تنظيم سوق العمالة المنزلية السوداء

[email protected]

تعد حاجتنا إلى العمالة المنزلية مشكلة مستوطنة في حياتنا الأسرية, فيندر وجود أسرة سعودية يمكن أن تعيش بلا خادمة, وإلى حد كبير دون وجود سائق. وما إن تهرب الخادمة أو تسافر حتى تصاب الأسرة بما يشبه الشلل وتعلن حالة طوارئ مشددة فيتم على الفور البحث عن خادمة مؤقتة بأي ثمن وطريقة, وليس أمامنا إلا البحث في الداخل, ففي ظل شروط الاستقدام ومتطلباته وكذلك تكاليفه المالية التي تذهب هباء منثورا حين الهرب, وجدت سوق عمالة منزلية سوداء في كثير من مدننا, وقوام هذه السوق خادمات متخلفات عمرة أو حج أو هاربات من كفلائهن, وهن متوافرت وبكثرة, خصوصا من الجنسية الإفريقية. ووجود هذه السوق أوجد آلية تشغيل تبدأ من الوكيل أو الوكيلة اللذين عن طريقهما يتم البحث والعرض, وقد تمرسوا وعرفوا أن من يبحث عن خادمة فهو مضطر, فتبدأ مساومة يفرض فيها الراتب الذي تريد العاملة مع إجازة كل أسبوعين مدفوعة الأجر, ويستغرب فعلا أن تقوم هذه العمالة رغم أنها لا تقيم إقامة نظامية, وتعد متخلفة بفرض شروطها دون خوف أو خشية من أي عواقب, بل إنهن يسارعن بترك العمل حالما يحصلن على راتب أعلى, وهذه من المميزات التي تشجع على الهرب.
من جهة أخرى, هناك من اتجه إلى الاستثمار في العمالة فقام بشراء إقامة عدد من الخادمات ثم أخذ يؤجرهن بمبالغ كبيرة تصل إلى 2500 ريال شهريا, يدفع منها للخادمة راتبها المستقدمة عليه ويجني الكفيل/ التاجر بقية المبلغ, وهذه تنتشر في مدن كحائل ومنطقة القصيم. وبقدر ما في ذلك من ممارسة عمل ممنوع رسميا, حيث لم يقر نظام تأجير العمالة المنزلية, فأظن أن هذه الطريقة هي ما تسمى المتاجرة بالبشر, وإلا كيف يسمح إنسان لنفسه بالتكسب من عرق الآخر وجهده وإن امتلك عقد استقدامه؟
في ظل هذا الوضع بوجود سوق سوداء للعمالة المنزلية من متخلفات بالدرجة الأولى وهن بالمناسبة بكثرة ووفرة, خصوصا في مدن كبيرة كجدة, مكة المكرمة, والرياض, يبرز سؤال وهو: ما دام الأمر كذلك فلماذا لا تنظم العملية وتقنن بدلا من تركها تحدث خارج النظام ومن خلفه وفي وضح النهار؟ وهنا أقترح اقتراحا فيه إيجابيتان مهمتان, الأولى الاستفادة من وجود هذا الكم الكبير من متخلفات يمارسن العمل المنزلي فعلا وتحويلهن من متخلفات ومتهربات إقامة إلى مقيمات إقامة نظامية وفق شروط, وهو ما سيساعد على التقليل من مشكلة المتخلفين. والثانية أن تشغيل مثل هذه العمالة الموجودة في بلدنا من خارج نظام الإقامة سيخفف كثيرا من طلب الاستقدام حتى لا نضيف عمالة أجنبية سينضم بعضها لبقية المتخلفين بالهرب, ما سيجعلنا ندور في حلقة مفرغة. والاقتراح هو أن يتم اختيار عدد من مكاتب الاستقدام وفق تقييم أدائها ويسمح لها تحت إشراف وزارة الداخلية والإمارة باستقطاب جزء من هذه العمالة التي تتوافر فيها شروط محددة مثل السن, بحيث لا يقل عن 25 سنة ولا تزيد على 50 سنة وممن مضى على إقامتها مثلا خمسة أعوام فأكثر, حتى لا يستغل ذلك المتخلفون الجدد وتصدر لهم إقامة عمل منزلي بكفالة هذه المكاتب يحدد فيه راتب لها يخصم منه المكتب أتعابه بنسبة محددة أيضا, وبذلك نكون قد عالجنا وجود جزء من المتخلفين من ناحية وقللنا من الاستقدام من ناحية أخرى. وهنا أنبه إلى أن ذلك يتطلب تعاونا من المواطن أولا حين يرفض تشغيل أي عمالة متخلفة إلا من خلال هذه المكاتب, الذي لن يكون إلا إذا حددت التكاليف بما يشجعه على التعاون.
أعرف أن هناك موانع ومحاذير حيال ذلك, ولكن نحن أمام مشكلة عمالة ومتخلفين وسوق عمل, فإما أن نحتويها بأي طريقة بما يحقق مصلحتنا وإلا تركها تكبر وتتضخم ونحن نغمض عنها عيوننا, فهذه العمالة المتخلفة موجودة وتعمل, وتجاهلها ليس هو الحل.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي