في مكة المكرمة .. تكامل النقل العام مع المشاعر والقطار السريع إلى المدينة بات مطلبا ملحاً لتحقيق الفاعلية
أبهج صدور المسلمين موافقة خادم الحرمين الشريفين على استكمال الدراسات التخطيطية والإنشائية والتشغيلية للقطارات الكهربائية السريعة بخطوطها الخمسة للمشاعر المقدسة لتشييدها بمبلغ 20 مليارا، لتقف وتتكامل مع المشروع الناجح للحافلات الترددية بمراحله الخمس في منطقة المشاعر المقدسة. وهذا يجسد الاهتمام المتواصل للحكومة الرشيدة بشؤون الحرمين ورفاهية المواطن والزائر. وهي بادرة غير مستغربة ممن فضل إطلاق لقب "خادم الحرمين الشريفين" على لقب جلالة الملك، وترجمها على أرض الواقع بمشاريع يلمسها ضيوف بيت الله من جميع أصقاع الأرض لأداء الحج، مستشعراً بذلك قدسية بيت الله العتيق ومؤكدا التزام الدولة بمنهج التشرف بخدمة الحرمين والوقوف على احتياجات ورعاية مصالح ضيوف الرحمن. وهذا الاهتمام ماثل للقاصي والداني من خلال عشرات المليارات المنفقة خلال عقود متعاقبة، خدمة لضيوفها وإظهاراً لقدسيتها.
وليكتمل النجاح لهذا المشروع الطموح، وتتحقق الاستفادة القصوى من حجم الاستثمارات الضخمة فيه، تمنيت ألا تقتصر الدراسة على المشاعر المقدسة وربطها فقط بمنطقة الحرم الشريف بل تتبنى رؤية أشمل من خلال التوسع في نطاق الدراسة لتشمل مكة المكرمة - المربوطة بمشروع القطار السريع (مكة -جدة - رابغ - المدينة) - ليتسنى استثمار مشروع قطارات المشاعر طيلة العام ومن ثم يحصل التكامل بين جميع وسائط النقل العام للمشاعر ومكة والمحافظات. والواقع يملي ويؤكد ذلك حيث إن مكة والمشاعر مترابطتين ومتلازمتين لا ينفك أحدهما عن الآخر حتى عند تخطيط النقل العام، ولا يمكن بحال من الأحوال فصل قصة النقل العام للمشاعر عن العاصمة المقدسة فالأول يؤثر ويتأثر بالثاني والعكس صحيح . لذا أود الإشارة هنا من جديد إلى مقالي السابق "الطفرة الاقتصادية تدعم الحاجة للنقل العام في مكة والمشاعر". للتأكيد على حاجة مكة المكرمة للنقل العام بجانب المشاعر المقدسة. تلك الحاجة الملحة التي أدعو إليها ليست رأيا شخصيا أو وجهة نظر عابرة. بل هي نتاج تجارب عالمية حديثة في النقل العام تدعونا للتأمل من جديد في مشروع النقل العام في المشاعر المقدسة. فالدراسات والتجارب تمحور أسس نجاح النقل العام وتحصرها في الغالب في ثلاث نقاط رئيسية:
1. إنشاء شبكة متكاملة تغطي الوجهات الرئيسية في المدينة ومربوطة بوسائط النقل الخدمية الأخرى.
2. تقديم مستوى عال، وخدمة راقية، وتقاطر منتظم، ووثوقية عالية.
3. إنشاء هيئة للنقل العام ووضع نظام تذاكر متكامل وبتسعيرة معقولة.
وباستعراض إحدى أبرز التجارب العالمية الناجحة والمقاربة لمكة عمرانياً من حيث الكثافة السكانية العالية وقصدها على مدار العام وطبيعتها الجبلية وكثرة العمائر السكنية في أغلب أجزاء المدينة تقف مدينة زيوريخ السويسرية على رأس المدن المرشحة للتأمل واستخلاص الدروس. ليس لتشابه الظروف فحسب بل لما حققه نقلها العام من قصة نجاح وصل صداها أصقاع الأرض، وتطلعت هيئات تخطيط المدن والعلماء للوقوف على تجربتها، حتى أن أحد المهتمين بالنقل العام أوصى "بالذهاب لزيورخ" للاطلاع على نقلها العام العملاق المنفرد عالمياً بالنجاح منقطع النظير.
