أهداف القائد الناجح: رفاه مجتمعه وكرامته وأمن بلاده واستقرارها

أهداف القائد الناجح: رفاه مجتمعه وكرامته وأمن بلاده واستقرارها

استعرضت الحلقة الأولى من كتاب "الأمير الحديث: ماذا يحتاج القادة أن يعرفوه حاضرا", التحديات التي تواجه القيادة في بداية القرن الواحد والعشرين وخصوصا في البلدان الديمقراطية الليبرالية. وفي ذلك الجانب طرح المؤلف كارنيس لورد 275 صفحة، الناشر: جامعة ييل عام 2003 عدة تساؤلات، من أهمها تساؤل رئيسي هو: ماذا يجب أن يعرفه السياسيون ليقودوا بلدانهم بفاعلية في وقتنا الحاضر؟
وفي الحلقة الثانية والأخيرة اليوم, يطرح المؤلف اسم الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن مؤسس الدولة السعودية الحديثة, كنموذج للقيادة المحنكة وذلك في سياق تناوله الرواد المؤسسين للدول. ويحدد المؤلف أربعة أهداف للقائد الناجح هي: رفاه وسعادة المجتمع, تحقيق الأمن الداخلي والخارجي, الاستقرار السياسي, والكرامة والشرف لشعبه.
ويحتوي الكتاب على 26 فصلا، تطرقت في موضوعاتها إلى جوانب تهم القائد السياسي الحديث، منها: الدولة، النظام السياسي، إدارة النخبة؛ وكذلك الأدوات التي من المفترض أن يستخدمها السياسي كالإدارة والقانــون، التعليم الثقافة، الاقتصاد، الدبلوماسية، القوة العسكرية، الاستخبارات، الاتصالات؛ إضافة إلى موضوعات أخرى ذات صلة بالسياسات، الاستراتيجية، التخطيط، وإدارة الأزمات.

في فصل عن الرواد المؤسسين للدول يبرز لورد سمة متميزة للعلوم السياسية الميكافيلية من حيث النظرة إلى أن الأمراء المؤسسين للدول يواجهون تحديات جوهرية مقارنة بالأمراء الوارثين للملك وذلك راجع إلى أن التأسيس يتطلب ممارسة مستوى عال من المهارة السياسية في إنسان فريد في تفكيره وشخصيته؛ ويعتبر ميكافيللي أن فعل التأسيس للدول قمة فن الحكم وإدارة شؤون الدولة، (وهنا يحضرني شخصية الملك عبد العزيز كمثال ساطع على هذه المقولة).
ويعتبر لورد "ميكافيللي" من أوائل المفكرين الذين تأملوا في السياسة من زاوية ما يدعي بالثورية. ويستخدم لورد صفة الثورية لتوجيه المدح وليس النقد لميكافيللي وذلك لقدرة ميكافيللي على لفت النظر لجوانب في فن الحكم تم تجاهلها أو فهمها بشكل هزيل. ويجد أن بعض السياسيين العظماء إما ثوريون بشكل أو آخر أو أنه كانت لديهم المهارة الكافية في خلق واستغلال أوضاع ثورية؛ ويضرب مثلا بسيمون بوليفار ونابليون بونوبارت ولينين وماوتس تونغ وموسوليني وهتلر. بل ويضيف إليهم رجال دولة ذوي صبغة تقليدية ومحافظة أشرفوا على تحولات ثورية في بلدانهم وتصدروا قيادتها مثل الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية وبسمارك والملك فيكتور إيمانويل الثالث وإصلاحي الميجي في اليابان، ومصطفى أتاتورك وهيلي سيلاسي (وبالتأكيد أضيف إليهم الملك عبد العزيز)، ولكن ما يميز الثوريين المحافظين مثل الآباء المؤسسين لأمريكا أنه لم يكن لديهم أيدلوجية ثورية بل وآمنوا أنه من الممكن إحداث التغيير من خلال الحوار والتشاور العقلاني والإجماع وليس من خلال قوة البطش والإرهاب.
ولكن ما هو المتطلب الرئيسي في القائد المؤسس بالنسبة لميكافيللي؟ يحصر ميكافيللي الإجابة – طبقا لما أورد لورد في كتابه - في شيئين يجب توافرهما وهما قانون جيد وسلاح جيد. ورغم أن القانون والسلاح يكملان بعضهما البعض إلا أن ميكافيللي يعطي لتوافر السلاح الأولوية، حيث إن هناك، طبقا للورد، إجماعا لدى المراقبين لأحوال الأمم والدول وخصوصا في الأدبيات اليونانية الكلاسيكية أنه من الممكن للبشر أن يحكموا من قبل الآخرين ضد ميولهم الطبيعية. ويستنتج القارئ من شرح لورد لميكافيللي بأنه لا يمكن وجود قانون من دون سلاح ولكن ممكن وجود قوة عسكرية من دون قانون؛ وأنه أيضا بوجود السلاح يمكن تغيير قوانين اللعبة السياسية، وفي هذا الإطار يكمن تأكيد ميكافيللي على ضرورة اكتساب القائد المؤسس لفنون الحرب وما يتعلق بها ويكتسب جيش الأمير أهمية كبرى. ويعزو لورد نجاح الثورات الحديثة مثل الثورة البولشفية ليس إلى الانتفاضات العفوية للطبقات المضطهدة والمظلومة أو إلى الإثارة الأيدلوجية من قبل الأحزاب المنظمة (النموذج اللينيني)، قد يحصل هذا نادرا، لكن نجاح الثورات يعود إلى الأوضاع التي تنشأ عندما تفقد الحكومة السيطرة على الجيش والشرطة، وهذه يعتبرها لورد حقيقة جوهرية يجب ألا تغيب عن خلد الأمير. ويسبق هذا التحذير من قبل لورد تحذير من ميكافيللي للأمير بأنه يقترف خطأً جسيما عندما يعتمد على سلاح الآخرين. ويضرب لورد مثلا على ما آل إليه حال إدوارد شفارنادزة في جورجيا عند اعتماده على الروس مما يعتبر خطأ جسيما وتكلفته السياسية باهظة.
