أرقام مقلقة لإنتاج الدول العربية من الحبوب .. تصادم بين النمو السكاني وشح المياه
مؤشرات مقلقة لأرقام الوضع الغذائي من الحبوب في المنطقة العربية.. أعداد السكان تنمو بسرعة ويزداد في المقابل شح المياه؛ ليتشكل أول تصادم بين النمو السكاني وإمدادات المياه، ولأول مرة في التاريخ، ينخفض إنتاج الحبوب دون أن يتوافر أي شيء في الأفق لوقف الانخفاض.
وحسب أرقام منظمة الأغذية والزراعة الدولية "فاو" لعام 2014، بلغ إنتاج مصر من القمح 9.3 مليون طن، والعراق 3.8 مليون طن -4.2 مليون طن في 2013، وسورية 2.0 مليون طن -4.9 مليون طن في 2006، والسعودية 500 ألف طن، واليمن 192.2 ألف طن، ولبنان 140.0 ألف طن، والأردن 27.4 ألف طن، وفلسطين 19.6 ألف طن، وعُمان 2.2 ألف طن، والكويت 56 ألف طن، وقطر والإمارات 30 ألف طن، لكل منهما.
ولا تشكل الأقطار العربية سوى 5 في المائة من سكان العالم، ومع ذلك فإنها تستهلك أكثر من 20 في المائة من صادرات الحبوب في العالم، وقفزت واردات الحبوب إلى البلدان العربية من خمسة ملايين طن في 1960 إلى 30 مليون طن في 1990، إلى 70 مليون طن تقريباً من الحبوب في 2011.
والآن الحبوب المستوردة تمثل ما يقرب من 60 في المائة من استهلاك الحبوب الإقليمية، ومع ندرة المياه، وعدم الاستقرار السياسي، ومحدودية الأراضي الصالحة للزراعة، وركود الإنتاج، من المرجح أن تستمر واردات الحبوب في الارتفاع، وما يصاحبه من تنامي انعدام الأمن الغذائي.
وترجح التقارير أن يصل عجز الإنتاج العالمي من القمح هذا الموسم 2018 / 2019 قرابة 41 مليون طن، حيث يتوقع أن يبلغ الإنتاج نحو 717 مليون طن، مقابل 758 مليون طن الموسم الماضي، أي بنسبة انخفاض تقدر بـ 5.4 في المائة، وذلك من جرّاء تقلبات الطقس في منطقة البحر الأسود التي أثرت في إنتاج روسيا وأوكرانيا.
وتعد مصر أكبر منتج ومستهلك للحبوب في العالم العربي، حيث تستأثر بنحو 40 في المائة من محصول المنطقة، وتضاعف إنتاج الحبوب في بلاد وادي النيل على مدى السنوات العشرين الماضية، فمِن إنتاج قدره خمسة ملايين طن في 1960، إلى عشرة ملايين طن في 1990، بلغ الإنتاج 21 مليون طن في 2007، قبل أن يهبط إلى 16 مليون طن في 2010.
لكن نظراً لأن جميع المياه العذبة والأراضي الصالحة للزراعة المتاحة في البلد تقريبا تستخدم بالفعل في الزراعة، فمن غير المحتمل رؤية زيادة في حصاد الحبوب.
وكان إنتاج السعودية من القمح طوال سنوات الستينيات والسبعينيات يُلامس الصفر تقريبا، أو بين 80 إلى 150 ألف طن تقريباً، كمعدل عام، لكن في الثمانينيات، بدأت السعودية ضخ المياه الجوفية من أعماق الأرض؛ ما سمح لها بزراعة الصحراء.
وبدعمها إنتاج القمح بالسعر العالمي مرات عدة، أصبحت المملكة في أوائل التسعينيات ثاني أكبر منتج للقمح العربي بعد أن تجاوز إنتاجها أربعة ملايين طن، وفي هذه الذروة، حصدت السعودية أكثر من ضعف القمح الذي استهلكته، لتُصدِّر الفائض.
لكن مع استنزاف إمدادات المياه الجوفية تقريبا، انخفض إنتاج القمح بحلول منتصف التسعينيات من 4.1 مليون طن إلى 1.2 مليون طن، وفي 1997 بذلت السعودية جهودا جبارة لترفع إنتاجها إلى مليونَي طن، ثم إلى نحو ثلاثة ملايين طن في 2003 وكان ذلك ثاني أعلى رقم قياسي تسجله المملكة في إنتاج القمح.
وبعد أكثر من 20 عاما من الاكتفاء الذاتي من القمح مع التصدير، أعلنت السعودية في كانون الثاني (يناير) 2008، أن مياه الطبقة الجوفية استنفدت إلى حد كبير، وأنها ستتخلص تدريجيا من إنتاج القمح.
وبين 2007 و2010، انخفض المحصول الذي كان بحدود ثلاثة ملايين طن بأكثر من الثلثين ليهبط الإنتاج إلى مليون طن في 2009، وبحلول 2016، عملت السعودية على التخلص التدريجي من إنتاج القمح بالكامل، وفي غضون 25 عاما، ستكون المملكة قد انتقلت من تصدير القمح إلى الاعتماد حصراً على الواردات.
والمياه الجوفية الأحفورية في السعودية على عكس معظم طبقات المياه الجوفية، لا تتغذى بشكل طبيعي من هطول الأمطار، ومياه البحر المحلاة التي تستخدمها المملكة لتوريد مدنها باهظة التكلفة لاستخدامها في الري.
