المنصور .. الرائد الذي رحل!
في حياة الشاعر الرائد عبدالرحمن المنصور، الذي رحل عن دنيانا قبل أيام، الكثير مما يستحق التدوين والتوثيق. فحياته تروي قصة طموح وعصامية فذة ابتدأت من المكان الذي ولد فيه (الزلفي) ولم تنتهِ إلا بمواراته في الثرى. كما أن حياته شاهدة على كثير من التفاصيل والتبدلات التي عاشها المجتمع السعودي، الذي انتقل بفضل من الله ثم بجهود مؤسسه وبانيه الأول الملك عبدالعزيز آل سعود، من الخوف إلى الأمن ومن الجوع إلى العيش الرغيد والظل الوارف.
حدّثني الشاعر عبدالرحمن المنصور، حينما التقيته قبل سنوات في مسكنه في واحة الهفوف في حوار مطوّل استهدف كتابة سيرته ومسيرته، عمّا بقي في ذاكرته، حينما كان عمره سبع سنوات، وكانت الزلفي تعيشُ حالةً من القلق والخوف والترقب لما ستكون عليه نهاية معركة السبلة، إذ يذكر المنصور أنه ذهب ووالدته وإخوانه إلى مزرعتهم في ناحية (السيح) شمال شرقي بلدة الزلفي، وبعد أن اصطاد وإخوانه طيوراً طبختها والدتهم مع (المرقوق) وحينما كان المرقوق على النار، سمعوا أصواتاً من بعيد، تُنبئ عن غارة جديدة، فأيقنوا أنهم من جيش "الإخوان" الذين تمركزوا في شرق روضة السبلة، فولوا هاربين لايلوون على أحد باتجاه البلدة، التي دخلوها وأغلقوا من خلفهم بوابة سورها المُشاد حديثاً! إذ يتذكر الشاعر المنصور تفاصيل بناء سور الزلفي، الذي بُني قبيل معركة السبلة، خوفاً من غارات الإخوان على البلدة!
ترك الشاعر المنصور "مرقوق" والدته على تلك النار الهادئة، وقرر "الهروب" من الزلفي إلى مدينة الأحلام الرياض، التي كان يرى الكثير من أبناء بلدته يتوجهون إليها من أجل العلم أو العمل، فتوجه مع قافلة وعمره لايتجاوز الحادية عشرة، ليحط في "دخنة" وليعمل خادماً لدى المفتي الأكبر الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، براتب قدره أربعة ريالات! وذات مرة صحب الشيخ لأداء فريضة الحج، وفي مكة كانت هناك يدٌ حانية تنتظره، لتغير مسار حياته بشكلٍ مغاير لما كان يتمناه أو يخطط له!
إنها يد الشيخ حمد الجاسر، الذي أصر عليه وألزمه بالبقاء في مكة ليتعلم في المعهد السعودي، وحينما حاول الفتى الاعتذار بحجة أن سماحة الشيخ قد لايقبل، قال له الجاسر: قل للشيخ أنك ستتعلم القرآن الكريم في حلقات المسجد الحرام! وأمام إلحاح الجاسر وإصراره، قرر الفتى النجدي البقاء في الحجاز، مهما كلف الأمر، ولا سيما أن حمد الجاسر تعهد له بإدخاله المعهد وأن يسكنه معه في غرفته، المطلة على شارع سويقة. ومن غرفة حمد الجاسر بدأت رحلة المنصور نحو العلم والثقافة والأدب والعمل الجاد وصراع الأفكار!
يذكر الشاعر المنصور الشيخَ حمد الجاسر بمشاعر ملؤوها الامتنان والتقدير والعرفان، فهو والده، الذي أخذ بيده وعلّمه ودعمه، ولم يكتف الجاسر بإيوائه وإدخاله المعهد، بل شفع له لدى الشيخ عبدالله السليمان، حينما كتب له يثني على الفتى النجدي، ويطلب تكرم الوزير بتخصيص مكافأة شهرية له، فقرر الوزير منح المنصور مكافأة قدرها (20) ريالاً، لينتقل إلى غرفة مستقلة وسكنٍ خاص به!
يقول المنصور: من هذه المكافأة، استأجرتُ غرفةً مجاورة للشيخ حمد بخمسة ريالات شهرياً، وأصرف على الأكل عشرة ريالات، وأوفر خمسة ريالات شهرياً!
بعد رحلة علمية إلى الأزهر الشريف عاد إلى الوطن وأسهم في إدارة شؤون العمل والعمال، حينما انتظم مراقباً في مصلحة العمل والعمال، التي أُسست قبيل عودته كنتيجة لإضراب عمال "أرامكو" السعوديين.
هناك الكثير من النقاط في حياة المنصور تستحق إثرائها وإجلائها، وأملي أن أُعيد نشر الكتاب، الذي سبق وأصدرته عنه، بمزيدٍ من التفاصيل. وإلى ذلك، سيحفظ التاريخ للمنصور أنه رائد الشعر الحديث في نجد وأول من نشر قصيدة التفعيلة، التي نشرها له حمد الجاسر في أول عدد يصدر من مجلة "اليمامة" عام 1952.