من ناحية أخرى يشير لورد إلى قراءات لميكافيللي تبرز الأهمية السياسية للقانون لدى الأمير المؤسس. فالأمير الناجح هو الذي يمزج بين قوة السلاح واستخدام القوانين أي يمتلك صفتي الأسد والثعلب.
وفي فصول أخرى من الكتاب يركز لورد على الدور المحوري في التعريف بالمفهوم الحديث للسلطة الإدارية Executive Power في الديمقراطيات الليبرالية. وتكمن الحاجة الضرورية إلى حاكم قوي ليس فقط عند تأسيس الدولة ولكن أيضا في الأوقات الخطرة والعصيبة في عالم مهدد بالفوضى في علاقاته الدولية. ويستعين لورد في هذا الصدد بتنظيرات جون لوك وألكسندر هاملتون لدعم منصب الرئيس (أو منصب رئيس الوزراء) بامتيازات تمكنه من أخذ زمام المبادرة والتصرف من دون الرجوع دائما إلى القانون ولتقوية إمكانياته لإدارة النخب الوطنية والعواطف الشعبية الجياشة في صالح صحة وسلامة النظام على المدى الطويل وسلامة النظام السياسي. ويسهب الكاتب في تفاصيل التحديات والتناقضات التي تجابه قمة الهرم في الدولة الديمقراطية الليبرالية الدستورية. ومن إحدى المقولات التي ركز عليها "الإدارة المجزأة" التي من سلبياتها الميول إلى إخفاء الأخطاء وتحطيم المسؤولية بينما عندما تتركز القيادة في الدول الديمقراطية في شخص واحد يمكن الحكومة من القيام بيسر بمهمات اتخاذ القرارات وتفعيلها والسرية.
ويشير لورد إلى طبيعة اليابان كدولة ديمقراطية من دون قيادة ويعتبر أنها تمثل مفارقة تاريخية وليس معلما على طريق الديمقراطية الليبرالية. والحقيقة اللافتة للنظر في التاريخ الياباني منذ الأزمنة الموغلة في القدم هو الضعف المتناهي للقائد القوي ظاهريا ممثلا في شخصية الإمبراطور. وتختلف الآراء في تشخيص مشكلة من يحكم اليابان حقيقة وتتراوح الآراء بين منصب رئيس الوزراء أم الحزب السياسي أم البيروقراطية أم مصالح الشركات الكبرى. ولكن جميع المراقبين لأوضاع اليابان يتفقون على أن الثقافة السياسية اليابانية تضع وزنا كبيرا للإجماع والمسايرة والامتثال وتحاشي المجابهة. ويتسم الإجماع الياباني باستمرارية تأثير تقاليد طبقة النبلاء المحاربين (السموراي) في العصور الوسطى والموسومة بالفردية العنيفة جدا واهتمام مفرط بالشرف الشخصي. ويعتقد لورد أن النخبة اليابانية متجانسة بشكل كبير ويرجع تماسكها إلى تأسيسها على الجدارة وتحتفظ النخبة بكثير من سيكالوجية السموراي ولكن ليس مظاهرها الخارجية.
وفي سياق حديثه عن محورية السلطة الإدارية (الرئيس) يعطي مثالين عن النزعة نحو الديمقراطية الأتوقراطية (حكم الفرد) بمقارنة فرنسا مع سنغافورة فعن طريق ترتيبات دستورية ومؤسسية تمكن ديجول أن يجعل من الجمهورية الخامسة الفرنسية نوعا من الملكية في صفاتها. ومن أهم إصلاحات ديجول هو خلق منصب لرئيس الجمهورية بسلطات حقيقية مشتملة على سلطات للحالات الطارئة، وحق فض البرلمان، وحق الدعوة للاستفتاء الشعبي. وييدو نظريا أن هناك تقسيم عمل بين الرئيس ورئيس الوزراء بحيث يتعامل الرئيس مع مجالات شؤون السياسة الخارجية والأمن القومي تاركا القضايا المحلية والسياسة الاقتصادية إلى رئيس الوزراء؛ ولكن فعليا لا يتردد الرئيس في التدخل في قضايا محلية مثل الثقافة والأشغال العامة والإعلام، بل وازداد دوره بشكل كبير في عملية إعداد الميزانية العامة والتعيين لمناصب عديدة ومتنوعة. ويذكر لورد، أيضا مثال على سلبيات هذا التركيز للسلطة بأنه فتح المجال في عهد ميتران للفساد بأشكال عديدة وإلى قلاقل اجتماعية. ولكن يرى لورد في النظام السياسي الفرنسي نوعا من عدم الجدية ويعزو ذلك جزئيا إلى الدور الكبير الذي تلعبه نخبة منتقاة إداريا في المؤسسات الحاكمة الفرنسية. وأقرب حالة موازية للنموذج الفرنسي هي حالة النظام السياسي في سنغافورة في ظل قيادة لي كوان يو.
