السكن .. نار أسعار ورمضاء إيجار
بعد وصول مشكلة الإسكان إلى طريق شبه مسدود أمام طالبي السكن ممن لم تمكنهم الظروف من تملكه، خصوصا بعد هذا الغلاء الذي صعد من أسعار شرائه، وجعل من إنشائه وبنائه مستحيلا بعد ارتفاع أسعار مواد البناء، خاصة حديد التسليح. جاء ارتفاع قيم الإيجارات خاصة السكنية في الآونة الأخيرة ليوصل المشكلة للخط الأحمر فعليا، فالمواطنون الذين لا يمتلكون سكنا نتيجة عوامل عدة أهمها "شح آليات التمويل السكاني الناشئة عن عدم اكتمال منظومة التشريعات والأنظمة والإجراءات" حسب تقرير للجنة الشؤون المالية في مجلس الشورى، لكون مشكلة كالإسكان يحتاج حلها إلى منظومة تمويل واسعة وكبيرة وليس لجهد فردي، لأن التكلفة فوق الإمكانات الفردية، هؤلاء المواطنون، وهم يمثلون شريحة واسعة، استعاضوا لحل مشكلة سكنهم بالاستئجار، وإلى ما قبل عام تقريبا كانت أسعار الإيجارات خاصة السكنية منها معقولة ومقبولة لدى الغالبية، إلا أن حمى أسعارها، بل السعار الذي أصابها منذ أكثر من عام, الذي وصل إلى ما فوق 50 في المائة دفعة واحدة، وضع غالبية المواطنين الذين يسكنون بالإيجار أمام مأزق حقيقي ضاعف معاناتهم مع السكن. فهذه الارتفاعات في أثمان الإيجارات التي فرضها الملاك، وكثير منهم بالغ في رفع نسبتها فعلا، مثلت تكلفة لا يقدر عليها كثيرون، وأسهمت بشكل مباشر في التأثير السلبي في مؤشر التضخم الذي وصل أخيرا إلى ما فوق 10 في المائة.
ما دمنا نتعامل بنظام السوق والاقتصاد الحر من الطبيعي أن يقدم الملاك على رفع أسعار إيجارات عقاراتهم، خصوصا ضمن سياق غلاء عام, لا يبدو أنه تحت السيطرة فعلا، إلا أننا لا نبرئ غالبيتهم من استغلال مفرط حين قاموا برفع الإيجارات خاصة السكنية منها بنسب كبيرة خلال فترة وجيزة على مستأجرين جلهم من ذوي الدخل المحدود، خصوصا حسب مقاييس اليوم مع انخفاض قيمة الريال الشرائية، وهو إجراء أجزم بأنه مبالغ فيه وغير منطقي واستغلال سيئ لظرف صعب، إضافة إلى ضعف مبرراته الاقتصادية، فالمعروف أن السلعة يرتفع ثمنها بناء على سعر التكلفة، فما التكلفة التي تجعل الملاك يتسابقون ويتنافسون على رفع أسعار إيجارات عقاراتهم لهذا الحد المبالغ فيه ..؟
أخشى القول إن إفراط الملاك في رفع نسب قيم الإيجارات بهذه الحدة, وفي ظل ظروف غلاء يعانيه الجميع، يعطي انطباعا سلبيا بأن القيم المادية البحتة هي التي باتت تحكم علاقاتنا على حساب قيم كالتراحم وفضائل كالقناعة ضمن القاعدة الإسلامية "لا ضرر ولا ضرار"، ولكي نكون صرحاء, ولا يغضب منا الملاك فإن ما أصاب الإيجارات من ارتفاعات كبيرة أخيرا مثل ضررا أصاب كثيرا من المواطنين. وفي هذا السياق أود أن أشير لذلك المالك الذي قدم نموذجا رائعا وإنسانيا بالغا حين قام بمبادرة يقدر ويشكر عليها بخفض الإيجارات بنسبة 20 في المائة عن سكان عمارته في مدينة جدة، كما نشرت إحدى صحفنا قبل أسبوعين، وهو خبر كان يفترض أن يكون العنوان الرئيسي وليس خبرا منزويا في صفحة داخلية، وبرر ذلك المالك الإنسان فعلا ما قام به بأنه مراعاة لظروف المستأجرين مع الغلاء، واقتناع منه بأن الله سيبارك فيما سيدخل عليه.
على خلفية ذلك، يبدو أن حرية الاقتصاد فهمت خطأ على اعتبار أنها تطلق العنان للطمع واستغلال الظروف, حسب قاعدة العرض والطلب, كما هو حادث في انفلات عقال الإيجارات حاليا، وهذا ليس صحيحا، فعندما تصبح الزيادات حتى لو كانت بحجة الاقتصاد الحر تمثل عبئا اقتصاديا له انعكاسات اجتماعية سلبية، يصبح التدخل واجبا لضبط السوق وعدم ترك العنان للمبالغة والمغالاة غير المبررة، وهذا ما أقدمت عليه دول خليجية حين سارعت بكبح جماح الإيجارات حين حددت سقفا للزيادات سنويا، وهو ما يجب أن يحدث لدينا، خصوصا أن الملاك بالغوا في استغلال موجة الغلاء بأكثر مما يجب. ويمكن فعل ذلك من خلال طريقتين إحداهما ودية من خلال استثارة الشعور الإيماني بتذكير الناس على لسان أئمة المساجد في خطب الجمع بالفرق بين الكسب المشروع والطمع والجشع، وضرب أمثلة بهذه الارتفاعات الكبيرة في الإيجارات وما تحدثه من ضرر مادي واجتماعي ومعيشي للمستأجرين، والثانية رسمية بتدخل الجهات المسؤولة لتحديد نسب الإيجارات في ظل هذه الظروف، لا ترك المغالاة غير المقننة تحكم العلاقة بين المؤجر والمستأجر، وعلينا تذكر دوما أن المساس بقيم الإيجارات بهذه الارتفاعات الحادة يوصل المشكلة الإسكانية فعلا للخط الأحمر حين يجد الناس أنفسهم واقعين بين نار الأسعار ورمضاء الإيجار.