي تحبه وتحترمه أكثر من أي إنسان آخر. يا إلهي .. إن والدي كان يعلم بحالتها ولم يخبرني! لماذا فعل أبي ذلك معي؟".

قبل أن أفاتح أبي أني سأطلقها فورا قدر الله أن أستمع في المذياع إلى حديث لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول فيه "إذا أحب الله قوما ابتلاهم فمن رضي وصبر فله الرضا ومن سخط فله السخط" نزل الحديث على قلبي كالماء البارد في يوم شديد الحرارة· فعدلت تماما عن فكرة الطلاق وفكرت أن هذه هي فـرصتي الذهبية كي أنال رضا الله ـ جل وعلا ـ بعد أن أذنبت في حياتي كثيرا, وقررت أن أصبر على هذه الزوجة عسى أن يصلحها الله لي مع مرور الوقت.

تحملت الصراخ الدائم في المنزل, وكنت أضع القطن في أذني فكانت تزيد من صراخها في عناد عجيب· هذا إلى جانب الضوضاء التي لا تهدأ في الشارع الذي نسكن فيه حيث توجد أكثر من أربعة محال لإصلاح هياكل السيارات· ولأن عملي يتطلب هدوءا في المنزل· فقد كدت أفقد عقلي أمام هذا السيل الصاخب من الضوضاء· ولكن حديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي كتبته أمامي على الحائط بخط جميل ـ كان دائما يمدني بشحنة جديدة من الهدوء والصبر, وكان ذلك يزيد من ثورة زوجتي· وهكذا استمرت أحوالنا شهورا طويلة كادت تصيبني فيها صدمة عصبية أشد من تلك التي أصـابتها· أصبح الصداع يلازمني في أي وقت, وأصبحت أضطرب وأتوتر جـدا لأي صوت عال ونصحني إمـام المسجد المجـاور لبيتي ألا أدع دعاء جاء في القرآن الكريم وهو "ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إمـاما" حتى رزقنا الله بطفلنا الأول وكان من نعمة الله علينا في منتهى الهدوء لا يكاد يصدر منه صوت! بكاؤه حالم كأنه غناء, وكأن الله عـوضني به عن صبري خيرا· وفرحت به زوجتي جدا ورق قلبها وقل صراخها, وأيقنت أن همّي سيكشفه الله بعد أن رزقنا بهذا الابن الجميل.
والآن وبعد طفلنا الثاني تأكدت من تخلص زوجتي تماما من أي أثر لصدمتها القديمة·

الأكثر قراءة