"المملكة الرقمية" مؤهلة باقتدار لاستضافة قمة العشرين
تكتسي قمة مجموعة العشرين في الرياض أهمية خاصة، من حيث المكان، فلأول مرة تحتضن أرض عربية أشغال المنتدى الرئيس للتعاون الدولي، منذ تأسيسه عام 1999. ومن حيث السياق، إذ تنعقد القمة في عالم مضطرب إلى أبعد الحدود. تعد قمة هذا العام استثنائية بكل المقاييس، فالجائحة التي لا تزال فصولها مستمرة، تعيد إلى الأذهان ما ترويه كتب التاريخ عن وباء إنفلونزا عام 1918.
وتزداد تلك الأهمية، عند النظر إلى الملفات الكبرى المطروحة على جدول أعمال القمة، المزمع عقدها 21 و22 نوفمبر، بداية بأحوال ومآلات الاقتصاد العالمي بعد جائحة كورونا. مرورا بمسألة التوترات والاضطرابات السياسية حول العالم، بشقها التقليدي، مجسدا في الصراع بين الدول، والحديث، ممثلا في انتشار الكراهية وتنامي الخطاب العنصري. وصولا إلى موضوع الاقتصاد الرقمي، الذي يضع الاقتصادات التقليدية موضع تساؤل، بما يقدمه من خيارات وبدائل. كل هذا يجعل أنظار العالم مشدودة نحو الرياض، لمتابعة مخرجات قمة اختارت شعار "اغتنام فرص القرن الـ21 للجميع".
شعار قدمت السعودية للعالم أجمع نموذجا على الامتثال له، بعدما اختارت، نظرا إلى ما يفرضه الوباء من قيود واحتياطات لضمان الوقاية والسلامة، أن تعقد أشغال هذه القمة، وفي سابقة من نوعها، بشكل افتراضي. بذلك تضرب المملكة المثل بنفسها، كدولة جسدت عمليا وواقعيا هذا الشعار، بفضل ما راكمته من حصاد وإنجازات في رحلة الرقمنة، بمختلف الأوجه والأصعدة، متقدمة على دول تصنف ضمن نادي الدول المقدمة.
رحلة الرقمنة في المملكة
انخرطت السعودية، على غرار باقي دول العالم، كل وفق ما يستدعيه السياق، وتسمح به الإمكانات والفرص، في مشروع التحديث التقني ونهج الرقمنة، منذ بداية الألفية الثالثة. قبل أن تزداد سرعة عملية الرقمنة في البلد، في ظل القيادة الجديدة للمملكة التي أدركت أن التحول الرقمي هو من يصنع المستقبل، فالغد للاقتصاد الرقمي ولغة البيانات والذكاء الاصطناعي والابتكارات المستدامة... وغير ذلك، مما سيشكل لا مناص فارقا جوهريا بين دول وأخرى في المستقبل.
على هذا الأساس، كان مشروع التحول الرقمي ركيزة أساسية من ركائز "رؤية السعودية 2030"، التي أطلقتها قيادة البلاد عام 2016، ورسمت أهـدافا كبرى تسعى إلى بناء مجتمع رقمي واقتصاد رقمي ووطن رقمي، على نحو يضمن التحول إلى مجتمع رقمي مبني على إنشاء منصات رقمية لإثراء التفاعل والمشاركة المجتمعية الفاعلة، بما يسهم في تطوير مناحي الحياة في البلد، وتحسين التنافسية والتأثير الإيجابي في الوضع الاقتصادي، وتوليد الوظائف المعرفية، وتقديم خدمات أفضل للمستفيدين، وتحفيز الإبداع من خلال استقطاب الاستثمارات والشراكات المحلية والعالمية في مجالات التقنية والابتكار.
وتخوض المملكة غمار تجربة التحول نحو الرقمنة، فيما مجموعة العشرين لا تزال تطالب أعضاءها بالانخراط، بجدية ومسؤولية، في مشروع التحول الرقمي. لما يولده هذا الأخير من فرص مهمة، تفتح المجال للارتقاء بمعايير المستوى المعيشي عبر صنع سياسات، تركز على الإنسان، وتستند إلى البيانات والأدلة والأرقام، وعبر التنافسية الاقتصادية المتنامية، وفرص العمل عالية الجودة، وتعزيز الخدمات العامة المقدمة، بما يلبي احتياجات جميع المدن على اختلاف أحجامها، واحتياجات المجتمعات المحلية في المناطق البعيدة، وعبر المشاركة المجتمعية الأكثر شمولا لأشخاص من شتى الخلفيات.
وجاءت جائحة كورونا لتضع العالم، بما فيها دول مجموعة العشرين باعتبارها من أقوى التجمعات الاقتصادية، أمام اختبار حقيقي حول انخراط هذه الدول في مشاريع وخطط التحول الرقمي. إذ فرض فيروس كورونا على الجميع، قسريا، تغيير طرق العيش والعمل والتحرك... فكانت الابتكارات التقنية والتكنولوجية السبيل الأوحد لمواصلة الحياة، مع ضمان شروط الحماية والوقاية.
