بعض المعبرين يسمع رؤى كثيرة ولا يقول في إحداها لا أدري
أكد الشيخ سعود الشريم إمام وخطيب المسجد الحرام أن من باب الإنصاف والمصارحة والنصح ألا نلقي باللائمة كلها في موضوع الرؤى والإفراط فيها على آحاد الناس فحسب، بل لا بد من تعدية الأمر إلى المعبرين أنفسهم الذين يعبُرون الرؤى، إذ عليهم مسؤولية عظمى تجاه الرائين.
وأضاف إنه لا بد للعابر أن يكون عالماً بهذا العلم العظيم، وأن يدرك المصالح والمفاسد في هذا الميدان، وألا ينصِّب نفسه للفتيا في الرؤى ويتطلَّع إليها، لا سيما عبر الشاشات وفي المجامع الكبيرة. فتعبير الرؤى قرين الفتيا وقد قال الملك [يأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِى فِى رؤياي إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ [يوسف:43]، يقول ابن القيم رحمه الله: "المفتي والمعبِّر والطبيب يطَّلعون من أسرار الناس وعوراتهم على ما لا يطلع عليه غيرهم، فعليهم استعمال الستر فيما لا يحسن إظهاره"، ومضى يقول إن على المعبرين ألا يتسارعوا في التعبير، وألا يجزموا بما يعبرون، وأن يعلموا خطورةَ هذا الجانب وما يوصله إليه من الافتتان والإعجاب بالنفس وتعظيم شأنه فوق شأن المفتين وأهل العلم، وقد نقل ابن عبد البر عن الإمام مالك أنه سئل: أيعبُر الرؤيا كلُّ أحد؟ فقال مالك: أبالنبوة يُلعب؟![1] وقد نقل ابن عبد البر أيضاً عن هشام بن حسان أنه قال: كان ابن سيرين يُسأل عن 100 رؤية فلا يجيب فيها بشيء، إلا أنه يقول: اتق الله وأحسن في اليقظة فإنه لا يضرك ما رأيت في النوم، وكان يجيب في خلال ذلك ويقول: إنما أجيب بالظن، والظن يخطئ ويصيب ، فإذا كان هذا هو قول إمام المعبرين في زمانه وما بعده من الأزمان فما الظن بمن جاء بعده، إننا لنسمع بالمعبِّر يُسأل عن ألف رؤيا لا تسمع مرةً يقول: لا أدري، أو يقول: هذه أضغاث أحلام، أو يقول: هذه حديث نفس، إلا من رحم ربك ، وأبان أنه على المعبرين أن يدركوا خطورةَ تعبير الرؤى من خلال الشاشات التي يراها الملايين من الناس، وكذا المجامع الممتلئة بالحشود، وذلك للأمور التالية:
أولها: أن الانفتاح المطلق بالتعبير نوع فتنة من أجل حديثه في أمور الغيب، لا سيما أن أحداً لا يستطيع أن يجزم بصحة ما يقول العابر من عدمه، إلا من رأى ذلك في واقعه، وهذا شبه متعسِّر عبر الشاشات.
وثانيها: تعذر معرفة حال الرائي عبر الشاشات والمجامع من حيث الاستقامة من عدمها، وهذا له صلة وثيقة بتعبير الرؤية، فابن سيرين سأله رجلان كل منهما رأى أنه يؤذن، فعبرها للصالح منهما بالحج لقوله تعالى: وَأَذّن فِى ?لنَّاسِ بِ?لْحَجّ [الحج:27]، وعبرها للآخر بأنه يسرق لقوله تعالى: ثُمَّ أَذنَ مُؤَذّنٌ أَيَّتُهَا ?لْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ [يوسف:70]، والشاطبي ـ رحمه الله ـ يقول في مثل هذه الحالة: "فمتى تتعين الصالحة حتى يُحكم بها وتترك غير الصالحة؟!".
وثالثها: عدم إدراك عقول الناس لطريقة بعض المعبرين للرؤية لا سيما عبر الشاشات والمجامع حيث يكون تعبيرهم بصورة تجعل المستمع الجاهل لأول وهله يقول: هذا تكهّن أو تخمين أو عرافة، ونحن قد أمرنا بمخاطبة الناس على قدر عقولهم، فقد أخرج البخاري في صحيحه قول علي ـ رضي الله عنه ـ: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذَّب الله ورسوله؟!)[2]، وعند مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (ما أنت محدث قوما حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة)، رابعها: أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فالمفسدة من خلال التعبير عبر الشاشات أشد من مصلحته، لأمور لا تخفى على متتبِّعها، لا سيما أنها في أمور غيبية وأنها كالفتوى، والسلف الصالح كانوا يتدافعون الفتوى ما استطاعوا، ناهيكم عن بعض الفساد المتحقق من خلال ما يشاهد ويسمع من تعبير رؤية لفتاة مثلا أنها ستفشل في نكاحها أو لامرأة تعبَّر لها أن زوجها تزوج عليها سرًّا بامرأة أخرى. فما ظنكم بحال الأولى والأخرى، فهذه تترقب الفشل في كل حين مع ضيق نفسها وانشغال بالها، وتلك باهتزاز كيانها والشك في زوجها المرة تلو الأخرى، ناهيكم عمن يرينَ مثل هذه الرؤى، فيكتفين بما سمعنَه من تعبير لغيرهم فيقِسن عليه دون الرجوع إلى معبر عالم اكتفاءً بما سمعنَه أو شاهدنَه، فتكون الطامة حينئذ، وقولوا مثل ذلك فيما يراه الرجال والشباب.