ماذا لو انسحبت أمريكا من صندوق النقد والبنك الدوليين ؟
بعد انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ ومنظمة الصحة العالمية، ربما يسحب الرئيس دونالد ترمب البلاد من مزيد من المؤسسات الدولية في الأشهر المقبلة. الجدير بالذكر أن المشروع 2025 ــ الذي يحدد الخطوط العريضة لرئاسته الثانية، والذي وضعته "مؤسسة التراث" المحافظة ــ يدعو الولايات المتحدة إلى الانسحاب من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. بدلا من الرضوخ لمطالب ترمب، ينبغي للبلدان الأعضاء أن تدرك أن انسحاب الولايات المتحدة سيلحق الضرر بالولايات المتحدة في المقام الأول، وأن تستفيد من ذلك في التفاوض وفقا لشروطها الخاصة.
في الرابع من فبراير، أَمَر ترمب بإجراء مراجعة شاملة مدتها 180 يوما لكل المنظمات الدولية التي تنتمي الولايات المتحدة إلى عضويتها وتدعمها، فضلا عن "جميع الاتفاقيات والمعاهدات التي تكون الولايات المتحدة طرفا فيها". يتماشى هذا التوجيه مع أهداف المشروع 2025، الذي يعد صندوق النقد الدولي والبنك الدولي "وسيطين مكلفين" "يعترضان" طريق التمويل الأمريكي قبل أن يصل إلى المشاريع في الخارج. إذا اتبع ترمب دليل المبادئ هذا، فسيكون خروج الولايات المتحدة وشيكا.
لعل الأمر الأكثر أهمية هو أن التكلفة الفعلية لمشاركة الولايات المتحدة في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أقل كثيرا مما يفترض كثيرون. تقوم وزارة الخزانة كل عام بتقييم الأثر المالي لمساهمات البلاد في صندوق النقد الدولي. في السنة المالية 2023، أبلغت عن مكاسب غير محققة قدرها 407 ملايين دولار.
على النقيض من مؤسسات عديدة متعددة الأطراف، لا يعتمد البنك الدولي للإنشاء والتعمير على تبرعات الدول المباشرة. بل يجمع رأس المال بدلا من ذلك عن طريق إصدار السندات ثم إقراض العائدات للاقتصادات النامية والناشئة. في الواقع، يمول البنك الدولي للإنشاء والتعمير نفسه بنفسه ــ أصدر البنك سندات بقيمة 52.4 مليار دولار أمريكي في 2024. ورغم أن سنداته مدعومة بضمانات من البلدان الأعضاء، فإن البنك الدولي للإنشاء والتعمير لم يستغل قط رأسماله الضامن. وعلى هذا فإن كل مساهم يقدم جزءا صغيرا من حصته الملتزم بها "كرأس مال مدفوع". بالنسبة للولايات المتحدة، يصل هذا المبلغ إلى 3.7 مليار دولار ــ أي نحو 19% من 20 مليار دولار من إعانات الدعم التي قدمتها الحكومة الفيدرالية لشركة SpaceX التي يملكها إيلون ماسك على مدار السنوات الـ15 الأخيرة.
من المؤكد أن الولايات المتحدة تسهم في البنك الدولي بطرق أخرى. في 2018، على سبيل المثال، وافقت إدارة ترمب الأولى على زيادة قدرها 7.5 مليار دولار لرأسمال البنك الدولي للإنشاء والتعمير. لا يتطلب هذا زيادة المساهمات المالية من الولايات المتحدة. لكن الولايات المتحدة تحصل على كثير في المقابل. على سبيل المثال، تأتي مساهماتها في ذراع الإقراض الميسر التابعة للبنك الدولي، وهي المؤسسة الدولية للتنمية، طوعية ويعاد التفاوض بشأنها كل 3 سنوات، وهذا يمنح الولايات المتحدة قدرا هائلا من النفوذ على القروض التي تقدمها المؤسسة الدولية للتنمية.
ببساطة، سيكون الانسحاب من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي خطأ فادحا، إذ أنه يجرد الولايات المتحدة من قدرتها على تشكيل قواعد النظام النقدي الدولي وملاحقة مصالحها الإستراتيجية. مع ذلك، يبدو أن بعض الأصوات على الأقل في إدارة ترمب تميل إلى الاستسلام لهذا الإغراء.
حتى لو لم تنسحب الولايات المتحدة من البنك الدولي واكتفت بدلا من ذلك بحجب تمويلها له، فقد تلجأ البلدان الأعضاء التي تمثل 70% من إجمالي القوة التصويتية إلى تعليق حقوقها في التصويت بسبب امتناعها عن الوفاء بالتزاماتها المالية. وعندها تخسر الولايات المتحدة جميع حقوقها بموجب مواد اتفاقية البنك ــ باستثناء الحق في الانسحاب ــ بينما تظل ملزمة بالوفاء بالتزاماتها الحالية. وفي حال استمر التعليق لأكثر من عام، تخسر الولايات المتحدة عضويتها تلقائيا ما لم تصوت الأغلبية ذاتها لإعادة العضوية إليها.
خاص بـ"الاقتصادية"
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2025.