خيوط التضخم .. في أي مشهد يبحث المستثمرون؟

خيوط التضخم .. في أي مشهد يبحث المستثمرون؟

لا يمكن أن تكون رسالة أكثر وضوحا من التي وجهها كبار محافظي البنوك المركزية في العالم أواخر الشهر الماضي. أصر محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي، ونظيره جاي باول في الولايات المتحدة، وكريستين لاجارد من منطقة اليورو على أن التضخم المرتفع - وأسعار الفائدة المرتفعة - ستستمر.
لكن عندما يتعلق الأمر بالولايات المتحدة ومنطقة اليورو، لا يزال المستثمرون غير مقتنعين بأن ما ثبت أنها أسوأ نوبة تضخم منذ جيل ستستمر طوال المدة التي يدعيها واضعو أسعار الفائدة - على الرغم من ارتفاع العوائد الأسبوع الماضي.
وما زالوا يتوقعون أن يخفض الاحتياطي الفيدرالي تكاليف الاقتراض بدءا من أواخر العام الحالي أو أوائل العام المقبل، على الرغم من رهان باول - الذي ذكر في المنتدى الرئيس للبنك المركزي الأوروبي في سينترا - بأن ضغوط الأسعار ستظل أعلى من مستهدف 2 في المائة الحاسم بعد نهاية 2024.
قد يستغرق عكس الزيادات السريعة في أسعار الفائدة التي شهدناها خلال العام الماضي من البنك المركزي الأوروبي وقتا أطول قليلا. لكن تسعير السوق لا يتزامن إلى حد كبير مع تطلعات واضعي أسعار الفائدة في منطقة اليورو أيضا. ويتوقع المستثمرون زيادتين في سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة في منطقة اليورو هذا العام، يليها تخفيضان على مدار 2024.
في المملكة المتحدة، حولت الأسواق توقعاتها في الاتجاه الآخر. كما تعتقد الآن أن بنك إنجلترا سيحتاج إلى مزيد من التشدد، برفع أسعار الفائدة من مستواها الحالي عند 5 في المائة إلى ذروة تصل إلى 6.5 في المائة في آذار (مارس) 2024، وهو ما سيتسبب في مزيد من الألم على حاملي الرهون العقارية في البلاد.
لكن حتى في بريطانيا، حيث لا تزال ضغوط الأسعار أكثر حدة منها في الولايات المتحدة أو أوروبا، هناك بصيص أمل بشأن التحول في كيفية تحديد الشركات للأسعار.
تستطلع بنوك مركزية كثيرة، ومن ضمنها بنك إنجلترا، آراء آلاف الشركات كل شهر لمعرفة كيفية تحديد الأسعار. تكشف هذه الاستطلاعات أن التكاليف لم ترتفع بسرعة فحسب، بل في تعديلات متكررة أيضا. كما أظهر استطلاع لجنة صناع القرار التابعة لبنك إنجلترا لرأي كبار المسؤولين الماليين في الشركات أنه قبل أن يرتفع التضخم، كانت نحو نصف الشركات تحدد أسعارها مرة واحدة فقط في العام. إلا أن عدد تلك الشركات انخفض الآن إلى الثلث تقريبا.
هذه مسألة بديهية، لأن اختناقات سلسلة التوريد التي ظهرت أثناء الجائحة - وتفاقمت بسبب الحرب في أوكرانيا - إلى جانب ارتفاع تكاليف الطاقة، عرضت الشركات لتغيرات سريعة في الأسعار. وبطبيعة الحال، أدى هذا إلى مزيد من التحولات المتكررة في التكاليف التي تفرضها الشركات على عملائها.
كان التغيير في الوتيرة هائلا. وفقا للجنة صناع القرار التابعة لبنك إنجلترا، أكثر من خمس الشركات غيرت الأسعار مرة واحدة في كل ربع من العام الماضي - بارتفاع مما يزيد قليلا على شركة واحدة من كل عشر شركات في 2019. من المثير للقلق، أن ما يقارب 15 في المائة من الشركات غيرت الأسعار مرة واحدة في الشهر - مقارنة تقريبا بـ5 في المائة من الشركات في 2019.
لكن ما مدى السرعة التي ستخفض بها الشركات الأسعار مع تراجع الضغوط الآن؟ هناك بعض العلامات الإيجابية. أظهر رسم بياني مأخوذ من عرض تقديمي في منتدى سينترا قدمه هوو بيل، كبير الاقتصاديين في بنك إنجلترا، أن الشركات التي أبلغت عن تغيير الأسعار بشكل متكرر العام الماضي توقعت أن يكون التضخم أقل في 2023. كما توقعت رفع الأسعار بمتوسط 5 في المائة بين الوقت الحالي حتى حزيران (يونيو) المقبل. وذلك مقارنة بـتوقعات بنحو 6 في المائة من الشركات التي ترفع أسعارها سنويا.
فيما أخبرنا بيل قائلا، "لا يوجد مجال للتهاون بشأن مخاطر استمرار التضخم المتزايد، نظرا إلى التطورات الأخيرة في أسعار الخدمات ونمو الأجور. لكن استطلاع سلوك التسعير في الشركات هذا يعطي بعض الأدلة التي تشير إلى الاتجاه الآخر".
أمام الشركات بشكل متزايد مجال لخفض الأسعار. بعد الارتفاع الكبير العام الماضي، أظهرت الأرقام الصادرة الأسبوع الماضي أن تكاليف الشركات المصنعة في منطقة اليورو انخفضت مباشرة لأول مرة منذ 2020 في العام المنتهي في أيار (مايو)، على خلفية الانخفاض الحاد في أسعار الطاقة. في المملكة المتحدة، ارتفعت التكاليف 0.5 في المائة فقط - بانخفاض 24 نقطة مئوية تقريبا عن أعلى مستوى لها في صيف 2022.
في بعض المناطق، تستجيب الشركات بخفض الأسعار الاستهلاكية. من الأمثلة على ذلك الحليب في الولايات المتحدة. على مدار 2022، سجلت وزارة الزراعة الأمريكية ثمانية تغييرات في تكلفة جالون الحليب كامل الدسم الذي تم شراؤه من أحد متاجر واشنطن العاصمة، حيث ارتفع سعره من 4.19 دولار في بداية العام إلى مستوى عال عند 5.04 دولار في آب (أغسطس) 2022. وبعد عدة انخفاضات منذ ذلك الحين، تراجعت الأسعار هذا العام ثلاث مرات - من 4.99 دولار في كانون الثاني (يناير) إلى 4.19 دولار في يونيو.
بشكل عام، تراجع تضخم أسعار المواد الغذائية في الولايات المتحدة أخيرا على خلفية الانخفاض في أسواق الجملة الدولية العام الماضي. هناك إشارات جديدة تدل على أن أسعار المواد الغذائية الأوروبية ستلحق بها قريبا.
لكن قد لا يكون الانخفاض في الأسعار كبيرا مثل الانخفاض في تكاليف المنتجين. لنأخذ تكاليف الديزل في المملكة المتحدة كمثال، والتي يمكن أن تتغير بصورة يومية. أظهر تقرير صادر عن هيئة المنافسة والأسواق أنه عندما ارتفعت تكاليف المنتجين، رفع تجار التجزئة الأسعار في محطات التعبئة بسرعة. وعندما انخفضت تكاليف المنتجين، انخفضت الأسعار أيضا بالنسبة إلى المستهلكين - ولكن بوتيرة أبطأ بكثير. كان الفارق بين تكاليف تجار التجزئة والسعر الذي يدفعه العملاء أعلى بكثير من المستويات التاريخية في مايو 2023، على الرغم من الانخفاضات الحادة في أسعار الجملة.
توضح الصورة المختلطة سبب توخي واضعي أسعار الفائدة في المملكة المتحدة وأماكن أخرى الحذر الشديد في تغيير رسالتهم. بعد إصرارهم منذ البداية على أن ضغوط الأسعار لن تدوم طويلا، لن يرغب محافظو البنوك المركزية في إعلان النصر على التضخم حتى تصبح الأدلة دامغة. لكن ربما يحتاج المستثمرون الذين يبحثون عن مؤشرات التضخم إلى مراقبة دقيقة للمشهد الذي تصبح فيه السلع اليومية أقل تكلفة.

الأكثر قراءة