الفيصل .. أوجد لبلاده رقما صعبا في معادلات المنطقة والعالم

الفيصل .. أوجد لبلاده رقما صعبا في معادلات المنطقة والعالم

إلى قبل أشهر قليلة، كان الأمير سعود الفيصل يعتلي صهوة الدبلوماسية السعودية بكل اقتدار مدافعا عن مصالح بلاده وشعوب أمته لتشهد له كلماته الأخيرة في محافل دولية وعربية ومحلية بالحنكة والقدرة والهم والهمة التي عجز المرض أن ينال منها، قبل أن يجود بأنفاسه الأخيرة في رحلة التعافي الطويلة التي انتهت عصر الخميس في يوم رمضاني يشبه ذلك اليوم الذي قاد فيه والده الفيصل قبل 42 عاما حملة المقاطعة العربية للدول الداعمة لإسرائيل في حربها مع الدول العربية.
حتى مطلع أيار (مايو) الماضي كان سعود الفيصل يكافح التيارات ويرسم لبلاده خطوط المسارات بين عواصف المنطقة المتأججة بالاحتقانات والانقلابات وتصدير الإرهاب والثورات ليوجد لبلاده في ظل أربعة ملوك عاصرهم رقما صعبا في معادلات المنطقة المتقلبة؛ لتجعل من بلاده استثناء في محيط التقلبات بفضل الله أولا ثم بفضل السياسة الرشيدة لبلاد آمنت أن الاستقرار وحده هو من يعلو بالأوطان.
ولد سعود الابن الثاني للملك فيصل بن عبدالعزيز في الطائف في يناير من عام 1940، ونال درجة البكالوريوس في قسم الاقتصاد من جامعة برنستون في ولاية نيوجيرسي الأمريكية عام 1963، وبدأ حياته العملية مستشاراً اقتصادياً في وزارة البترول والثروة المعدنية، قبل أن ينتقل بعدها إلى المؤسسة العامة للبترول والمعادن "بترومين"، حيث أصبح مسؤولاً عن مكتب العلاقات البترولية، الذي يشرف على تنسيق العلاقة بين الوزارة و"بترومين".
وفي عام 1970، عين الأمير سعود الفيصل نائباً لمحافظ "بترومين" لشؤون التخطيط، قبل أن يعين لاحقاً وكيلاً لوزارة البترول والثروة المعدنية عام 1971، ليصدر لاحقاً مرسوم ملكي بتسميته وزيراً للخارجية، إبان شغور المنصب بوفاة والده الملك فيصل بن عبدالعزيز، الذي كان وزيراً للخارجية إضافة إلى كونه ملكا للبلاد.
وتبقى مدينة الطائف التي ولد فيها الأمير الفيصل شاهدة على أبرز إنجازات الوزير الراحل والدبلوماسي الماهر، الذي أشرف مباشرة على اتفاقية الطائف التي رعاها الملك الراحل فهد بن عبدالعزيز لتنهي 15 عاما من القتال بين الفصائل اللبنانية في حرب أهلية ألقت فيها الرياض بثقلها لتوقف جريان الدماء، لتكون اتفاقية الطائف بين اللبنانيين وثيقة التعايش الجديدة التي سمحت لهذه الدولة العربية بالعودة مجددا للحياة.
سعود الفيصل الذي أرهقه المرض أخيراً، ظل يبدو لطيفا في مؤتمراته الصحافية، محبا للطرفة، مداعبا للحضور، إلى جانب كونه دبلوماسيا مفوها قادرا على الشرح والتبيان لمواقف بلاده، إذ كان يتقن سبع لغات إضافة إلى لغته الأم العربية، وكانت كلماته القوية تظهر كعناوين بارزة في كبريات الصحف العالمية.
الأمير الفيصل الذي أحب السلام، أحب العدل أيضا، حيث قال لمن دعوه إلى مصافحة وفد إسرائيلي في أحد مؤتمرات النقاش العالمية للقضية الفلسطينية: "لم نأت للتهريج ومضيعة الوقت". فيما يذكر الجميع حتى وقت قريب مضى اعتراضه خلال القمة العربية الأخيرة على رسالة للرئيس الروسي وجهت للقمة، واضعا النقاط على الحروف فيما يخص مواقف موسكو لقضايا المنطقة في وقت لم يبخس هذه الدولة الكبرى من حقها في قدرتها على التأثير بإيجاب في ملفات المنطقة.
سعود الفيصل الذي ودع المنصب الدبلوماسي الأهم، قال لمليكه وهو يقبل أخيرا طلب استقالته للظروف الصحية "سأظل الخادم الأمين"، فيما خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز الذي قبل الاستقالة عين الوزير الأقدم وعميد دبلوماسيي العالم مستشارا ورئيسا للشؤون الخارجية كنوع من العرفان لهذا التاريخ الحافل لهذه الشخصية.

الأكثر قراءة