ويصف لورد النظام السياسي السنغافوري بأنه متشدد يتجه بدرجة كبيرة إلى استخدام العقوبات في تنفيذه للقانون كما أنه مستبد سياسيا بالرغم من نجاحه الاستثنائي المثير للإعجاب في مجال الاقتصاد. وسنغافورة هي البلد الوحيد غير الشيوعي الذي حاول التحدي الأيدلوجي بشكل جاد للهيمنة العالمية الليبرالية الغربية وخصوصا الأمريكية عن طريق الدفع بما يدعي "بالقيم الآسيوية" ولم يمنع هذا التوجه رئيس الوزراء لي كوان يو من التحالف مع أمريكا وبريطانيا بالرغم من تأسيسه لحزب ذي صبغة اشتراكية. ولقد ساعد كثيرا تعليم لي كوان يو في مجال القانون واطلاعه على إجراءات الديمقراطية البرلمانية الإنجليزية في تشكل ثقافة سياسية في سنغافورة متمسكة جوهريا بسيادة القانون ونمّت مناعة ضد الفساد والوساطة.
وبالرغم من هيمنة حزب الحكومة تاريخيا على البرلمان، إلا أن لي كوان يو ومن عقبه عززوا كثيرا من الصفة التمثيلية للبرلمان وجعله منبرا لحوارات وقرارات سياسية حقيقية وفي الوقت نفسه الحد من سلطات الحكومة عن طريق إصلاحات دستورية عديدة. لقد ورثت سنغافورة نموذج ويست منستر من بريطانيا. وحصلت تعديلات على منصب الرئيس الرسمي الرمزي لإضفاء سلطات حقيقية عليه وكان الغرض من ذلك القيام بوظيفة الرقابة على الحكومة وليس التنافس معها كمصدر مستقل لسلطة اتخاذ القرار. ومن أهم صفات الرئاسة السنغافورية أن سلطات الرئيس كبيرة لكن مركزة في قضايا الميزانية والمالية العامة والتعيين للمناصب واستخدام حق الاعتراض؛ وطبقا للورد هذا الترتيب لا يشبه ألبتة النموذج من ميكافيللي ولوك حيث يفتقد إلى السلطات في الحالات الطارئة وتم الرفض بشكل واضح لإعطائه دورا في اتخاذ قرارات تمت بصلة وثيقة لشؤون الدفاع والأمن القومي.
ولكن ما يميز النظام السياسي في سنغافورة هو مدى هيمنة نخبة إدارية سياسية متماسكة، ومنضبطة وذات كفاءة عالية وباعتراف رئيس الوزراء لي كوان يو حيث يعتبر نوعية النخبة السنغافورية عاملا حاسما في تنميتها وتطورها. وأشرف لي كوان يو شخصيا على التوظيف في الحكومة في مجالات المهن والتجارة والصناعات والنقابات العمالية، وكان يهتم بالقدرات الشخصية وما يرتبط بها من توافر الذكاء والقيم والخلفية الثقافية للشخص المتقدم للتوظف وكان لي مأخوذا بطريقة شركة شل في التوظيف التي اعتبرت المدير الواعد لابد أن يتحلى بثلاث خصال هي قوة التحليل، وقدرة التخيل، ومدى الحس بالواقع.
ويتساءل لورد عن ما هي الدروس الممكن أن نستقيها من حالتي فرنسا وسنغافورة بالنسبة لممارسة فن الحكم وإدارة شؤون الدولة في حاضرنا؟ ويجيب لورد أنه لربما أكثر شيء ممكن نتعلمه هو دور القائد العظيم في قدرته على تشكيل النظام السياسي ومن خلاله تشكيل شخصية الأمة. فشارل ديجول بدأ وبطريقة مقصودة في تصحيح ما تعاني منه الجمهورية الفرنسية من قصور ومساوئ بالإقدام على إحياء جوانب من الملكية التقليدية للنظام السياسي القديم ومن خلال هذه العملية سعى إلى أن يشفي كل الجروح النفسانية التي أصابت الأمة الفرنسية من جراء الثورة في عام 1789م والآثار الناجمة عنها. أما لي كوان يو فقد خلق أمة من شيء غير موجود. ومن ناحية أخرى قدرة رجال الدولة هؤلاء في خلق وتشكيل نخب إدارية سياسية تتميز بالكفاءة ومفعمة بروح خدمة الصالح العام. والدرس الأخير هو أن إغراء الحكم الفردي Autocratic لا يمكن مقاومته؛ ويرجع لورد إلى ملاحظة لأرسطو حول أنه في بعض الحالات عندما توجد الفضيلة والقدرة السياسية في شخص واحد بشكل متعاظم فإنه يصبح غير متكافئ مع الآخرين، وفي هذه الحالة يكون هناك خياران: إما نفي شخص كهذا أو على الآخرين تقبل طاعته بكل قناعة، وأشخاص من هذا النوع سيبقون ملوكا دائمين في مدنهم أو دولهم طبقا للورد.
وفي موقع آخر من الكتاب يتساءل لورد عن ماهية الأهداف التي يجب أن يسعى إليها القائد، ويحصرها من وجهة نظره في أربعة أهداف هي رفاه وسعادة المجتمع، والأمن الداخلي والخارجي، والاستقرار السياسي، الكرامة والشرف. ويشير إلى أن الأهداف الثلاثة الأولى تواكب الاحتياجات الإنسانية الأساسية واستدعت انهماك المجتمعات بشكل كبير في كل الأزمنة. ويشير لورد أن هناك إجماعا لدى الطبقة السياسية في الديمقراطيات الغربية على أن ما يدعى إدارة الرفاه مثلا أمر لازم لا مفر منه كشغل شاغل لفن الحكم المعاصر. وأن هدفا مثل الشرف أو الكرامة الوطنية ولو أنه شيء غير ملموس إلا أنه تاريخيا من صلب فن الحكم؛ ويعتب على العلوم السياسية المعاصرة لتحيزها ضد الشرف بعدم إدراجه ضمن أهداف الدول ورجال الدولة لا لأي شيء سوى أنه غير ملموس مقارنة بالأمن والاستقرار. ويرى لورد أن الكرامة والشرف كهدف ليس لإرضاء غرور ملك حاكم أو طبقة أرستقراطية بل هو مرتبط ارتباطا وثيقا بالشخصية والهوية القوميتين .
ولا يمكن الكلام عن الأهداف من دون التعرض للأدوات والوسائل المحققة لها. بل ويرى لورد أن توفير الوسائل من أكثر الجوانب متطلبا وصعوبة بالنسبة لفن الحكم وإدارة شؤون الدولة مما يستدعي وجود قيادة بشكل أكبر. والكوابح السياسية والقانونية من أكثر العوامل المؤثرة على ممارسة السلطة الإدارية Executive Power في الديمقراطيات الدستورية. ولكن من واجب القيادات أن تكون قادرة على إدارة النخب المختلفة بفعالية حيث إن النخب هي القائمة والمشغلة للأدوات والوسائل. ويعتقد لورد أن هناك عائقين بالنسبة للتوظيف الفعال لأدوات فن الحكم الأول يتمثل بكل وضوح في بعض المؤسسات مثل المحاكم والدفاع حيث لديهم بيئاتهم وأساليبهم الخاصة بهم في العمل ويشكلون غالبا مقاومة ضد أي سلطة خارجية، أما العائق الثاني فهو أقل وضوحا ولكن يعد مشكلة مستعصية ويتمثل في عالم المفاهيم التي توجد فيه هذه المؤسسات ويتجسد هذا العالم في مزيج من الثقافة المحلية للمؤسسة المعنية نفسها والتأثيرات الفكرية النابعة من المجتمع الكبير ككل.
ويشير لورد إلى أهمية الاهتمام بالعلاقات العسكرية - المدنية في المجتمع كجانب من جوانب فن الحكم وإدارة شؤون الدولة وهذا لا يقلل من المشاكل المحتملة في مجالات أخرى قد تحدث أضرارا سياسية جادة. ويذكّر لورد أن ميكافيللي كان صاحب خبرة ومعرفة ليس فقط بالإدارة والدبلوماسية بل وبالفن العسكري وهذا مما يخول الإنسان أن يرى فن الحكم وإدارة شؤون الدولة كمجال لكل الأزمنة وعبر التاريخ مع الأخذ في الاعتبار وبحساسية التنوعات الثقافية والقومية في ممارسة فن الحكم. ويبرز مبدأ لمفكر صيني قديم، صن تزو، عن أن الانتصار حليف أولئك الذين يعرفون الخصم ويعرفون أنفسهم، ويعتبرها حقيقة جوهرية يجب ألا تغيب عن بال القائد.
ويعرج لورد حول موضوع الأهمية القصوى للإدارة بالنسبة للحكومات ومن ثم لفن الحكم حيث قليل جدا من القرارات الإدارية لا ترتبط بالسياسات في تبعاتها ومما يجعل كثيرا من الإداريين يدعون أنهم رجال دولة كأغلبية السياسيين. ويجد لورد أن هناك توترا واضحا بين الديمقراطية بمفهوم حكم الشعب لنفسه وفكرة إدارة الدولة. وأكثر البيروقراطيات في العالم فعالية لم تزدهر في الديمقراطيات بل في الأنظمة السياسية الاستبدادية. وقد حذر ماكس فيبر من التحدي الذي تشكله البيروقراطية للسياسيين الديمقراطيين حيث إن هناك ميلا متأصلا في البيروقراطيات بأن يكتسبوا سيطرة ونفوذا اجتماعيا إلى أقصى حد ممكن، وأن تعرقل أو تتجاهل الإرادة الشعبية، بالإضافة إلى التملص من الرقابة وذلك لشبه احتكارهم للخبرة في السياسات. ولكن في المقابل الديمقراطية كأداة لتغلغل سلطة الدولة في المجتمع لديها نزعة لعزل الحكومات والقيادات عن الناس، ولأن البيروقراطية تحسن بشكل متزايد سيطرة الدولة على المجتمع لذا فإن الثورات الحديثة تأخذ شكل الانقلابات وليس الانتفاضات الشعبية. وبهذا الصدد اعتقد أن لورد بسبب أو آخر لم تسعفه الذاكرة عن الثورة الخمينية التي لم تكن انقلابا بل ثورة شعبية بقيادة رجال الدين. بالإضافة يٌذكًر لورد بأن الجهاز الإداري لدولة الرفاه الحديثة لا يمكن من وصفها بأنها لا تستجيب للرأي العام أو لإصلاحات القيادة السياسية كما يشهد على ذلك تاريخ أمريكا وبعض بلدان أوروبا في العقود الأخيرة. لكن هذا لا يلغي تخوفات ماكس فيبر وتوكوفيل عن نزاعات الاستقلالية ومحاولة التحكم وأنها تمثل مشكلة في الديمقراطيات؛ بل إن الحكومات المطلقة أقل حصانة وأكثر عرضة لمناورات وتلاعب البيروقراطية من الديمقراطيات ويعزو لورد ذلك إلى انغلاق هذه الأنظمة.
ومشكلة البيروقراطية، طبقا للورد، لا يمكن فصلها عن مشكلة سلطة النخبة لكن يجب ألا يغيب عن البال عملية توظيف النخبة كأهم حقائق البيروقراطية. وفي أغلب البلدان النامية، تلعب البيروقراطية، وخصوصا العسكرية منها، كعامل أولي لنمو نخبة وطنية وكمستودع رئيس لما يسمى بوعي النخبة. ولكن في البلدان المتقدمة، تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية من أكثر الدول التي تتصف بيروقراطيتها بالضعف السياسي النسبي ويعزوه لورد إلى السيطرة الإدارية على البيروقراطية من قبل الجزء التشريعي من الدولة، الكونغرس، ولكن من الخطأ التقليل من سلطة البيروقراطية الأمريكية أو التحدي الذي تمثله لفن الحكم الأمريكي.
ويؤكد لورد أهمية الاهتمام بثقافة البيروقراطية (ثقافة المنظمة الإدارية) وعلى كيفية التوظيف والتدريب والاستخدام والترفيع، والحوافز حيث إنها عوامل حاسمة لنجاح أو فشل التنظيم الإداري.
ويٌذكًر لورد بمقولة تشاؤمية جدا لميكافيللي عن البشر عموما بأنهم ناكرون للمعروف، متقلبون، كذابون، منافقون، مخادعون، يتجنبون الخطر، ومتلهفون للكسب. ويعتقد لورد أن ملاحظة ميكافيللي تنطبق على زماننا بالنسبة للإطار القانوني - العقلاني لإدارة الدولة الحديثة كما انطبقت على بيئة زمانه الغادرة سياسيا. كما يعتقد لورد، أيضا، أن استنتاج ميكافيللي القائل إنه من الأفضل للأمير أن يخاف جانبه أكثر من أن يحب لربما لا تقابل بالاستحسان من قبل خبراء الإدارة وعلماء السياسة المعاصرين؛ ولكن يرى فيها الشيء الكثير من الحقيقة في الواقع الإداري المعاصر؛ حيث إن القادة غير الراغبين في استخدام سلطاتهم المتوافرة لديهم عندما تتطلب الأوضاع ذلك، يخسرون احترام مرؤوسيهم ومعه الولاء والطاعة، وهذا لا يعني أن يصبح القادة المعاصرون على شاكلة القادة في زمان ميكافيللي بالنسبة للوحشية والشدة ولكن هناك أساليب وطرقا عديدة أخرى متاحة للقائد المعاصر إلا أن لورد لم يذكرها.
أما بالنسبة للقانون كأداة من أدوات فن الحكم وإدارة شؤون الدولة متاح لاستخدام القائد المعاصر فإن لورد يركز على فكرة أن وضع القوانين الموجودة الحالية موضع التنفيذ بشكل يعول عليه هو أهم من أن يكون فيه قوانين جيدة بين دفات الكتب ويتم تجاهلها بانتظام، ويستشهد بأرسطو عند ما يقول بما معناه لا قوة للقانون منفصلا عن العادة والعرف. ويعتقد لورد بأن ثقافة المجتمع هي التي تخلق وتغذي العادة والتي بدورها تكيف السلوك الإنساني وتشكل تصرف البشر تجاه القانون. وهذا كله يعني بالنسبة للورد أن على رجال الدولة الاهتمام ليس فقط بالبنية الشكلية الرسمية للقانون وللمؤسسات القانونية بل أكثر إلى روح القانون أي إلى الإطار السياسي والثقافي الأوسع الذي من خلاله يوجد القانون.
وفي موضع آخر يشدد لورد على جوهرية الاقتصاد بالنسبة لفن الحكم الحديث حيث أن مواطني الديمقراطيات المتقدمة ينظرون بشكل عملي إلى الدولة للضمان الأقصى لرفاهيتهم ودور السياسيين والسياسة هو كيفية التوفيق بين خيارات المواطنين الاقتصادية المفضلة وتحويلها إلى سياسات يسعى السياسي إلى تحقيقها. وسؤال أساسي بهذا الصدد يتركز حول العلاقة بين الرفاه والأمن أو الدفاع الوطني. ويشدد ألكسندر هاملتون، طبقا للورد، على أهمية التنمية الاقتصادية وارتباطها الوثيق بالدفاع الوطني ومنها تأكيده في زمانه على الصناعة للاكتفاء الذاتي بالنسبة للصناعات الحربية وعلى شبكة السكة الحديد.
ومن الأفكار الخاطئة الشائعة التي يذكرها لورد، المتعلقة باقتصاديات فن الحكم أنها تسعى إلى أهداف اقتصادية بحتة. ولكن الصحيح هو أن اقتصاديات فن الحكم في مفهومها الحقيقي تعني استخدام الوسائل الاقتصادية للسعي لتحقيق أي من الأهداف التي تصبو إليها الدول والقيادات، أي أنها ليست لذاتها.
ويشير لورد إلى أن مفكرا وممارسا مثل ميكافيللي ولو أنه غير معروف عن اهتمامه بالجانب الاقتصادي من قبل كثيرين إلا أنه وبدهاء ينصح الأمراء الطامحين إلى كبت أو وضع حد للحرية الفردية لطبائعهم النبيلة والاقتصاد في مصادر دخلهم من أجل توفير مشقة وعناء الضريبة العالية على شعوبهم في حالة فراغ الخزانات المالية للأمراء.
وفي فصل تضمنه الكتاب عن الدبلوماسية يتساءل لورد عما إذا كانت الديمقراطيات يمكنها أن تقود دبلوماسية سليمة ويعتقد لورد أن هذا التساؤل محل خلاف. ويذكر لورد إجابة توكوفيل بالنفي قائلا إن الديمقراطيات ليس لها القدرة بطبيعتها على الجمع بين متطلبي الدبلوماسية بين السرية والانتظار بصبر للنتائج، حيث إن هاتين الخاصيتين غالبا ما تسمان شخصا واحدا أو الارستقراطية؛ بينما يصف الدبلوماسية الديمقراطية بصفات تؤدي إلى الفشل مثل: اللامسؤولية، الجهل، تعميمات بسرعة أو نمطية، التأخر، افتقاد الدقة. ويعزو إلى جورج كينان وهنري كيسنجر كدبلوماسيين واقعيين، وصفهما بأن الديمقراطيات تميل إلى تناول مسائل السياسة الخارجية بشكل قانوني وأخلاقي. ويستنتج لورد أنه في المطاف الأخير بأن الدبلوماسية الديمقراطية ليست لها القدرة على الحصافة. ويضرب لورد مثلا متطرفا عن العالم الديمقراطي المعاصر بالولايات المتحدة الأمريكية حيث إن سياستها الخارجية لا تصنع من قبل نخبة ضيقة وحيث إن الرأي العام والكونغرس لهم في أحيانا كثيرة ثقل كبير في صنعها.
ويعتقد لورد أن الدبلوماسية الناجحة تحتاج إلى انضباط عقل وإرادة واحدة أو كما يشير إلى صفة هاملتون بالنسبة للسلطة الإدارية: "انسجام، فعالية، سرية، رسالة" Unity, activity, secrecy, dispatch.
ويربط لورد بين السياسة والحرب ويعتبر أن العلاقة بينهما هي موضوع رئيسي في دراسة فن الحكم وإدارة شؤون الدولة. ويميل السياسيون وعلماء السياسة في الديمقراطيات عادة إلى النظر إلى الحرب كمسألة منفصلة عن السياسة ومن اختصاص العسكريين. ولكن كارل فون كلوسويتش، المنظر العظيم لفن الحرب، يقول بما معناه أن الحرب ليست مجرد اتخاذ قرار ولكن أداة سياسية حقيقية، إنها استمرارية للسياسة بوسائل أخرى؛ وهذا لا يقلل من دور العسكريين لأن الحرب عبارة عن "ثالوث استثنائي" في تفاعل معقد مكوناته: قيادة وتوجيه عقلاني، والحظ، وعنف بدائي. ويضيف لورد أن كون إدارة أي حرب هي عملية خاضعة للسياسة لا يعني أن السياسة المتبعة حكيمة. هل يستنتج من هذا أنه نقد موجه إلى أسلوب إدارة الحرب في العراق من قبل أمريكا؟
وبينما أسهمت الحرب بشكل كبير في نشوء الدول، إلا أنها في حاضرنا فقدت كثيرا من مركزيتها كعنصر مهم في فن الحكم وبالنسبة لمشروعيتها حيث إن مخاطر الحرب النووية وما يمكن أن ينجم عنها من كوارث على البشرية جعلت الحرب محط تساؤل حول ما إذا كانت عملا عقلانيا أو العكس. ويضيف لورد أن الحرب ظاهرة سياسية من الطراز الأول، ونتائجها السياسية غالبا ما تكون أكثر دراماتيكية من أي دمار تسببه. وبأخذ المنطق إلى أقصاه، فإن الحرب تنطوي على خطر وضرر على الصحة السياسية للدولة.
أما بالنسبة للسؤال المهم حول ماهية العلاقة المدنية العسكرية في المجتمع الديمقراطي الحديث؛ فإن سامويل هنتنفتون في إجابته الكلاسيكية يميز بين فكرتين بالنسبة للسيطرة على الأجهزة العسكرية. فكرة. "السيطرة الموضوعية" نوع من المساومة بحيث يتخلى العسكريون عن طموحهم في المساهمة في اتخاذ القرار مقابل تحررهم من التدخل المدني في المجال العسكري الاحترافي. أما فكرة "السيطرة الذاتية" في عبارة عن نظام معتمد على التغلغل المباشر في الجهاز العسكري من قبل ضباط معنيين سياسيا (في شكله الشيوعي يسمون "كوميسارز"). ونقطة أخيرة بالنسبة للعلاقة المدنية – العسكرية يذكرها لورد حول تحذير ميكافيللي في زمانه الأمراء عن مخاطر الدفاع عن دولهم بجيوش مرتزقة؛ ومع أن الجيوش الحالية للبلدان الديمقراطية جيوش وطنية، إلا أن الاحتمال من حدوث النفور والغربة من قبل المؤسسة العسكرية تجاه السكان يبقى احتمالا قائما. ويشير إلى شيء مقلق بهذا الشأن في الولايات المتحدة الأمريكية ألا وهو تدني المعرفة أو التجربة بالشؤون العسكرية لدى القيادات المدنية للحكومة الأمريكية وبما فيها الكونغرس.
