الحوثيون في الجوف.. مسيرة موت ودمار
كانت محافظة الجوف- موطن مملكة معين القديمة- أول محطة لجماعة الحوثي لخوض حروبها خارج صعدة معقل الجماعة المتمردة، وهي ذات المحافظة التي باتت المقاومة الشعبية من أبنائها يطرقون أبواب صعدة ضمن مقاومة شعبية يمنية رافضة للانقلاب الحوثي على السلطة في 21 أيلول (سبتمبر) من العام الماضي.
في 2009 شنت الجماعة المتمردة حربها الأولى خارج معقلها وتحديدا ضد قبيلتي آل أبو حسين وآل صقرة بمديريتي المطمة والزاهر بالجوف، حيث اتهمت الجماعة أبناء القبيلتين بتعاونهما مع الدولة أثناء الحروب التي خاضتها معها آنذاك.
فرضت الجماعة حصارا امتد ثلاثة أشهر ضد أبناء القبيلتين، وكان الحصار لا يسمح بدخول أي مواد غذائية وهدمت عديدا من المنازل وقتلت كثيرا من أبنائها، حتى انتهت المشكلة بصلح قبلي.
وفي قرية الخزيع في مديرية الزاهر قصة أخرى تحكي شوطا آخر لهواة الدم وقعت أحداثها بتاريخ 28 تموز (يوليو) 2009 حين أجمع الحوثيون أمرهم باقتحام القرية والسيطرة على مسجدها، وقتلوا ثلاثة من أبنائها هم يحيى الوزير وعلي هادي وشخص آخر.
لم تنته القصة إلى هنا فقد أقدم الحوثيون بعد ذلك على إجبار أسرة زبن الله بالخروج من المنزل وتفجيره أمام أعين أطفاله وزوجته ويتشرد أطفاله، لتبدأ مسيرة التفجير للمنازل والخصوم خارج معاقلها.
وفي الـ29 من أيلول (سبتمبر) 2010 أقدمت جماعة الحوثي على قتل عدد من المواطنين في مديرية المراشي بحجة إقامة الاحتفال الرسمي بالعيد الوطني السبتمبري ورفع النشيد الوطني في المديرية.
تطور الأمر بجماعة الحوثي لتشن حربا واسعة ضد أبناء الجوف، ففي مطلع عام 2011 وبينما كان الشعب اليمني وشبابه في ساحات الثورة الشعبية بمختلف محافظات الجمهورية، جمع الحوثيون قواتهم من أماكن مختلفة وشنوا حربا ظالمة على أبناء المحافظة، دارت رحاها في منطقة سدبا القريبة من المنشآت الحكومية ومنطقة الغيل واستخدم فيها كل أنواع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، التي دعم بها أو نهبها من معسكرات الدولة.
بحسب الصحافي محمد الشبيري أوعز الرئيس المخلوع إلى الحوثيين بتسلم معسكر اللواء 115 في الجوف للتخويف من انهيار البلد في حال غادر السلطة، لكن ثوار الجوف كانوا أسرع في التحفظ على المعسكر ومنع الحوثيين من نهب سلاحه، وخاضوا معارك شرسة مع الحوثيين انتهت باتفاق يلزم الحوثيين بالانسحاب والعودة إلى مواقعهم السابقة على تخوم المحافظة.
وبحسب الصحافي مبارك العبادي، وهو من أبناء المحافظة، استمرت الحرب أربعة أشهر خلفت 94 شهيدا من أبناء الجوف وأكثر من 300 جريح بعضهم يعاني إعاقة دائمة. وقد لاقى الحوثيون مواجهة عنيفة من القبائل، وتكبدوا خسائر بشرية كبيرة، حيث تؤكد بعض المصادر المقربة من الجماعة سقوط أكثر من 400 قتيل حوثي ومئات الجرحى في تلك المعارك.
واستمرارا لمنهج الحروب الذي استمرأته الجماعة أقدمت على شن حرب أخرى نهاية عام 2013 وبداية عام 2014 في منطقة اليتمة بمديرية خب والشعف دون إبداء أي سبب مقنع إلا حبهم لسفك الدماء وقتل الأبرياء ومحاولة السيطرة على المحافظة وأبنائها والتحكم في حياتهم يقول العبادي استمرت تلك الحرب الشنيعة على أبناء المحافظة شهرا قدم فيها أبناء الجوف عشرات الشهداء والجرحى.
