الجدران الاقتصادية أم كفاءة العالم؟
في خطوة قد تعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي، أعلن الرئيس ترمب عن تعريفات جمركية جديدة في رئاسته الثانية، يهدف ظاهرياً إلى تقليص العجز التجاري الأمريكي الذي بلغ ذروته في السنوات الأخيرة، لكن وراء هذا القرار سؤال اقتصادي أعمق، هل سيظل العالم متشابكاً عبر جسور التجارة الحرة التي شيدها النظام الليبرالي على مدى عقود، أم أننا نشهد بداية تفكك هذا النسيج الذي أصبح أساس الرفاهية العالمية؟
تُعد هذه التعريفات سلاحاً إستراتيجياً لاستعادة الهيمنة الأمريكية في عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، تعتمد واشنطن على سوق استهلاكية ضخمة بقيمة 16.3 تريليون دولار سنوياً، وهيمنة الدولار كعملة احتياطية عالمية بنسبة 62% من احتياطيات العالم، ما يمنحها نفوذاً لا يضاهى، لكن الهيمنة ليست مجرد أرقام، بل تتطلب إجبار الدول على إعادة التفاوض على قواعد اللعبة التجارية، سواء كانت كبيرة كالصين أو صغيرة كفيتنام التي واجهت رسوما بنسبة 46%.
يهدف ترمب إلى تعزيز الإنتاج المحلي، لكن الواقع يكشف ثمناً باهظاً، ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية. تاريخياً أثبتت تعريفات "سموت-هاولي" في 1930 أن الحمائية قد تكون قنبلة موقوتة، إذ تسببت في انهيار التجارة العالمية بنسبة 66% خلال عامين، ما فاقم الكساد الكبير وأغرق ملايين الأسر في البؤس، هل يمكن أن تتكرر هذه المأساة؟
في المقابل، تمتلك الصين احتياطيات نقدية تبلغ 3.25 تريليون دولار، تمنحها مرونة لتخفيض قيمة اليوان وتوجيه 20% من صادراتها إلى آسيا وإفريقيا عبر "الحزام والطريق"، التي تربط 65% من سكان العالم بشبكة اقتصادية تتحدى التعريفات الأمريكية، لكن واشنطن ليست بلا رد، فقد استخدمت عقوبات على شركات مثل "هواوي" لتعطيل هذه المبادرات، معززة سيطرتها على سلاسل التكنولوجيا، ولا تقتصر التأثيرات على الصين، فالهند التي تعتمد على تصدير عدد من السلع والمنسوجات والبرمجيات إلى أمريكا قد تشهد انخفاضاً في صادراتها بنسبة لا تقل عن 15%، بينما تواجه المكسيك، مورد رئيسي لقطع السيارات، ضغوطاً مماثلة.
هذه الحرب الاقتصادية تحول شبكة التجارة من جسور تعاون إلى ساحة صراع، فعلى سبيل المثال، نجحت تعريفات 2018 في تنشيط صناعة الصلب والألمنيوم الأمريكية، لكنها أثارت ردود فعل انتقامية من الصين على الزراعة، ما رفع أسعار السلع داخل الولايات المتحدة، هنا يبرز الصراع بين رؤيتين، الليبرالية الكلاسيكية ترى التجارة الحرة كمحرك للكفاءة والرفاهية والترابط، بينما يفضل ترمب نهج بناء جدران اقتصادية تحمي الصناعات المحلية، حتى ولو عاق ذلك عجلة الاقتصاد العالمي.
داخل أمريكا، يدفع المستهلكون الثمن، فالأسرة المتوسطة التي تنفق 40% من دخلها على الضروريات، تواجه زيادة في تكاليف المعيشة، عمال الصلب قد يحتفلون بزيادة في فرص العمل، لكن مزارعي الغرب الأوسط يعانون تراجع صادراتهم، بينما تتأثر شركات التكنولوجيا بارتفاع تكاليف المكونات، هذا التوتر يربك الاحتياطي الفيدرالي الذي يواجه تحديا في موازنة النمو والتضخم والديون.
خارجياً، تعاني الدول النامية التي تعتمد على تصدير السلع الأساسية تراجع الطلب، ما يهدد اقتصاداتها الهشة، فاذا استمر هذا النهج، فقد يتشكل العالم إلى كتل اقتصادية متصارعة، مثلما حدث قبل الحرب العالمية الأولى.
في النهاية، تُلقي تعريفات ترمب بظلالها على مستقبل الاقتصاد العالمي، فهل ستنجح واشنطن في فرض هيمنتها، ولو على حساب الكفاءة والترابط العالميين؟ الرأي الاقتصادي يحذر من تمزق نسيج الترابط الاقتصادي، فهل تستطيع الدبلوماسية الاقتصادية إيجاد مسار وسطي يحمي المصالح الوطنية دون إشعال حرب تجارية شاملة، أم أننا محكومون بتكرار أخطاء الماضي؟