قطاع التأمين التكافلي الخليجي.. نمو غير مسبوق في 2010
يرى الخبراء أن عام 2010 سيشهد صحوة كبيرة لقطاع التأمين التكافلي في دول مجلس التعاون, حيث يتوقع له أن يواصل النمو بوتيرة متسارعة على الرغم من الاتجاه الاقتصادي العام الذي لا يزال يعاني تبعات الأزمة العالمية وما أعقبها من حالة ركود.
وفي هذا الإطار خرج منذ أيام تقرير صادر عن شركة ألبين كابيتال المحدودة ــ الشرق الأوسط ليؤكد على النمو المنتظر لهذا القطاع في منطقة الخليج العربي. ويعتبر هذا التقرير بمثابة متابعة للتقرير الذي أصدرته الشركة حول صناعة التأمين في الإمارات.
من جانبه أكد محبوب مرشد ــ مدير عام في الشركة صاحبة التقرير ــ أنه على الرغم من وجود أكثر من سبب يدعو لعدم التفاؤل بشأن النمو الاقتصادي على المدى القريب إلا أنه من المتوقع أن يستمر نمو صناعة التأمين التكافلي في المستقبل القريب على نحو أسرع من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي. وأوضح أن الأسباب التي تدعو للتفاؤل فيما يخص ازدهار قطاع التأمين التكافلي تتلخص في التنظيم الجيد، والتمويل الإسلامي الذي يقي تلك الصناعة أية هزات تتسبب فيها الأزمات الناشئة عن تعاملات لا يقرها الإسلام. وأضاف أن الجانب الديموغرافي الملائم يزيد من فرص النمو، فضلاً عن الرفاهية المتزايدة وتغير العادات الاستهلاكية لمواطني دول مجلس التعاون. يضاف إلى تلك الأسباب نمو المدخرات المنظمة وتوافر مزيد من منتجات التكافل والتمويل المتفقة مع أحكام الشريعة.
عوامل نمو التكافل في الخليج
يعرض التقرير تفصيلاً لأسباب نمو صناعة التكافل في دول مجلس التعاون.
أول العوامل التي يعرضها التقرير في نمو صناعة التكافل في الخليج هو وجود تركيبة ديموغرافية ملائمة. ويبلغ متوسط العمر في دول الخليج 26.3 سنة، وينمو عدد السكان بمعدل 3.4 % سنوياً. ومن المتوقع أن يكون معدل النمو 2.9 % بين عامي 2009 و2012 ليصل عدد السكان إلى 42.2 مليون نسمة طبقاً لأرقام صندوق النقد الدولي.
وثاني العوامل هو ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي للفرد حيث بلغ المتوسط 43.65 دولار في 2008 لتكون منطقة الخليج من أكثر المناطق رفاهة في العالم. ومن المتوقع أن ترتفع تلك النسبة بمعدل 7.4 % في الفترة بين 2009 و2012, وقد تضاعف إجمالي دخل الفرد خلال السنوات الخمس الماضية.
وهناك عامل التنوع الاقتصادي, فقد نجحت دول مجلس التعاون في تنويع اقتصاداتها بعيداً عن النفط, وهو ما نتج عنه انتشار عديد من المشروعات المختلفة في أنحاء البلاد. وقد بلغت قيمة تلك المشروعات في بداية العام الحالي 2.3 تريليون دولار تقع أغلبيتها في الإمارات والسعودية.
ثمة عامل مهم في نمو التكافل في الخليج وهو الإجراءات التنظيمية التي أدخلت على هذه الصناعة. وعلى سبيل المثال فإن السعودية كانت من أوائل دول الخليج في فرض التأمين الصحي على الوافدين, وذلك في بداية, 2006 ثم امتد هذا الغطاء التأميني ليشمل المواطنين السعوديين. ونتيجة لهذا فقد ازداد التأمين الصحي ثلاثة أمثال ما كان عليه في 2006 ليصل إلى 4.805 مليون ريال في 2008, وهو ما يمثل 44 % من إجمالي التأمين في المملكة. وقد بدأت بقية دول مجلس التعاون في اتخاذ خطوات مشابهة.
ومن العوامل المهمة النمو في قطاع التمويل والمصرفية الإسلامية, حيث إن الحصول على تمويل أو عقار يحتاج إلى تكافل أسري أو تأمين على الحياة. وطبقاً لما أوردته وكالة ستاندارد آند بورز فقد بلغت الأصول المصرفية في منطقة الخليج 285 مليار دولار في نهاية 2008 مسهمة بنسبة 22 % من إجمالي الأصول المصرفية مقارنة بنسبة 10 % في 2003.
السعودية تلتهم سوق التكافل الخليجي
تعد المملكة العربية السعودية الأكبر بين دول مجلس التعاون في مجال التكافل, حيث استحوذت السوق السعودية على 79 % في عام 2008. وتعد الشركة التعاونية للتأمين اللاعب الأبرز في السوق الخليجية, إذ تستحوذ على ما يقرب من ربعه.
وقد تاسست 30 شركة جديدة برأس مال يزيد على ملياري دولار خلال الأعوام الثلاثة الماضية. ومن ضمنها شركات سعودية كانت تعمل كشركات تأمين تقليدي. وعلى سبيل المثال فإن شركة ميدجلف أعلنت عن تحقيق 272.6 مليون دولار في النصف الأول من العام الماضي الذي يعد السنة الأولى لعملها في مجال التكافل, مما جعلها ثاني أكبر شركة في الخليج بعد "التعاونية".
الأداء المالي
أجرى التقرير تحليلا للأداء المالي لأكبر ثماني شركات تكافل في منطقة الخليج خلال الأعوام الثلاثة الماضية. وبلغ النمو 26.5 % في 2007 حتى الربع الثالث من 2009، وحققت أغلبية الشركات معدلات نمو إيجابية ما عدا "الأولى للتأمين التكافلي" و"وثاق", ومقرهما الكويت, حيث ووجهتا بمنافسة شديدة في السوق المحلية. وتشير نتائج الأشهر التسعة الأولى من العام إلى أن معدلات النمو ستبقى على قوتها في 2009. وتوقع التقرير أن تظهر شركات إقليمية قوية خاصة مع الأداء المتميز لشركات أبو ظبي.
أما إعادة التكافل فيعد من التحديات الجادة, ففي 2008 استحوذت الشركات الثماني الكبرى على 40.4 % من السوق مقارنة بـ 37.7 % في 2006. وقد استمر التوجه للاحتفاظ بالمخاطر المحدودة خلال الأرباع الثلاثة الأولى من العام الماضي بنسبة 47.4 %. وهو ما يمكن اعتباره إشارة إلى أن شركات التكافل تسير بقوة باتجاه العمليات عالية المخاطر, التي يسيطر عليها القطاع التقليدي للتأمين.
الأرباح
حققت أغلبية الشركات ــ ما عدا "قطر للتأمين الإسلامي" ــ نتائج سلبية في 2008, سرعان ما أصبحت إيجابية في الأشهر التسعة الأولى من عام 2009. وكان متوسط عائدات الاستثمار في الأرباع الثلاثة الأولى من العام الماضي %4.1 مقارنة بـ 17.2 في 2008. وقد خسرت بعض الشركات ما حققته من أرباح بعد البلبلة التي أحدثتها أزمة ديون دبي.
عائدات المساهمين
يعكس متوسط العائد على حقوق المساهمين أداء الاستثمار في قطاع التكافل إلى حد كبير. وقد أفادت الشركات الثماني الكبرى أن متوسط العائد على حقوق المساهمين بلغ 16.1 % في الأرباع الثلاثة الأولى من 2009 مقارنة بالعائدات الإيجابية التي تحققت في 2008 وتقدر بـ 17.9 % عندما كان أداء سوق النقد ضعيفاً. وقد حققت مجموعة الشركات عائدات إيجابية بنسبة 17.1 % و%4.1 في 2007 و2006 على التوالي. ويرجع هذا التذبذب إلى مخاطر الأصول العالية للشركات.
ملاءمة رأس المال
ازدادت رافعة إجمالي مصروفات حقوق الاكتتاب ــ وهي صافي أقساط التأمين المسجلة بالنسبة لأموال المساهمين ــ إلى 77.7 % في عام 2008 بعد أن كانت 38.7 % في عام 2006. وهذا يشي بأن صناعة التكافل في دول مجلس التعاون تزيد من معدلات المخاطرة في أعمالها تدريجياً. والمعيار الأكثر ثباتاً للرافعة هو حقوق الملكية إلى نسبة إجمالي الأصول، وتراجعت هذه النسبة أيضاً خلال السنوات الثلاث الماضية بمعدل 47.8 % في نهاية 2008.
التكافل والتأمين التقليدي
عقد التقرير مقارنة بين الشركات الثماني الكبرى في قطاع التكافل وأربع عشرة شركة في مجال التأمين التقليدي في منطقة الخليج.
بلغ معدل نمو شركات التكافل 26.5 % في الفترة بين 2007 والربع الثالث من عام 2009. فيما نما القطاع التقليدي بمعدل 19.2 %. وبلغ متوسط نمو شركات التكافل في الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي 89.4 % مقارنة بـ73.3 % للشركات الكبرى في قطاع التأمين التقليدي.
التكافل في الشرق الأوسط
يشير التقرير إلى أنه على الرغم من النمو الذي تشهده صناعة التكافل في الخليج إلا أن نموها محدود للغاية في إقليم الشرق الأوسط بشكل عام. ولا تزيد حصة الشرق الأوسط ووسط آسيا على 0.7 % من السوق العالمية للتأمين. ويعتبر الحجم الضئيل نسبياً للسوق الشرق أوسطية بمثابة انعكاس لضعف تغلغل تلك الصناعة في اقتصاد تلك الدول, حيث لا يتجاوز انتشارها 1.4 % مقابل النسبة العالمية التي تقدر بـ 7.1 %.
وقد نما التأمين على الحياة في الشرق الأوسط ووسط آسيا بنسبة 6 % في 1998 إلى 2007، و9.3 % في عام 2008. ويلاحظ أنه في الدول المتقدمة التأمين على غير الحياة ينمو بصورة كبيرة، في حين يأتي التطور في صناعة التأمين على الحياة. وقد حقق التأمين على الحياة 58 % من مبيعات منتجات التأمين على المستوى العالمي, فيما بلغت النسبة في الشرق الأوسط 26 %.
وقد نما إجمالي أقساط التأمين في الشرق الأوسط ووسط آسيا بمعدل 4.7 % مقابل انخفاض بـ 2 % على مستوى العالم. ويتوقع التقرير أن يشهد سوق التكافل في الشرق الأوسط نمواً قوياً على المدى البعيد.
تحديات في طريق التكافل
يعرض التقرير الخاص بمناقشة صناعة التكافل في الخليج العربي عدداً من التحديات التي تواجه ذلك القطاع. أول تلك التحديات هو غياب فرص الاستثمار الإسلامي, حيث إن أهم الاستثمارات في عالم التأمين هو الاستثمار في السندات وهي السوق التي لم تنم بشكل كبير في الشرق الأوسط, وذلك بسبب صغر السوق المحلية. وتستثمر صناعة التأمين بصورة تقليدية في الأسهم والعقارات. ويلاحظ زيادة إصدار السندات سواء من المؤسسات المالية أو الشركات الخاصة، ويتوقع التقرير أن يشهد عام 2010 ازدهاراً لسوق الصكوك, وهو ما يعطي شركات التكافل فرصة لتنويع استثماراتها وخفض مخاطرها.
ويعتبر الأداء الاستثماري لشركات التكافل الخليجية متقلباً إلى حد ما وهو ما يعكس التركيز العالي على السندات والعقارات وعدم تنويع سنداتها الاستثمارية. وثاني التحديات التي يعرضها التقرير هو غياب القدرة على إعادة التكافل. ويشير إلى أهمية إعادة التأمين على استمرار النمو في صناعة التكافل الأولي، ويعد غيابه من التحديات الضخمة أمام شركات التأمين الإقليمية. وتوجد ثماني شركات فقط لإعادة التأمين في منطقة الخليج على رأسها شركة أيه سي آر البحرين برأس مال 300 مليون دولار. والشركة السعودية لإعادة التأمين برأس مال 266.7 مليون دولار. وشركة تكافل ــ ري دبي التي يبلغ رأسمالها 125 مليون دولار. ونظراً لمحدودية إعادة التكافل فإن شركات التكافل تجد نفسها مضطرة لإعادة التأمين مع شركات تقليدية. وفي النصف الأول من عام 2009 تخلت شركات التكافل عن 47 % من أقساط التأمين. وعلى الرغم من أن الشرع لا يمانع من التعامل مع إعادة التأمين التقليدية طالما لا يوجد بديل إلا أن سهام الانتقاد وجهت لشركات التكافل.