وأقدم الحوثيون على تفجير منازل كل من لا يدين لهم بالسمع والطاعة، ففي مديرية برط المراشي أقدمت تلك الجماعة على تفجير منزل هندي بريش مدير عام المديرية وعدد من إخوانه بسبب رفضه الانصياع لأوامرهم بعدم إقامة حفل ذكرى ثورة 26 أيلول (سبتمبر) في المديرية وتفجير منازل أخرى للمواطنين.
وقد تلقت "الاقتصادية" تقريرا من مؤسسة الجوف للإعلام "نبأ" يسرد انتهاكات جماعة الحوثي في محافظة الجوف من عام 2008 حتى 2015.
ففي مديرية المطمة والزاهر يفيد التقرير بقيام الحوثيين بتفجير العشرات من منازل المواطنين وإجبار ساكنيها على المغادرة والنزوح، حيث تم تفجير منزل الحاج هادي بن صالح بن صقرة والحاج أحمد بن صالح بن صقرة ومنزل علي بن سعد بن صقرة ومنزل هادي حسن أبو حسين ومنزل زبن الله الوزير وغيرها عشرات المنازل التي تم تفجيرها.
كما أن منطقة اليتمة التي تسيطر عليها المقاومة الشعبية اليوم شهدت نزوحا لأبنائها أثناء قيام جماعة الحوثي باقتحامهم وإجبارهم على النزوح منها.
وفي مديرية الغيل، وهي المديرية التي يحظى الحوثيون بوجود فيها، فجر الحوثيون منازل المخالفين لهم من المواطنين تفجيرا كليا، وتقول الإحصائيات، التي حصلنا عليها أن 41 منزلا تم تفجيره عبر زراعة الألغام، و35 منزلا تم تهديمها تهديما جزئيا بواسطة استهدافها بالقذائف المدفعية.
ويفيد التقرير بأن سكان هذه المنازل أجبروا على مغادرة منازلهم بحثا عن مأوى فمنهم من افترش الأرض والتحف السماء ومنهم من وجد خيمة لا تأويه من حر الشمس ولا من برد الشتاء ومنهم من سكن المدارس وهم بالمئات وسعيد الحظ من لجأ إلى قريب له في منطقة أخرى فكانت بعض البيوت تأوي بالإضافة إلى ساكنيها الأصليين ثلاث أو أربع أسر من أقاربهم الذين هجروا جبرا.
وقبل أن تندلع المقاومة الشعبية سيطرت جماعة الحوثي على عشرات المدارس في المحافظة وطرد الطلاب منها ومنع التعليم فيها، فيما شرعت عبر مؤيدين لها بتدريس ملازم مؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي في بعض المدارس.
ويفيد التقرير الذي تلقته "الاقتصادية" أن مدرسة السيدة عائشة- رضي الله عنها- في قلب مدينة الحزم تم إخراج الطالبات منها منذ أربع سنوات ليجعلوا منها مقرا لهم، وفي المراشي حرم الطلاب والطالبات من التعليم وفي الزاهر والمطمة أجبر الحوثيون طلاب المدارس على مغادرتها وتحويلها إلى ثكنات عسكرية أو مقرات تابعة لهم.
كما لفت التقرير إلى قيام الحوثيين بتخريب عدد من المنشآت الحكومية في المحافظة ومنها المجمع الحكومي في مديرية المنصاف والمجمع الحكومي في مديرية الزاهر وكل المنشآت الحكومية في مديرية المراشي من المجمع الحكومي ومبنى مكتب الصحة ومبنى التربية وإدارة الأمن وعديد من المدارس وإدارة أمن مديرية الزاهر، كما تم تفجير مبنى إدارة الأمن في مديرية الغيل.
كما قامت عناصر الحوثي بالسيطرة على عدد من المستشفيات والمرافق الصحية وتحويلها إلى مقار لأعمالهم من بعد أن سلبوا المعدات والأثاث لينشئوا بها مستشفيات مخصصة لهم، خصوصا في الغيل والمراشي والزاهر.
وانطلاقا من أن الزراعة في الجوف أهم مصدر من مصادر دخل أبنائها، تعمد الحوثيون محاربة كل مخالف لهم يعتمد على الزراعة، إما بمنعه وتجفيف أرضه أو بإحراق منازل المعارضين لهم أو بسلبها من أهلها والإتيان بمزارعين من خارج المحافظة لزراعتها لمصلحتهم أو بنهب مضخاتها فتوقف عدد من المزارع عن الإنتاج، كما أنهم يفرضون على المزارعين في المناطق التي يسيطرون عليها بدفع كامل الزكاة لمصلحتهم وإجبارهم على التبرع لمصلحة حروبهم.