حرمة الدماء والأموال
(الإعلان الحقيقي الأول لحقوق الإنسان) كان هذا هو عنوان المقالة السابقة، حيث كنت مع القراء الأعزاء في سياحة حول أهمية فريضة الحج وما في الحج من دروس عظيمة وخاصة توحيد الله تعالى وطاعته ومحاربة الشيطان، ولو وعى المسلمون كل تلك الدروس وطبقوها قولاً وعملاً في الحج وكذلك في حياتهم اليومية لكانت الدول المسلمة الآن في مصاف الدول المتقدمة عقيدة وعلماً وأخلاقاً، ويكفي أن يتذكر المسلمون وهم في حجهم قصة إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل- عليهما أفضل الصلاة والسلام - وهما يمتثلان لأوامر الرب جل وعلا ويبذلان أعظم الجهود لإرساء قواعد البيت العتيق والتضحية ومحاربة الشيطان وهمزاته ووساوسه. على المسلمين أن يتفكروا في كل تلكم الجموع والحشود من ضيوف الرحمن التي ما زالت تتدفق وتسير ملبية وميممة وجهتها لبيت الله العتيق منذ آلاف السنين وحتى يومنا هذا بل وحتى قيام الساعة، عليهم أن ينظروا كيف يتعلم الحاج الصبر على الزحام والبعد عن الأهل والتنقل المستمر بين المشاعر المتباعدة وهو في حركة ودعاء دائبين واختلاط دائم بإخوانه المسلمين باختلاف جنسياتهم وثقافاتهم، وكيف أن على الحاج بالرغم من كل تلك الفعاليات أن يضبط نفسه ويحترم غيره، ولعل بعضاً من إيجابيات الحج التي يصعب حصرها هي التعارف والتجارة بالحلال و من دون انشغال عن الصلاة، وكذلك تجمع قادة المسلمين للتعاون والتشاور لما فيه خير الأمة الإسلامية وصلاحها. والآن مع:
بقية خطبة الوداع
ركز القائد والمعلم الأول محمد - صلى الله عليه وسلم - في أول خطبة الوداع على حرمة دماء المسلمين وأموالهم كما أبطل - عليه السلام - كل أمور الجاهلية خاصة المطالبة بالثأر وأكل الربا، وضرب - صلى الله عليه وسلم - المثل الأعلى والقدوة الحسنة بالتنازل عن ثأر ابن ربيعة بن الحارث من آل عبد المطلب الذي قتلته قبيلة هذيل، كما أبطل عليه السلام ربا أهل بيته وربا عمه العباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه -، وأكمل - عليه السلام - الخطبة قائلاً: (فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بأمان بكلمة الله .. ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح .. لهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده – إن اعتصمتم به – كتاب الله) ثم ختم المصطفى- عليه السلام - خطبته العصماء قائلاً للناس: وأنتم تُسألون عني فماذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فقال بإصبعه السبابة ينكتها (يرفعها إلى السماء ويقلبها ثم يشير تجاه الأرض إلى الناس) قائلاً: (اللهم اشهد ، اللهم اشهد) ثلاث مرات. انتهت الخطبة التي مصدرها كتاب (السيرة النبوية كما جاء في الأحاديث الصحيحة) لمؤلفه الدكتور علي محمد الصلالي. وهكذا نرى أن هذه الخطبة البليغة التي لم تتعد كلماتها الـ (171) كلمة لعلها قد حوت ليس فقط حقوق الإنسان الرئيسة بل وواجباته كذلك، وبذلك يحق للمسلمين أن يعتزوا بأن الإسلام قد أتى بذكر حقوق الإنسان وواجباته قبل ما يزيد على (1400) عام، بينما انتظرت منظمة الأمم المتحدة حتى عام 1948م لتخرج إلى العالم بإعلانها العالمي عن حقوق الإنسان، ولم يكن دقيقاً وشاملاً لواجبات الإنسان الرئيسة. لذلك فإن على المسلمين يتذكروا ويعتزوا بهذه الخطبة البليغة وأن يعتبروها هي الإعلان الحقيقي الأول ليس فقط لحقوق الإنسان فقط بل لواجباته أيضا لارتباط الحقوق دائماً بالواجبات كما لا يخفى على علينا. وكلما تذكر المسلمون فريضة الحج وجب عليهم أن يتذكروا يوم عرفة ويتذكروا على وجه الخصوص هذه الخطبة وأن يراجعوا ما قاموا به من أعمال فيستمروا على طيب القول والعمل ويستغفروا عن ما جنوه من خطايا وآثام ثم يعودوا إلى ربهم، وهكذا نرى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ركز في الخطبة على (حق الحياة) عندما حرم (الدماء)، و(حق التملك) عندما حرم (الأموال)، ولعل كل الدول في أزمان لاحقة اتفقت على حرمة إراقة الدماء واحترام حياة الإنسان، كما أعطت اهتماما كبيراً لـ (حق التملك) فلا يمكن اغتصاب الأموال ولا سرقتها ولا حرمان صاحب الحق من ماله ولا غسيل الأموال واستخدام المال في الرشوة وغيرها من سبل الفساد، وأكد - عليه السلام - حرمة الدماء والأموال بمقارنة ذلك بحرمة الزمان والمكان (حرمة يومكم هذا – عرفة – وشهركم هذا – ذي الحجة – وبلدكم هذا – مكة المكرمة) فما أبلغه من كلام وما أعظمه من تحريم وتخويف للمسلمين بشأن حرمة دمائهم وأموالهم. وفي الحلقة (199) نكمل ما تبقى.