فتح النوافذ على "سابتكو" (2 من 2)

[email protected]

بعد تناول قرار تحرير قطاع النقل البري ودلالاته الاقتصادية على هيكل الصناعة عموماً من ناحية التأثير في هيكل الأسعار، الهيكل التنافسي، توازنات السوق، والتغيرات المتوقع أن تأخذ مكاناً نتيجة لتحرير القطاع، يتم تسليط الضوء في هذه الحلقة الثانية على توازنات السوق وتحركاتها في مرحلة ما بعد تحرير القطاع بجانب الآثار الجانبية التي من المحتمل أن تنجم عن التحرير وما يتوجب على الجهات التنظيمية التنبه إليه لضمان نجاح عملية تحرير القطاع وتفادي الإضرار غير المتعمد بقرى وهجر ومدن ليست على قائمة الوجهات المستهدفة لشركات النقل البري الداخلي التي تنتظم في الطابور حالياً للحصول على الترخيص.
ففي مرحلة ما بعد التحرير ودخول المنافسين لقطاع النقل البري، فليس من المتوقع ملاحظة التفاوت الكبير بين تكاليف التنقل الداخلي نظراً لتوقع السوق للسعر التوازني والاقتراب إليه عند مقارنة أسعار "سابتكو" مع أسعار شركات الظل التي تعمل في قطاع النقل الداخلي دون ترخيص، علماً بأن من المرجح متابعة "سابتكو" تسعيرات المنافسين وخدماتهم حينها إن لم تكن تغط في نوم عميق منذ بداية فترة الاحتكار. ومن المتوقع أن تتجه الأسعار نحو السعر التنافسي الأقل مع ارتفاع حدة المنافسة ومحاولة الشركات - بما فيها "سابتكو" - لتكوين قاعدة من العملاء وحصة سوقية مستدامة. بيد أن التحدي الأكبر يكمن في نوعية الخدمة المقدمة للعملاء والزبائن، فبفرض الوصول إلى الحد الأدنى في التنافس على انخفاض الأسعار وعدم التمكن من استمرار التخفيض، فإن مستوى الخدمات والشرائح المستهدفة يحول الاستراتيجية التسويقية إلى شرائح سوقية قد تضمن جدوى الاستثمار والتفوق على المنافسين ضمن نموذج الأعمال الجديد.
وبجانب تفاعلات السوق المتوقعة وإيجابيات سياسات تحرير القطاع إلا أن هناك بعض المخاطر التي قد تطل جودة قطاع النقل البري وسمعته ككل. فالمخاطر المحتملة عند تحرير قطاع النقل البري بين المدن دون وضع الضوابط التي تضمن تشغيل جميع الخطوط بما فيها وجهات المردود المالي المتدني التي يترتب على تشغيلها تحمل خسائر مالية قد تؤدي إلى تركز عمليات الشركات الداخلة إلى حلبة المنافسة على الخطوط المربحة وتهمل الوجهات الأقل عائدا على الرغم من كونها تخدم قطاعا لا يستهان به من المواطنين والمقيمين في القرى والهجر المنتشرة في جميع أنحاء المملكة. وهذه المخاطرة التي قد تؤدي إلى إهمال احتياجات بعض القرى والهجر على وجه الخصوص لن يتم التنبه إليها إلا بعد التحرير واحتكام المتنافسين إلى مبادئ تعظيم الأرباح وقوانين السوق نظراً لالتزام "سابتكو" خلال الـ 30 عاما الماضية بخدمة الوجهات غير المربحة والقيام بعملية نقل تكاليف لموازنة متوسط الأرباح بين الوجهات المربحة والوجهات التي من مسؤولية الشركة المحتكرة أن تخدمها.
وعلى الرغم من اقتراب موعد تحرير قطاع النقل البري الداخلي، إلا أن الجهات الحكومية المختصة لم تقم لحد الآن بوضع الأنظمة، التشريعات، المواصفات، ومعايير الجودة والسلامة لخدمات النقل العام لفترة ما بعد التحرير مما ينذر بحدوث انفلات في السوق يصعب السيطرة عليه بعد أن يبدأ، كتقديم الخدمة بحافلات قديمة ومتهالكة أو كحال الخطوط الداخلية في الرياض وجدة، حيث يجوب شوارع المدينتين كم هائل من حافلات خط البلدة من نوع (كوستر) التي تفتقر إلى أبسط مقومات السلامة المرورية والمواصفات التي لا تتناسب مع المستوى الحضاري والجمالي لمدننا. وكمثال للمواصفات والشروط والمعايير، فإن الشروط الضرورية التي لابد من مراعاتها واستيفائها من قبل مقدمي خدمات النقل العام الداخلي تتضمن التأمين على الركاب، تدريب السائقين وإخضاعهم لاختبارات متقدمة، إنشاء الورش الثابتة والمتنقلة، تأمين الأجهزة والكوادر الفنية، إنشاء المحطات ومواقف الحافلات والمظلات، توظيف أنظمة المعلومات والتخطيط والجدولة، وتصميم معايير القياس وتقييم الأداء بجانب تطبيق أنظمة الرقابة الحديثة ومتابعة الأسطول على شبكة الخطوط الطويلة باستخدام أنظمة الرصد الإلكترونية كنظام GPS.
وأخيراً، من المهم التأكيد أن سيناريو شركة الاتصالات السعودية قد يعيد نفسه بطريقة مغايرة نوعاً ما. فـ "سابتكو" تمتلك ميزات إيجابية منها ميزة السبق، البنية التحتية، شبكة المواصلات، الارتباطات مع مختلف الجهات، النهج التفضيلي الحكومي لـ "سابتكو"، والخبرات المتراكمة، وغيرها من نقاط القوة التي لا يستثنى منها حجم رأس المال والاستثمارات بجانب الحصول على الفرصة لرفع الحواجز أمام المنافسين خلال الفترة الماضية. ولكن، هناك وجه آخر للحقيقة، فكالميزات السلبية التي واجهتها شركة الاتصالات السعودية، قد تتضرر "سابتكو" من التاريخ السيئ الناجم عن استغلال المكانة الاحتكارية وتهميش رأي العملاء ومستوى رضاهم على مدى سنوات، ما خلق سمعة وصورة نمطية في عقول الكثير من العملاء لمنتجات الشركة مقارنة بغيرها وهذا قد يؤثر في التقييم ساعة الاختيار حالياً ومستقبلاً.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي