التنمية بين البناء والمدافعة
العدو رقم واحد لأي نجاح أو تطوير أو حتى تغيير بسيط هو الخوف من المستقبل والنظرة المتشائمة من كل جديد والاعتقاد أن كل جديد يحمل الشر معه ولا خير فيه أبداً, ولهذا يؤخذ بمبدأ المدافعة وعدم الرغبة في التغيير, والمدافعة المنطلقة من الخوف من كل جديد مدافعة مضرة, ولقد أثبت العالم أجمع خلال سنوات من التنمية, أن فكرة المدافعة فكرة عقيمة تجعل أصحابها في موقف المعارض دون القدرة على إيجاد البديل مما يضطر الناس والأنظمة إلى تجاوزهم والانتقال إلى مرحلة أخرى, هذه المرحلة الجديدة تدفع بأصحاب المدافعة للانطلاق أمامها ومحاولة منع التغيير للمرحلة التالية, وتصبح الحياة التنموية لمثل هؤلاء الشعوب تخلفا مع تخلف حتى إن تم تبني الفكر الجديد, إلا أن الجديد هذا لم يرتب له ويحضر له كما يجب وإنما يأتي بطريقة غير منظمة ويعرض نفسه على المجتمع دون احترام مشاعرهم ورغباتهم وقيمهم, لأنهم - أي أصحاب المدافعة - بشكل خاص وقفوا في وجهه وحاولوا منعه ولم يستعدوا ويعملوا على تبنيه بما يتفق ومتطلباتهم.
أصحاب نظرية المدافعة هم أكثر خطرا وضررا على المجتمع من أصحاب أي نظريات أخرى, لأنهم يوهمون أنفسهم ومجتمعهم بقدرتهم على التصدي لأي تطوير أو تغيير ثم إذا سقطوا أسقطوا أغلبية المجتمع معهم, ولعل مثل هذا التوجه الدفاعي المعارض يؤكده ما تعرضت له المملكة خلال العقود الماضية من رفض لأي تغيير ينحو منحى التطوير وبناء الإنسان, وكيف أن هذا الرفض أضر بنا وبأغلبية أفراد المجتمع ومؤسساته لأننا لو عرفنا الهدف والغاية من التغيير والتطوير وتبنينا وعملنا كفريق واحد من أجل وضعه في الصورة التي نأملها جميعا بجميع أطيافنا وآرائنا وأفكارنا, لجعلنا من مجتمعنا اليوم من أفضل وأرقى المجتمعات المتحضرة على وجه الأرض, نظرا لما نملك من إمكانات لا يمكن توافرها في أي مجتمع عربي أو إسلامي أو عالمي, فنحن - ولله الحمد - جميعا مسلمون ونملك القيم الاجتماعية والعادات المحلية نفسها, وتربطنا صلات رحم من شمالنا إلى جنوبنا ومن شرقنا إلى غربنا.
أصحاب نظرية المدافعة جعلونا نعيش حالة من القلق والخوف من كل جديد, فمن تعليم البنات إلى الراديو ثم التلفزيون ثم البث المباشر, إلى آخر القائمة من التغيرات التي عاشها ويعيشها العالم اليوم, ولهذا فإن أصحاب هذه النظرية جعلونا دائما رافضين لهذا التغيير مع أننا جميعا نعيشه داخل أنفسنا وبيوتنا, لكن لا نرغب أن يعرف الآخرون أننا لسنا مع أصحاب نظرية المدافعة حتى أن عديدا منا مع بداية ثورة الفضائيات كانوا يغطون أجهزة الاستقبال حتى لا يراها الآخرون, والقصة هنا تطول وتطول. لقد أثبت العالم اليوم أن الهجوم هو أفضل وسيلة للدفاع, ولعل تطبيق هذه النظرية في مجال الرياضة غير بشكل إيجابي في مباريات كرة القدم وأصبحت الأندية التي تستقطب المهاجمين تحقق مزيدا من الانتصارات مقابل التي تستقطب المدافعين, الهجوم هنا يعني الاستعداد بكل قوة لكل جديد من حيث استقباله وجعله ينسجم مع متطلباتنا بدلا من رفضه ثم الانقياد مع متطلباته كما يحدث اليوم في مجتمعنا.
الهجوم الإيجابي هنا يعني البناء, والبناء يعني الدراسة المستفيضة لكل مرحلة ومتطلباتها والانسجام مع المتغيرات العالمية دون الانقياد لها, فكل جديد يحمل وجهين له, خير وشر وقدرتنا الاستعدادية للبناء تجعلنا نستطيع أن نركز على جانب الخير في القادم ونعظم الفائدة منه ونعرف الشر ونعظم القضاء عليه وبهذا نربح التغيير والبناء دون التأثير السلبي للقادم الجديد.
أجيالنا الحالية تحتاج منا إلى أن نجعلها قيادات بناء وتطوير وليست رموز مدافعة وخوف من كل جديد, تواصلهم مع العالم يتطلب منهم الإدراك والقيادة ولا يتطلب منهم الامتناع ثم الانقياد مع التغيير دون التأثير فيه, ولهذا يجب أن نعيد النظرة التي ننطلق منها نحو التطوير من خلال تبني نظرية البناء ثم القيادة بدلا من نظرية المدافعة ثم الاستسلام, والعالم اليوم لن يرحم الضعفاء والعجزة وأصحاب الفكر الدفاعي لأنهم في نهاية المطاف هم الخاسرون والمخسرون لمجتمعاتهم. ولعل لنا في تجاربنا المحلية والعربية والإسلامية خير مثال عندما أخذنا بنظرية المدافعة والرفض وكيف أوصلتنا إلى ما نحن فيه من ترهل وفساد وتعدد أوجه واضطراب وتخلف, ثم إن المدافعة والرفض في هذا السياق هما اللذان أوصلا القضية الفلسطينية إلى ما هي عليه اليوم من ضياع وترد.
التنمية اليوم تحتاج منا إلى الأخذ بنظرية البناء حتى نحقق البناء السليم للإنسان والمكان السعودي والوصول به إلى المكانة اللائقة التي أرادها الله - سبحانه وتعالى-لكل المسلمين ثم أرادتها القيادة السعودية له دون الحاجة إلى حروب وقتال أو دسائس مع أو ضد الآخرين, لكن من خلال الاستثمار الحقيقي في بناء الإنسان البناء السليم الذي يجعله في أحسن صورة وأفضل مثال يمكن الأخذ به كنموذج للعالم أجمع.
وقفة تأمل :
''أرى الناس خلان الجواد ولا أرى
بخيلاً له في العالمين خليل
عطائي عطاء المكثرين تكرماً
ومالي كما قد تعلمين قليل
إذا كنت في القوم الطوال أصبتهم
بعارفة حتى يقال طويل
وكم قد رأينا من فروع كثيرة
تموت إذا لم تحيهن أصول''