ثالث التحديات يتمثل في انخفاض كفاءة قطاع التكافل وإن كان هناك تطور ملحوظ في هذا الصدد. وقد أشارت دراسة إلى أن المتوسط الكلي لأكبر ثماني شركات تكافل في الخليج كان 89.4 % في الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي مقارنة بـ 73.3 % لشركات التأمين التقليدية. ويلاحظ هبوط متوسط معدلات الإنفاق في شركات التكافل خلال السنوات الثلاث الماضية فيما ترتفع ذات النسبة في الشركات التقليدية مما يضيق الفجوة بين النوعين.
ومن التحديات المهمة تزايد المنافسة التي تواجهها شركات التكافل في منطقة الخليج من غريمتها شركات التأمين التقليدية. ويسيطر التأمين التقليدي على السوق الخليجية سواء من خلال الشركات المحلية أو الأجنبية. ويرصد التقرير دخول عدد من المؤسسات الغربية في سوق التكافل, ومنها تكافل عناية الخاص بمؤسسة أيه آي جي. وتستعر المنافسة بين شركات التكافل نفسها, حيث شهد العامان الماضيان إنشاء 30 شركة تكافل جديدة برأس مال يزيد على ملياري دولار. كما يشهد الخليج إطلاق بعض شركات التأمين التقليدية نوافذ تكافل, منها على سبيل المثال شركات قطر للتأمين والدوحة للتأمين وأبو ظبي الأهلية للتأمين وغيرها. أما شركة الخليج للتأمين فهي بصدد التحول كلية لشركة تكافل.
ويكمن التحدي الخامس في محدودية الشفافية, حيث يشير التقرير إلى أن عدداً قليلاً من الشركات لديه مديرون مستقلون أو لجنة حوكمة طبقاً لتوصيات مجلس الخدمات المالية الإسلامية. وثمة تحد يتمثل في غياب المعيارية, حيث يشهد هذا القطاع في الخليج تخبطاً في التوجهات وطريقة العمل من دولة لأخرى. وعلى سبيل المثال فإن شركات التكافل في السعودية تجد نفسها مضطرة لاتباع نموذج المضاربة, في حين يجيز البنك المركزي في البحرين للشركات أن تستخدم نموذجاً مختلطاً. كما أن هناك نقصا في المعارف من العامة بطبيعة التكافل. ويوصي التقرير بضرورة وضع الحد الأدنى من المعايير الخاصة بهذا القطاع.
ومن التحديات التي يطرحها التقرير ما يتعلق بالقصور في عدد الكوادر المؤهلة لإدارة تلك الشركات, حيث إن منطقة الخليج تعاني نقص الخبرات المؤهلة في مجال المعاملات المتفقة مع أحكام الشريعة. وعلى سبيل المثال فإن %33 فقط من المناصب الإدارية في شركات التأمين السعودية و45 % من إجمالي العاملين من السعوديين حيث يتولى إدارة بقية المواقع من غير المواطنين. وتشير تقديرات بنك يونيكورن إلى أن هناك عددا يراوح بين 6 و 8 آلاف مسؤول يعملون في قطاع التأمين بشكل عام في الخليج مقارنة بـ 80 ألفا في ماليزيا في قطاع التكافل فقط.
وآخر التحديات يتمثل في بطء النمو الاقتصادي حيث تم تعطيل أو تأجيل عديد من المشروعات بسبب حالة الركود التي يعيشها العالم. وقد قدرت تلك المشروعات بأكثر من 547 مليار دولار, تستحوذ الإمارات على 79 % منها. ونتج عن هذه الإجراءات خفض معدلات نمو تلك الصناعة في الخليج العربي على المدى القريب.