وإنتاج الحبوب في جميع أنحاء العالم العربي في ركود، مقابل نمو سريع في الطلب على الحبوب مع توسع السكان، ومنذ 1960، تضاعف عدد سكان الأقطار العربية أربع مرات تقريبا إلى 390 مليون نسمة.
وبحدود 2050 من المتوقع أن تضيف البلدان العربية 260 مليون نسمة، مما يزيد بشكل كبير من الضغط على الأراضي والموارد المائية الخاضعة أصلا للتشديد.
وإذا كان الخطان البيانيان لحجم إنتاج البلدان العربية من القمح واستهلاكها متقاربين جدا في 1960 (16 مليون طن للخط الأول، و18 مليون طن للخط الثاني)، فإن الخطين التقيا في نقطة واحدة في السنوات 1962 و1963 و1964، بمعنى اكتفاء العالم العربي من إنتاج القمح بتعادل إنتاجه مع استهلاكه.
غير أن الخطين البيانيين أخذا طريق الافتراق بشكل طفيف وتدريجي منذ نهاية الستينيات. لكن ابتداءً من منتصف السبعينيات، افترق خط الإنتاج عن الاستهلاك بقوة، ليصعد الاستهلاك بوتيرة أقوى من صعود الإنتاج.
وفي 1974، على سبيل المثال، كان إنتاج العالم العربي من القمح بحدود 25 مليون طن، واستهلاكه نحو 28 مليون طن، إلا أنه في عام 1977 هبط الإنتاج إلى نحو 20 مليون طن وصعد الاستهلاك إلى نحو 38 مليون طن، وفي 1984، كان الإنتاج يراوح عند 20 مليون طن، في حين بلغ الاستهلاك 62 مليون طن.
وهكذا يواصل الاستهلاك ارتفاعه بزخم أقوى من الإنتاج الذي لم يتجاوز 44 مليون طن في 1990، مقابل نحو 72 مليون طن للاستهلاك، وفي منتصف التسعينيات بلغ الإنتاج نحو 55 مليون طن، مقابل 81 مليون طن للاستهلاك.
وفي 2000، هبط إنتاج البلدان العربية من القمح إلى 35 مليون طن، في حين حلَّق الإنتاج حول 90 مليون طن، وفي 2011، بلغ إنتاج القمح 32 مليون طن مقابل 119 مليون طن للاستهلاك.
لكن النمو السكاني ليس العامل الوحيد الذي يزيد الطلب على الحبوب، فمع السياسات التي تشجع إنتاج اللحوم في عديد من البلدان العربية، ارتفعت كمية الحبوب المستخدمة في علف الماشية والدواجن من أقل من نصف مليون طن في 1970 إلى 40 مليون طن في 2011، بينما زاد استهلاك اللحوم والألبان.
حتى الآن، ملأت واردات الحبوب الفجوة الآخذة في الاتساع بين الإنتاج والاستهلاك، لكن النمو السكاني وحده سيرفع الطلب على الحبوب في البلدان العربية، إلى 200 مليون طن بحدود 2050، أي ما يعادل ثلثي صادرات الحبوب العالمية الحالية. زيادة استهلاك اللحوم سترفع الطلب حتى أعلى من الطلب على الحبوب، وسيصبح ضمان إمدادات الحبوب أكثر صعوبة تدريجيا مع تطلع البلدان إلى استيراد المزيد من الحبوب من الخارج.
وتتصدر منطقة شرق آسيا مناطق إنتاج القمح بـ 253 مليون طن، تليها منطقة الاتحاد الأوروبي (28 دولة) بنحو 140 مليون طن، ثم منطقة البحر الأسود بـ 124 مليون طن، فأمريكا الشمالية بنحو 85 مليون طن.
وتستحوذ ست دول والاتحاد الأوروبي (28 دولة) على 88 في المائة من صادرات القمح العالمية، بإجمالي 155.2 مليون طن خلال عامَي 2017 و2018.
والدول هي: روسيا حيث بلغ حجم صادراتها 41.1 مليون طن بنسبة 7.10 في المائة، تليها أمريكا بـ 22.8 مليون طن، بنسبة 6.25 في المائة، ثم دول الاتحاد الأوروبي بـ 22.4 مليون طن، بنسبة 4.38 في المائة، فكندا بـ 21.7 مليون طن، بنسبة 3.63 في المائة، وأوكرانيا بـ 17.7 مليون طن، بنسبة 3.29 في المائة، تليها أستراليا بـ 15.5 مليون طن، بنسبة 3.18 في المائة، ثم الأرجنتين بـ 14 مليون طن بنسبة 3.18 في المائة. وأوضح التقرير الذي استند إلى إحصائية مجلس الحبوب العالمي، أن حجم تجارة القمح في العالم بلغ نحو 176 مليون طن خلال عام 2017 / 2018.
وتشكل دول القارة الإفريقية نحو 30 في المائة من حجم الواردات العالمية من القمح. وتستحوذ أكبر عشر دول مستوردة للقمح في العالم، على نحو 39 في المائة من التجارة العالمية للقمح، حيث جاءت مصر على رأس قائمة الدول العشر بحجم استيراد 12.5 مليون طن، بنسبة 7.10 في المائة، ثم إندونيسيا بـ 11 مليون طن، بنسبة 6.25 في المائة، والجزائر بحجم استيراد 7.7 مليون طن بنسبة 4.38 في المائة، وفي ذيل القائمة جاءت فيتنام بحجم 4.5 مليون طن بنسبة 2.55 في المائة.