ذكاء العاصمة ثمرة التحول
كانت العاصمة الرياض إحدى عواصم مجموعة العشرين التي نجحت في هذا التحدي، بعدما حققت نتائج نوعية في الأعوام الأخيرة، بحسب مؤشر IMD للمدن الذكية لعام 2020، الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية الذي أضحى مرجعا أساسيا لدى المنظمات والمؤسسات الدولية الأخرى للتنافسية بين الدول، ولدى صناع القرار على مستوى العالم لقياس أثر الاستراتيجيات الوطنية في تعزيز مستويات الرفاهية، وتحقيق التقدم وضمان جودة الحياة المجتمعات.
وحققت الرياض المرتبة الخامسة، كأذكى مدينة بين عواصم مجموعة العشرين، متجاوزة مدنا عالمية، مثل طوكيو وروما وباريس وبكين. تقدم استثنائي لعاصمة المملكة في وقت سجلت فيه مدن عالمية "نيودلهي، مومباي، أبوجا، لاغوس" تراجعا في ترتيبها، كما فقدت عواصم عربية بدورها نقط مهمة. يذكر أن الرباط تراجعت بأربعة مراكز عن العام الماضي "105"، فيما فقدت القاهرة بدورها سبعة مراكز "106" في ترتيب المدن الذكية. يفسر هذا التراجع بتأثير جائحة كورونا، وغياب الاستعداد اللازم للتعامل مع تداعيات الوباء، وما رافق ذلك من مشكلات ذات صلة بالبنية التحتية.
نجحت الرياض في تجاوز إكراهات الجائحة، محرزة تقدما في أغلبية المؤشرات المعتمدة من لدن المعهد الدولي، ومنها: المقدرة على تبني أحدث التقنيات والحلول الرقمية، والسرعة والمرونة في معالجة التعاملات الحكومية الرقمية، وسلاسة الوصول إلى الخدمات الطبية والثقافية، ومدى توافر فرص التعلم مدى الحياة من قبل المؤسسات المحلية، وسهولة الوصول إلى قوائم وفرص عمل من خلال الإنترنت، وجودة تدريس المهارات الإلكترونية في المدارس.
جدير بالذكر، أن المدن الذكية عبارة عن تجمع عمراني، يسهم في تطوير عديد من القطاعات، مثل: النقل الذكي "برمجيات الرحلات والحجوزات وأنظمة النقل العام"، والاقتصاد الذكي "برمجيات تطور قطاعات الإمداد والتوصيل والخدمات..."، إضافة إلى بناء منصات تفاعلية مع الجمهور لتحديد احتياجاتهم وتطلعاتهم والتفاعل معهم بشفافية. يضم هذا التجمع ثلاثة عناصر أساسية: العناصر التقنية والعناصر الاجتماعية والأساس البيئي. بذلك تكون هذه المدينة اندماجا لثلاث مدن مختلفة في المدينة الواحدة، وهي: المدينة المعلوماتية "الافتراضية"، والمدينة المعرفية والمدينة البيئية. إنها باختصار شديد، المكان الذي يلتقي فيه العالم الافتراضي بالعالم الواقعي.
وهذا ما تمكنت الرياض من تحقيقه بشهادة أرتورو بريس Arturo Bris، مدير مركز التنافسية العالمية WCC التابع للمعهد الدولي للتنمية الإدارية، الذي أكد أن أداء الرياض في هذا المجال يعد مثالا يحتذى، وأضاف "أحرزت الرياض تقدما كبيرا في أدائها هذا العام، متجاوزة مدنا مثل طوكيو وروما وباريس وبكين، الأمر الذي يعد رسالة قوية مفادها بأن الرياض قطعت شوطا كبيرا في الطريق الصحيح، لتطوير وتحسين نوعية ومستوى حياة مواطنيها".
هذه البداية فقط، فتفاصيل "رؤية 2030" تكشف عن خطة لتحويل أكثر من مدينة سعودية إلى ذكية. وقد شكل فيروس كورونا، كما جاء في أحدث تقرير لموقع Write Caliber، حافزا إضافية لتسريع عملية الرقمنة، على عدة جبهات في المملكة، مؤكدا أن "أزمة كورونا تعد بميلاد المملكة الرقمية". توجه تعززه توقعات الخبراء، بأن تكون المملكة في طليعة الدول التي تحقق التحول الرقمي، خلال عشرو إلى 20 عاما المقبلة، فأكثر من نصف سكان المملكة تقل أعمارهم عن 25 عاما، ما سيسهم بشكل كبير في تحولها إلى دولة تقنية ورقمية رائدة.
كما أن لغة الأرقام والبيانات تعزز هذا التوجه، فالتقرير النصف سنوي للإنفاق في المدن الذكية، الصادر عن المؤسسة العالمية للبيانات، يفيد ببلوغ الإنفاق في مجال المدن الذكية 124 مليار دولار عام 2020، مسجلا زيادة تبلغ 18.9 في المائة عن الإنفاق الموثق لعام 2019. من جانبها، تؤكد الشركة الدولية للتدقيق والاستشارات KPMG في تقرير لها، بعنوان "صعود المدن الذكية" إلى زيادة القيمة السوقية للمدن الذكية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من 1.3 مليار دولار في 2018 إلى 2.7 مليار دولار في 2022.