وعند تعرضه للاستخبارات، يستعرض لورد أوجه الفشل للاستخبارات الأمريكية في التاريخ الحديث ويعزو صعوبة السيطرة على الاستخبارات كجهاز من قبل حكوماتهم إلى أن الجواسيس ذوي ميول مفرطة الفردية (لذا من الصعب ضبطهم)، وأنهم شديدو الانشغال (ومن ثم متبلدو الشعور بالنسبة لرؤية صورة الوضع)، وأنهم كذلك مغامرون، وأخيرا هم مخادعون حتى في تعاملهم مع رؤسائهم، ويعملون في بيئة على هامش القانون لذا لا يعيرون أي احترام للتعليمات والتنظيمات والضوابط القانونية والأخلاقية الأخرى. ويضيف لورد إلى أن هذا يجعل هناك حاجة ماسة إلى السيطرة المدنية كما في حالة المنظمات العسكرية، بل ويقاومون ذلك بضراوة أكثر حتى من العسكريين.
ويرى لورد أن المنفعة الرئيسية للتحليل الاستخباراتي يأتي ليس من التنبؤ المستقبلي بل بتثقيف متخذي القرارات السياسية عن حقائق الحاضر والماضي القريب وبهذا المفهوم يجد لورد أن الاستخبارات في منافسة مع مصادر أخرى للمعلومات لتزويد قادة الأمة بالمطلوب. وهذا خصوصا في ظل الإنترنت وأشكال مصادر المعلومات الأخرى المتوافرة. ويشكك لورد بمقدرة الاستخبارات في توفير قيمة مضافة في مجالهم، باستثناء السرية في حالة الأمم والمنظمات الراغبة في فرض ضوابط داخلية ضرورية للإبقاء على سرية المعلومات، ولكنه في الوقت نفسه يرى أن السرية تتناقص في الدول المتقدمة. وبعد نهاية الحرب الباردة، خرجت أصوات في الولايات المتحدة الأمريكية تدعو إلى تطوير مفهوم الاستخبارات من الانشغال بالسرية التقليدية باتجاه تحليل شامل على النمط الأكاديمي وأن يوفر أغلبه لعامة الناس.
ويطرح لورد فكرة أن السيطرة والتمكن في الأدوات المختلفة (الإدارة، القانون، التعليم والثقافة، الاقتصاد، الدبلوماسية، القوة العسكرية، الاستخبارات، الاتصالات) لفن الحكم وإدارة شؤون الدولة عمل هائل لكن بحد ذاته ليس بكاف، حيث إن القائد عليه أن ينسق بينهم عند استخدامهم وعند تشغيلهم بشكل فعال. وهذا يوجب الانتقال للأخذ في الاعتبار الأشكال التي لها علاقة وطيدة بالقيادة مثل اتخاذ القرار والفعل وما يرتبط بهما من استراتيجية وتخطيط، وإدارة الأزمات، والنصيحة وعملية اتخاذ القرار.
ومكونات الاستراتيجية لدى لورد ثلاثة عناصر هي خطة للفعل، وتستعمل وسائل أو مصادر لتحقيق هدف معين، وتفترض خصم. وهذه ليست بعيدة عن الفطرة السلمية والبداهة حتى لدى الأطفال. لكنها مهمة في حالة الحرب حيث إن من أكثر الأخطاء شيوعا بالنسبة للحروب هو النزعة إلى الاستخفاف بما يمكن أن يفعله العدو. ونتائج اللعبة السياسية والدبلوماسية في النظام العالمي للدول ليس غالبا إما تحصل على كل شيء أو لاشيء حيث إن العلاقات بين الدول مزيج معقد من المنافسة والتعاون وحتى في أغلب حالات الصراع العسكري هناك عنصر محدد من التعاون بين الفرقاء. ويشير لورد بهذا الصدد إلى مقولة توماس شلينغ بما معناه أن "الانتصار" هو الهدف الواضح الوحيد للاستراتيجية وهذه هي الحقيقة الراسخة التي يتم أحيانا نسيانها، وفي الوقت نفسه فإن الانتصار أيضا يعني الكسب نسبة إلى نظام القيم للواحد، وهذا يتأتى بالمساومة، والتسويات المتبادلة وبتحاشي مسلكيات متبادلة ضارة.
ومن نقاش لورد عن الاستراتيجية ومتطلباتها ينتهي إلى عدة دروس بالنسبة لممارسة الاستراتيجية: أهمية الرؤية الواضحة للأهداف المرغوبة؛ الحاجة إلى تقييم واقعي للخصم والتهديد الذي يمثله أو قد يشكله في ظل ظروف متنوعة؛ الفهم الدقيق لمكامن القوة والضعف للنفس، إدراك كيف يمكن للخصم أن يفهم هذه الجوانب ويحاول أن ينتهز الفرصة؛ التأكد من أن الوسائل المتاحة كافية لدعم الأهداف المتوخاة، الحاجة إلى تنسيق تلك الوسائل، الاستخدام الأفضل لمتطلبات السياسة المرجوة، وفوق هذا كله يحتاج من رجل الدولة أن يفكر استراتيجيا عن العلاقة الأساسية بين الأهداف الوطنية والوسائل الوطنية أو المصادر كما يحتاج أن يتأكد من أن المؤسسات المنوط بها تنمية والمحافظة على الأدوات المختلفة للقوة الوطنية أنها تعمل ذلك بالتنسيق فيما بينها من دون الاستسلام للتأثيرات التشويهية المتأتية من متطلبات مؤسسية أو ثقافية. والاستراتيجية تفهم أحيانا بشكل خاطئ كتخطيط على المدى البعيد. يفترض لورد أن الاستراتيجية هي عملية مستمرة كما هي خطة ثابتة للفعل، ولا بد للاستراتيجية من التعديل في ضوء تحركات الخصم أو التغييرات في البيئة الاستراتيجية بشكل عام. وأخيرا فإن الفعل الاستراتيجي ممكن أن يمتد زمنيا لفترة قصيرة نسبيا وكذلك لفترات طويلة.
ومن أهم المواضيع ذات الشأن الرفيع وذات العلاقة الوطيدة بفن الحكم هو إدارة الأزمات. يرى لورد أن أزمات النظام السياسي فرصة لا تعوض للسياسي ليبرز من خلال التعامل معها مقدراته في القيادة السياسية وهذا الطرح يختلف في رأي لورد عن طرح علماء السياسة والمؤرخين في حاضرنا اليوم حيث يفترضون أن أزمات كهذه ما هي إلا نتاج قوى تاريخية موضوعية ولذا فهي ليس في متناول القادة السياسيين.
وبالطبع بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية تاريخيا برزت أهمية إدارة الأزمات خلال الحرب الباردة ومشاكل السلاح النووي ويعزو لورد إلى وزير الدفاع السابق مكنمارا قوله إنه في وقتنا الحاضر ليس هناك استراتيجية فقط هناك إدارة أزمات. يتساءل لورد هل أصبحت إدارة الأزمات فكرة عتيقة، لكنه يرى نوعا من الاستمرارية الواسعة بالنسبة لمتطلبات إدارة الأزمات ومنها إتقان مجموعة من أدوات ووسائل فن الحكم، عملية منظمة لجمع المعلومات والتحليل، استنطاق واستعراض للخيارات، حساسية تجاه الخصم، وأخيرا عملية اتخاذ القرار بشكل سريع وفي حينه في ظل ظروف مجهولة ومتوترة. ويعتقد لورد أن الأزمات تتشكل بإدراك القادة السياسيين بتهديد موضوعي وبشكل ذاتي من خلال الأهداف والقيم الوطنية والشخصية حيث إن القيادات التي تفتقد إلى القدرة على الحكم الشديد والرؤية ورباطة الجأش تؤدي بها المشاكل العادية إلى مستوى ألازمات، ولا بد للقادة أن يعوا أن الأزمات لها جانب إيجابي من حيث اعتبارها أوقات فرص ومخاطر، ومن الواجب اقتناص الفرصة من قبل القائد السياسي لتعبئة القوى والمؤسسات المعنية في المجتمع لإنجاح سياسات وللتغلب على العقبات البيروقراطية وغيرها إن وجدت لأخذ زمام المبادرة في اتخاذ الخطوات الفعلية والعملية.
والفصل الأخير رقم 26، يشبه في عنوانه ومضمون خاتمته لفصل مناظر في كتاب "الأمير" لميكافيللي تحت عنوان (حض للمحافظة على الديمقراطية من البرابرة).. وفيه تحذير من تهديدات خارجية تواجه الديمقراطيات الغربية خاصة من قبل الصين وتهديدات داخلية نابعة من عدم استيعاب بعض الأقليات المهاجرة والهجرة غير المشروعة ومن انحطاط يشوب المبادئ المثالية والعملية للديمقراطية. وتشكل مسألة الهجرة في غربي أوروبا تهديدا ليس فقط للأمن الداخلي بل وللهوية الوطنية والثقافية. وكأن لورد يلوم النخب المعاصرة في الدول الديمقراطية الغربية بأنها سمحت باستمرار الانحطاط في المستويات العالية الأخلاقية والمهنية وفي السلوك الحضاري والسياسي.
يرى مارك ليللا (في مقالة بعنوان "إقفال العقل الستراوشوني" والمنشور في نيويورك ريفيو أوف بوكس بتاريخ 4/11/2004م) في عرضه لكتاب عن فكر الفيلسوف الحديث شتراوس وتأثيره في السياسة الأمريكية وكذلك يعرض معه كتاب لورد الذي نحن بصدده أن لورد من المدرسة الفكرية لشتراوس وهذا في رأي يفسر لحد ما بعض مقولاته خصوصا الميكافيللينية.
والمواضيع التي طرحها لورد يستحق كل واحد منها أن يكون كتابا مستقلا، إلا أنني أرى أن الجانب الذي أضعف مقولاته الرئيسية عن متطلبات فن الحكم وإدارة شؤون الدولة والدور المتوقع من القائد السياسي (الأمير الحديث كما يطلق عليه) هو عدم تأسيسه نظريا بشكل كاف لماهية وطبيعة الدولة الحديثة، حيث من المؤكد أن الدولة الحديثة تختلف عن الدولة الأثينية ودولة النهضة في زمان ميكافيللي في عمق واتساع دورها ووظائفها في المجتمع والاقتصاد وهذا يعكس نفسه على المتطلبات المتوقعة ونوعية الأدوات والوسائل التي يحتاج إليها القائد السياسي الحديث. وبالتأكيد لا بد من وجود تأثيرات متبادلة بين طبيعة الدولة في عصور مختلفة ومتطلبات القائد السياسي في تلك العصور. هذا إضافة إلى بعض الملاحظات التي أشرنا إليها في وقتها.
ولكن بالتأكيد حتى ولو أن لورد متوجه في الكتاب إلى العالم الديمقراطي المتقدم إلا أن بعض مقولاته وملاحظاته ممكن استخدامها للاسترشاد بها بشكل أو آخر في العالم النامي، فهي إما تساعد لتصحيح أوجه قصور أو تؤكد إيجابيات أوجه أخرى ومن ثم تعزيزها واستمرارها.

باحث سعودي

الأكثر قراءة