هذه التجربة أقدمها لكل مُحبط أو متشائم من الاستثمار في النقل العام، وأهديها لأي متظاهر بأهمية الطرح فقط بالدعوة لمترو الأنفاق المرفوضة بشدة لتكلفتها الاقتصادية الباهظة بجانب أسباب أخرى تتسبب في رفض الفكرة جملة وتفصيلاً وبذلك يستمر تشييد الطرق وهذه حيلة لم تعد تنطلي على المسؤولين ومتخذي القرار والمفكرين والمواطن الواعي الذين أدركوا وأخذوا من تجارب الآخرين الدروس والعبر. وبالرغم من أن النظرة القاصرة الداعية إلى ألا يزاحم النقل العام المركبات الخاصة لضيق الطرق خصوصا في مكة كانت هي النظرة السائدة لسنوات طويلة ماضية. حان الوقت لرفض هذا الطرح جملة وتفصيلا كما رفضتها معظم المدن المتقدمة. فمدينة زيوريخ السويسرية على سبيل المثال لا الحصر وهي المشابهة لمكة في تكوينها العمراني جعلت الأفضلية على طرقها وعند تقاطعاتها وإشاراتها تكون لمسارات القطارات الكهربائية والحافلات أما المركبات الخاصة فهي موجهة للاستخدام الشخصي وأهميتها أقل. ولذا فقيادة المركبة الخاصة في زيوريخ يعني دائما الافضلية للمشاة والتوقف عند التقاطعات للنقل العام، والانتظار خلف الحافلات وانتظار مرور الترامات (قطارات كهربائية)، وعدم اختراق المجاورات السكنية (الأحياء)، ودفع رسوم باهظة لمواقف السيارات.
والمفارقة الغريبة لمدينة زيوريخ السويسرية كانت في السبعينيات الميلادية حيث بعد التداولات بين الجهات الحكومية على المستويين الوطني والإقليمي والمحلي طرح مشروع المترو (قطار كهربائي تحت الأرض) للتصويت عليه من قبل سكان المدينة حسب ما جرت عليه العادة عند تجاوز قيمة المشروع مبلغ عشرة ملايين فرانك سويسري (33 مليون ريال سعودي). فكانت المفاجأة عندما رفض سكان المدينة الاقتراح وبشدة، ولكن ليس للاستمرار في استنزاف الثروات ببناء الطرق بل لبناء مزيد من خطوط النقل العام على سطح الأرض بدلاً من باطنها وتسيير القطارات الكهربائية والحافلات السريعة متكاملة مع الأنشطة التجارية على امتداد الشوارع وفي متناول الجميع ويسهل التعرف عليها واستخدامها معلنة بذلك الأفضلية على الطرق للمشاة ثم للنقل العام وأن تبقى مساحة إضافية فستكون للمركبة الخاصة. وأعطى سكان المدينة السبب المتمثل في أن الذي ينبغي عليه التنقل تحت الأرض هم مستخدمو المركبات الخاصة لان المصلحة العامة تقتضي الأولية لمستخدمي النقل العام والرفاهية لهم. وسند هذا المقترح التكلفة الباهظة لقطار الأنفاق (المترو) المتمثلة بعشرة أضعاف تكلفة القطار الكهربائي على سطح الأرض. وبذلك شيدت المدينة أفضل نظام نقل عام على وجه الأرض ومازالت مستمرة في تطويره لإيمانها أن حل الازدحام المروري لا يكمن في تشييد مزيد من الطرق بل بتخصيص أجزاء من مسارات الطرق للنقل العام وإعطاءها الأولوية في جميع الحالات. وقد يتساءل القارئ المتأمل: ترى هل شُيدت طرق مدينة زيورخ تحت الأرض؟ (الجواب: نعم!!!)
هذا ما حدث لفترة وجيزة حيث شيد فيها جزء لأحد الطرق السريعة تحت المحطة الرئيسية للقطار في المدينة، ليتم وصله في المستقبل ولكن إصرار سكان المدينة على الأفضلية للاستثمار في النقل العام أوقفت استنزاف المبالغ بالطرق والتركيز على النقل العام ومازال جزء الطريق المشيد تحت الأرض تاريخ تفخر المدينة وسكانها بإيقافه وتعطيله وعدم استكماله إلى اليوم! وهذه زيوريخ بعد عقود قليلة من الزمن ورغم ارتفاع ملكية السيارات فيها المقاربة 350 سيارة لكل ألف شخص (250 سيارة لكل ألف شخص في مكة) تمتلك أفضل نظام نقل عام عالمي يحمل 60 في المائة من الرحلات وسط المدينة والبقية غالبها على الأقدام و40 في المائة من الرحلات على أطراف المدينة و20 في المائة على مستوى الإقليم (علما بأن نصيب النقل العام لمعظم مدن المملكة لا يتجاوز 2 في المائة).
والسؤال المطروح اليوم: كيف نجحت مدينة زيوريخ في تحقيق ذلك، وما علاقته بتقديم النقل العام لمدينة مكة المكرمة؟ والجواب يبدأ من التشابه العمراني الكبير بين المدينتين، فزيوريخ تتمتع بكثافة عمرانية عالية - ومكة كذلك - وهذا ما ضمن لها نسبة كبيرة من السكان على محاور النقل العام. زيوريخ تملك وسط مدينة قويا جاذبا - يماثله بل يتفوق عليه في القوة المنطقة المركزية لمكة - ساعدها في تصميم شبكة إشعاعية لوسط المدينة بالترام (القطارات الكهربائية) يسانده أسطول كبير من الحافلات يجوب الأحياء ومتكامل مع الترام. كما أن الطبيعة الجبلية لزيوريخ تحد من توسع المدينة - ومكة كذلك - ولذلك استثمرت بالنقل العام وربطته بالمشاريع العمرانية الضخمة النابعة من التجديد والتطوير العمراني حيث تُزال المصانع والمناطق المتدهورة من وسط المدينة وأطرافها ويشيد بدلا منها شقق ومجمعات سكنية ومكاتب واستخدام تجاري وهذا ما يحدث الآن بمكة ويفتقد نقلا عاما فاعلا يربط هذه المجمعات بمركز المدينة، حتى بلغ الأمر في بعض مطوري عقار مكة أن طلبوا دراسات نقل مستقلة من مكاتب عالمية لربط استثماراتهم بالحرم والوجهات الرئيسية للتنقل على مستوى المدينة بالنقل العام.
من هنا أناشد المسؤولين بقيادة باني نهضتنا خادم الحرمين الشريفين صاحب الرؤية الثاقبة، وناذر نفسه لخدمة الحرمين والوقوف على احتياجات ومصالح ضيوف الرحمن، لتوفير نظام نقل عام للعاصمة المقدسة مكمل لقطارات المشاعر المقدسة التي حظيت بموافقته الكريمة. والنداء موجه أيضا لأمير منطقة مكة المكرمة الطموح للمشاريع الريادية ليقف على دراسات ومشروع النقل العام العملاق ويجعله معلماً يليق ومكانة بيت الله العتيق. فسموه الكريم صاحب تجربة رائدة في التنمية الإنسانية والعمرانية وذو تطلع لخدمة المجتمع، وأن الاعتبارات الاقتصادية ليست حجر الزاوية في جميع القرارات التي يتخذها والرؤية التي يرسمها، بل هناك اعتبارات استراتيجية اجتماعية وإنسانية تتغلب عليها، أضف إليها قدسية بيت الله العتيق وضيوفه ودور المملكة المتواصل في التشرف بخدمتهم.
كما أذكر المتخصصين في الدراسات والتطوير وأصحاب القرار، بعناصر مهمة اتفق عليها الممارسون للنقل العام في الدول المتقدمة لا بد من العمل بها حتى نمتلك نقلا عاما ناجحا قادرا على تحقيق الكفاءة العمرانية والاستدامة البيئية والعدالة الاجتماعية. والذي لن يأتي إلا من خلال: تبنّي استراتيجية أولوية الاستثمار بالنقل العام، ضمان تقديم النقل العام كجزء أساسي متكامل مع استراتيجية التطوير الحضري للمدينة، إنشاء هيئة نقل عام خاصة بمكة والمشاعر ومتكاملة مع هيئة التخطيط الحضري، التعامل مع الكثافات العمرانية ووجهات الرحلات، توظيف وسائط نقل عام متعددة ومتكاملة لتوفر شبكة فاعلة ومتعددة المقاصد من حيث الوقت والوجهة، الاستثمار بتطوير وترقية وتوسيع خدمة النقل العام بالضواحي السكنية كما على الخطوط الرئيسة.
وبذلك ستحقق مكة والمشاعر المقدسة - بإذن الله - أهدافها التي رسمت لها بأن تكون عاصمة دائمة ونتمكن من تأكيد شعار ميزانية هذا العام للمملكة "تعزيز التنمية المستدامة". ولكن إن أرادنا أن تعم التنمية المستدامة جميع المدن السعودية فعلينا ترجمتها في الميزانيات السنوية كمخصصات ثابتة للنقل العام موازية للطرق. واليوم وزارة المالية ترفع شعار التنمية المستدامة في ميزانيتها، ترى كم نصيب دراسات ومشاريع النقل العام مقارنة بالطرق؟ وأترك للقارئ الإجابة ليطلع على تفاصيل الميزانية ويحكم بنفسه.. سائلاً الله أن ييسر لحجاج بيت الله الحرام أداء نسكهم.