رسائل البنوك الصينية
أوردت صحيفة "الشرق الأوسط" في العدد 10551 بتاريخ 18 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي خبراً مفاده عزم أكبر البنوك الصينية, وهو بنك الصين التجاري والصناعي, افتتاح فروع في الدوحة, دبي, سيدني, وموسكو. وعلى هامش اجتماعات الحزب الشيوعي الصيني الحاكم أوضح رئيس البنك أن الدافع وراء افتتاح فرعي دبي والدوحة هو كون منطقة الشرق الأوسط سريعة النمو وتتميز بتوافر رساميل الأموال، علماً بصدور موافقة السلطات الصينية على افتتاح هذه الفروع وانتظار قرار سلطات البلدان المستهدفة.
بداية، حين نقرأ خبراً يفيد بنية أحد أكبر بنوك العالم، بل البنك الأكبر في أسرع دول العالم نمواً أن يفتتح فروعاً تستهدف مناطق جغرافية محددة، فإن ذلك ليس من قبيل الدعاية والإعلان أو إنشاء الفروع دون حساب فقط من أجل التفوق في إحصائيات نهاية العام كحال بعض البنوك. إن قرار بنك الصين التجاري والصناعي افتتاح هذه الفروع مبني دون أدنى شك على حسابات دقيقة للأرباح والخسائر بما يتفق مع استراتيجية البنك التي ترتكز على أن يكون البنك الرابط الأساسي مع الاقتصاد الصيني لقطاع الأعمال العالمي. ويعد توجه البنك الصيني منطقيا, خصوصاً مع تسارع انفتاح الاقتصاد الصيني وارتفاع أحجام التبادل التجاري بين الصين ودول العالم، وعلى الخصوص دول مجلس التعاون الخليجي التي تشكل مصدراً لا غنى عنه لتوفير طاقة التشغيل للمصانع الصينية من خلال توفير النفط والغاز الطبيعي في الوقت نفسه الذي تمثل فيه سوقاً مهمة للصادرات الصينية في منطقة الشرق الأوسط.
وبالنظر إلى الأعوام القليلة الماضية فيما يتعلق بدور البنوك الصينية في التعاملات التجارية، نلاحظ وجود السيطرة التقليدية لبنوك هونج كونج على تسيير التعاملات المصرفية بين العملاء الصينيين والعالميين بجانب بعض البنوك الصينية التي كانت تعاني بيروقراطية بيئة الأعمال الحكومية وتأثيرها في مستويات الكفاءة، تقديم الخدمات، وبالتالي التنافسية مع البنوك المتمركزة في هونج كونج.
وبنظرة تحليلية لقرار التوسع للبنك الصيني، نلاحظ أن الوجهات المستهدفة تشمل روسيا التي تعد من أكبر مصدري النفط وتمتلك أكبر مخزون للغاز الطبيعي في العالم، الدوحة التي تحتل المركز الثالث على العالم في حجم احتياطيات الغاز الطبيعي، أستراليا التي تسيطر السلع الأولية على هيكل صادراتها، ودبي التي تشكل بوابة الدخول الأسهل والأكثر حرفية للوصول إلى الأسواق الإقليمية النفطية الخليجية بما فيها السوقان السعودية والكويتية.
وبالتدقيق في تعاملات هذه الأسواق، نلاحظ ارتباطها بالتصدير إلى الصين بشكل أكبر من الاستيراد منها، خصوصاً في المواد الأولية ومصادر الطاقة نظراً لصغر حجم بعض الأسواق كسوق قطر. إذن، يبدو أن استراتيجية بنك الصين الصناعي والتجاري من خلال التوسع العالمي تركز على خدمة المستورد والمصنع الصيني بالدرجة الأولى عوضاً عن السوق المستهدفة من خلال تسهيل التعاملات المالية والمصرفية مع الدول المصدرة للطاقة والقرب من مصادر الطاقة بأسرع وقت ممكن كالحال في فرع دبي الذي أكاد أجزم أنه يستهدف السوق السعودية، إلا أن وجوده هناك يعود إلى تباين التشريعات واللوائح وسرعة تنفيذ إجراءات الترخيص والتشغيل.
وأخيراً، فإن تركيز البنك التجاري والصناعي الصيني على الأسواق التي توفر الطاقة لمحركات الاقتصاد الصيني لا يعني انعدام فرص التعاون والاستثمار. فمن المهم أن يتم تسويق باقي التعاملات المصرفية وتعاملات الأعمال كالصناديق الاستثمارية المشتركة التي تغطي مختلف درجات المخاطرة والأسواق المختلفة، وتأسيس برامج للحماية البيئية والتنمية الاجتماعية بين مختلف الصناديق والمستثمرين لضمان التقبل الشعبي أولاً، ولقبول نماذج الأعمال التي يتم تسويقها ثانياً، وللحصول على عوائد اقتصادية مستدامة تنتفع بها الأجيال المقبلة ثالثاً وأخيراً.